|
الاثنين, 16 أغسطس 2010 01:40 |
|
.jpg)
مواطنون مغاربة
د. إدريس جنداري - مرَّت منطقة الغرب الإسلامي بفترات طويلة من الصراع مع إسبانيا، الجار الشمالي؛ وذلك منذ سقوط غرناطة سنة 1492؛ وإجلاء المسلمين من شبه الجزيرة الأيبيرية؛ في مأساة يسجلها التاريخ؛ باسم طرد الموريسكيين، وقد ظلت آثار هذا التاريخ المضطرب تلقي بظلالها على العلاقات السياسية و الدبلوماسية بين الطرفين.
وفي هذا السياق التاريخي تحضر مدينتا سبتة ومليلية المغربيتين (المحتلتين)؛ باعتبارهما الضريبة الباهظة الثمن؛ التي قدمها المغرب من ترابه؛ وبشكل انتقامي؛ على الدور التاريخي والحضاري الذي لعبه؛ كممثل للحضور العربي الإسلامي في الغرب الإسلامي؛ سواء مع الإمبراطورية المرابطية؛ أو مع الإمبراطورية الموحدية... حيث كان المغرب يمثل الدرع الحامي للامتداد الحضاري الإسلامي؛ الذي عمر في شبه الجزيرة الأيبيرية؛ لما يقارب الثمانية قرون.
تقع مدينة سبتة البالغ مساحتها حوالي 28 كيلومترا مربعا؛ في أقصى شمال المغرب على البحر الأبيض المتوسط ؛ وقد تعاقب على احتلالها البرتغاليون عام 1415؛ و تلاهم الإسبان عام 1580. أما مليلية الواقعة في الشمال الشرقي للمغرب والبالغ مساحتها 12 كيلومترا مربعا، فتديرها إسبانيا منذ عام 1497. وقد أصبحت المنطقة منذ عام 1992 تتمتع بصيغة للحكم الذاتي داخل إسبانيا بقرار البرلمان الإسباني عام 1995.
ارتبط مصير المدينتيْنِ المحتلتين بِالمضيق البحري؛ الذي يربط المتوسط بالمحيط الأطلسي، وقد دفعت المدينتان؛ طوال مرحلة المواجهة بين أوربا والعالم الإسلامي؛ من خلال الحملات الصليبية؛ دفعتا ثمن موقعهما الجغرافي الإستراتيجي، الذي جعلهما بوابة العالم الإسلامي للزحف على أوربا، كما جعلهما منفذا للصليبيين؛ لإحكام السيطرة على الأراضي الإسلامية.
وقد كان تطلع أوربا إلى احتلال هذا الثغر الإسلامي، وتحويله إلى قلعة ضد تمدد أطراف العالم الإسلامي نحو القارة العجوز، كان يحضر بقوة كلما تمت استعادة ذكرى عبور الفاتح "طارق بن زياد" منه نحو الأندلس في عام 92هـ.
ونظرا لمجموع هذه الاعتبارات؛ القومية والإثنية والدينية؛ فإن الاحتلال الأسباني للمدينتين المغربيتين؛ يضرب كل المعايير الدولية عرض الحائط؛ ويصر على أن المدينتين المحتلتين جزء لا يتجزأ من التراب الإسباني؛ وذلك ضدا على معايير التاريخ؛ الذي يثبت الانتماء المغربي للمدينتين؛ وضدا على معايير الجغرافيا؛ التي تربط المدينتين بالامتداد القاري الإفريقي وليس الأوربي.
