|
الأحد, 19 سبتمبر 2010 19:28 |
خادم الحرمين يفتتح الجامعة في سبتمبر الماضي
المتوسط اونلاين - من المتوقع أن يحتفظ السعوديون بتاريخ الثاني والعشرين من أيلول-سبتمبر الماضي، بوصفه علامة تاريخية من علامات مشروع إصلاحي كبير في اتزانه، وكبير في تمسكه بالعلم والمعرفة كاداة للتقدم.
ففي ذلك اليوم افتتح العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، بحضور عدد كبير من قادة دول العالم وممثليهم، "جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية" التي استقطبت العديد من العلماء والباحثين البارزين من مختلف أنحاء العالم وخرجت على الكثير من القيود والممنوعات في المجتمع السعودي.
ويأمل السعوديون أن يصبح هذا المعقل العلمي المتقدم، الذي خصص له الملك عبد الله عشرة مليارات ريال سعودي، مقدمة لحركة تغيير وطيدة تدفع المجتمع السعودي الى الأمام.
و"جامعة الملك عبدالله" هي أول جامعة سعودية يرأسها أستاذ غير سعودي، ويشغل المراكز القيادية في هيئتها الإدارية خبراء غير سعوديين.
وتقع الجامعة "الحدث"، أول جامعة للتعليم المشترك في المملكة العربية السعودية، في مدينة جدة بغرب المملكة. وتبلغ مساحتها حوالي 57 كيلومترا مربعا. وقد اجتذبت علماء من الخارج بتقديم حوافز مغرية ونمط حياة يختلف كثيرا عن أسلوب الحياة السائد في المملكة التي يتمتع فيها رجال الدين المحافظون بتأثير واسع النطاق على المجتمع التقليدي.
وشيئا فشيئا، فقد تم تجهيز هذه الجامعة الوليدة بأحدث المختبرات التي سوف يعمل فيها عدد من المدرِّسين الجامعيين والعلماء البارزين من مختلف أنحاء العالم، كما ينتظر يتم منح ثلثي مقاعدها الدراسية التي يبلغ عددها ألفي مقعد إلى الخرِّيجين الجامعيين القادمين من الخارج. ومن المتوقع ان تنضم هذه الجامعة إلى الجامعات الرائدة في مجال الأبحاث في العالم، مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MITفي مدينة كامبريدج.
وتعقد الجامعة شراكات مع أشهر الجامعات، مثل جامعة بيركلي وجامعة كمبريدج البريطانية وجامعة ستانفورد ومركز إمبريال كوليدج لندن، والجامعة التقنية في ميونخ، وبناء على الشراكة فستحصل الجامعات والمعاهد المذكورة على ملايين الدولارات من أجل متابعة مشاريع أبحاثها في جامعة الملك عبد الله وتطوير هذه الأبحاث.
وتركِّز الجامعة على دراسة العلوم البيولوجية وتقنيات النانو وتكنولوجيا الطاقة وعلوم وهندسة المواد وعلوم الحاسوب. ومن بين هذه المشاريع مشروع إعداد رسم ثلاثي الأبعاد للمملكة العربية السعودية، لا يصوِّر فقط سطحها الخارجي، بل كذلك الطبقات الجيولوجية الموجودة تحتها.
ويشير رئيس الجامعة البروفيسور شون فونج، الذي كان رئيسا للجامعة القومية في سنغافورة لمدة تسع سنوات، إلى أن هيئة التدريس لها الحرية الكاملة لمتابعة الأبحاث النادرة وستقدم لهم التمويل للعمل على شكل مجموعات تضم النساء والرجال.
ويحصل الطلبة المنتسبون إلى الجامعة على منح دراسية لتغطية نفقات الدراسة والإقامة التي تبلغ نحو 60 إلى 70 ألف دولار سنويا، وهو مبلغ يعادل تكلفة الدراسة في الجامعات الكبيرة في الولايات المتحدة.
وبدأ 817 طالبا من 61 دولة الدراسة في الجامعة في العام الدراسي 2009/2010، من بينهم 314 طالبا يبدأون الدراسة في الشهر الحالي، والباقون مع مطلع عام 2010.
ولا تخضع إدارة الجامعة لسيطرة وزارة التعليم، ويتولى أمر إدارتها شركة "ارامكو" الحكومية للنفط.