ويتلقى الاستعمار الاسباني دعما أوربيا وأمميا في احتلاله للمدينتين المغربيتين؛ الشيء الذي يؤكد بالملموس؛ أن المزاعم الغربية حول نهاية الاستعمار؛ تبقى زوبعة في فنجان؛ كما لا تتجاوز كونها مبادئ عامة ومثالية؛ لا تلتزم أبسط شروط الواقعية. فقد نصت "معاهدة شينجن" صراحةً أنّ المدينتينِ تشكلان "الحدود الجنوبية لأوربا"، كما أن الأمم المتَّحدة لم تذكر ولو بندا واحدا؛ يذكر بمغربية مدينتي سبتة ومليلية، برغم الشواهد التاريخية والجغرافية؛ الأمر الذي يؤكد التواطؤ الحاصل بين مجموع دول الاتحاد الأوربي؛ و المؤسسات الدولية؛ التي تجسد سياساتها.
وهذا –بالطبع- ليس تخمينات نظرية وحسب؛ بل تجسده الوقائع على الأرض؛ فرغم ما يروج عن الوضع المتقدم الذي منحه الاتحاد الأوربي للمغرب؛ ورغم الشراكة الاقتصادية و السياسية القائمة بين الطرفين... رغم كل هذه الروابط؛ فإن موقف الاتحاد في الأزمة التي نشبت بين المغرب وإسبانيا؛ حول جزيرة ليلى؛ كان متحيزا بشكل جذري للعضو الأوربي ضد المغرب –طبعا- وذلك من دون الالتزام بأبسط القوانين الدولية في الموضوع. وهذا كان رسالة واضحة و صريحة للمغرب؛ بأنه ممنوع من إثارة موضوع جزيرة صغيرة تشكل امتدادا مغربيا؛ فما بالك بإثارة موضوع أكبر؛ يرتبط بالمدينتين المغربيتين المحتلتين؛ اللتين تشكلان البوابة الرئيسية للاتحاد الأوربي؛ حسب معاهدة شينجن.
إذا كان هذا هو موقف إسبانيا ومعها الاتحاد الأوروبي؛ بخصوص احتلال المدينتين المغربيتين؛ فماذا قدم المغرب؛ ومعه شركاؤه العرب في جامعة الدول العربية؛ بالإضافة إلى الشركاء الإسلاميين في منظمة المؤتمر الإسلامي؛ وكذلك الشركاء الأفارقة؛ الذين يرتبط بهم المغرب قاريا.
هل الخلل في السياسة الخارجية الهشة للمغرب؛ والتي لا تمتلك الوضوح الكافي بخصوص المطالبة باسترجاع المدينتين المحتلتين؛ بادعاءات شتى؛ لا يمكنها أن تصل –طبعا- إلى مستوى النضال من أجل استرجاع مدينتينا السليبتين؟
إن الأمر الواضح –لحدود الآن على الأقل- هو أن المغرب؛ لم يطرح قضية المدينتين المحتلتين؛ كقضية وطنية أولى؛ مثلها مثل قضية الصحراء المغربية. وذلك يرجع لعدة اعتبارات؛ لا يمكننا كمغاربة –فئات شعبية ونخب فكرية وسياسية- أن نقبل بمقايضتها بجزء من تراب وطننا؛ الذي ضحى أجدادنا من أجل استقلاله وكرامته.
يسعى المسؤولون المغاربة إلى إقناعنا؛ بأن التركيز اليوم منصب على قضية الصحراء المغربية؛ لذلك فنحن غير مستعدين لفتح جبهات متعددة في نفس الوقت؛ و بالإضافة لذلك فنحن في أمس الحاجة إلى الدعم الإسباني لهذا الملف؛ و من شأن إثارة قضية المدينتين المحتلتين في هذا الوقت؛ أن يعرقل الحل المرتقب لقضية الصحراء المغربية.
لكن هذا المنطلق خاطئ من الأساس؛ وذلك لأن الاستعمار واحد؛ لا يمكن أن نفصل فيه أو نقسم؛ كما إن المطالبة برفع قيود الاستعمار؛ لا يمكن أن تحد منها أية اعتبارات خارجية. إن المطلوب منا كمغاربة –شعبا وحكومة- هو التعامل مع استعمار أجزاء من وطننا؛ ضمن ملف واحد؛ يطرح على لجنة تصفية الاستعمار في الأمم المتحدة؛ مع التركيز على الدعم العربي والإسلامي والإفريقي لقضيتنا العادلة.
إن ما نعيشه لحد الآن صراحة؛ هو التغييب اللامبرر تماما؛ شعبيا وإعلاميا؛ سواء داخل المغرب أو خارجه؛ لقضية الاحتلال المسلط على مدينتين مغربيتين؛ بالإضافة إلى مجموعة من الجزر البحرية. وهذا يفرض علينا جميعا مسؤولية تاريخية ثقيلة في إثارة هذا الملف؛ عبر الكتابة و التحليل أولا؛ و عبر النضال السياسي والشعبي ثانيا.
وفي هذا الصدد فإن مسؤولية النخب الفكرية؛ مغربيا وعربيا وإسلاميا وإفريقيا؛ هي مسؤولية مضاعفة؛ وذلك لأن هؤلاء لا تتحكم فيهم قيود السياسة؛ بقدر ما تتحكم فيهم المبادئ الكبرى؛ المناهضة لكل أشكال الاستعمار.
إننا اليوم في أمس الحاجة إلى مثل هذه المجهودات الفكرية؛ التي تعيد الاعتبار لذاكرتنا الوطنية؛ وفي هذا الصدد يتحمل المثقف المغربي مسؤولية كبرى في إثارة النقاش الفكري والسياسي العميق؛ الذي يمكنه وحده أن يعيد إلى الواجهة قضية مدينتينا المغتصبتين ضدا على القانون الدولي الذي يجرم الاستعمار.
إن هذا المجهود الفكري الناضج؛ هو الذي يمكنه أن يحرج المستعمر الإسباني؛ الذي يدعي الانتماء إلى الاتحاد الأوربي؛ الذي تقدم دوله على تصفية آخر ميراثها الاستعماري؛ سواء عبر الاعتذار عن ماضيها الاستعماري السيء؛ أو عبر التعويض المادي عن كل ما لحق الشعوب المستعمرة. وفي هذا الصدد يحضر النموذج الإيطالي؛ كأيقونة دالة يمكننا أن نعتمدها؛ لإحراج الاستعمار الإسباني؛ الذي ما يزال لحدود الآن يتبجح باستعمار جزء من وطننا.
لقد أقدمت إيطاليا مؤخرا على تقديم اعتذار رسمي للدولة الليبية؛ وكذلك تعويض مادي عن سنوات الاستعمار والاستغلال؛ وذلك بعد تصفية آخر معاقل الاستعمار في ليبيا. لكن هذا كان نتيجة المجهودات الشعبية والسياسية الليبية؛ ولم يكن صدقة تتكرم بها إيطاليا على الليبيين.
وعلى نفس المسار ما زالت الجزائر متمسكة بمطالبتها لفرنسا بالاعتذار؛ عن ماضيها الاستعماري في الجزائر؛ والمطالبة كذلك بالتعويض المادي عن الماضي الاستغلالي للثروات الجزائرية.
وآخر ما أعلن عنه لحدود الساعة؛ هو إقدام الحكومة اليابانية على تقديم اعتذار رسمي للكوريين عن الماضي الاستعماري؛ وما سيلي ذلك من تعويضات مادية مستحقة للكوريين.
إنها نماذج دالة تؤكد أن قضيتنا تعد نشازا في العالم؛ ولا يمكن استيعابها من خلال المنطق السياسي الحديث الذي قطع مع كل أدبيات الاستعمار. لكن ورغم هذه الأوراق الرابحة التي نمتلكها؛ لا نلمس أي نضال سياسي منظم؛ يطالب باسترجاع مدينتينا المغتصبتين؛ و هذا يثير الاستغراب؛ لأنها لا مبالاة غير مبررة تماما؛ سواء رسميا أو شعبيا.
د. إدريس جنداري، كاتب وباحث أكاديمي مغربي |