وفي حفل وضع حجر أساسها في عام 2007 أعلن عدد من المسؤولين وكبار الشخصيات في المملكة السعودية أنَّ جامعة الملك عبد الله سوف تغيِّر المجتمع.
وتعد مثل هذه الجامعة "الليبرالية" "المتحررة" سابقة في المملكة العربية السعودية، لانها قادرة على العمل باستقلال عن الوزارات السعودية. ومن المفترض كذلك أن تتابع فيها النساء والرجال على السواء الدراسة والبحث، فعلى عكس الجامعات السعودية سيكون بإمكان الطلبة والطالبات حضور المحاضرات معا والاختلاط في المقاصف، بل ويسمح فيها للنساء بقيادة السيارات، مع وجود أكثر من 70 منطقة خضراء وقاعة للألعاب الرياضية ومركز طبي ومناطق سكنية، كما لن يسمح لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الشرطة الدينية) بالدخول هناك.
ويأمل دبلوماسيون غربيون أن تساهم جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية التي تضم أكثر من 70 أستاذا في تحفيز عملية الإصلاح في أعقاب إلغاء مناسبات ثقافية عارضها بعض رجال الدين.
ويقدم أنصار الإصلاح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية باعتبارها مكسبا كبيرا لخطط العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز الإصلاحية التي تشمل مشاريع طويلة الأجل مثل إصلاح المحاكم والنظام التعليمي وإنشاء "مدن اقتصادية" لتوفير فرص عمل للشبان.
وأحد الأهداف الرئيسية للجامعة هو تخريج علماء سعوديين، لكن الدارسين المحليين الذين يتعين عليهم خوض اختبارات صارمة للقبول لا يمثلون سوى 15 في المئة من طلاب الجامعة الذين ينتمون إلى 61 دولة.
ورغم أن هذا الصرح التعليمي يعد سابقة، إلا أن هذه الخطوة لا تحظى بتأييد الجميع، حيث انقسمت المواقف بشأن ما إذا كانت البلاد مستعدة للاختلاط بين الجنسين. وهنا يرى احد المواطنين من سكان الرياض، "أن الفكرة لا تتفق مع الدين".
وقال "أنا أؤيد التعليم. وصراحة هي انجاز عظيم. ولكن بالنسبة للسؤال حول الاختلاط.. لا اعتقد.. وإن هذا الشعب لا اعتقد من ناحية إسلامية أنه يتقبل الموضوع هذا".
وفي كلمته التي ألقاها إبان افتتاح الجامعة، قال الملك عبد الله إن "فكرة هذه الجامعة كانت حلما راودني طوال 25 عاماً تحولت خلالها إلى هاجس ملح عشت معه طويلاً، وأحمد الله أنه تحول إلى واقع شامخ نراه اليوم». واستشهد في سياق حديثه بالأدوار الجوهرية والمهمة التي لعبها العلماء المسلمون مثل ابن خلدون والخوارزمي وابن النفيس وجابر بن حيان في النشاط العلمي والمعرفي في العالم، مشددا على ضرورة إتباع نهجهم واستثمار العلم والعلماء للعودة إلى عصر الازدهار الإسلامي علمياً ومعرفياً واجتماعيا.. وعلى الرغم من أنَّ هذا الأمر "عادي" وليس غريبا في مثل هذه المناسبات العلمية، بيد أنَّه يعتبر في السعودية قيمة رمزية كبيرة، ونقطة فاصلة في تاريخ المملكة وفي تاريخ حكم الملك عبد الله، الذي شجع الإصلاحات منذ تولى الحكم عام 2005 بهدف إقامة دولة حديثة ودرء انتقادات غربية وتقليل الاعتماد على النفط، ولكنه يواجه مقاومة من رجال دين وأمراء محافظين.
ويسود الاعتقاد ان الأساس العلمي والمعرفي الذي يرسيه خادم الحرمين الشريفين في هذه السابقة يشكل أساسا ماديا وعلميا ومعنويا لمشروع التجديد. فالمعركة التي يخوضها الملك عبدالله ليست معركة يوم او يومين. انها معركة أجيال، تنهض بالعلم وينهض بها العلم. لتعود فتبني مجتمعا حديثا يحفظ قيمه الدينية والاخلاقية ولكنه ينبيها على أسس حديثة قابلة للعيش في الزمن الحاضر وتكون قادرة على التواصل مع متطلبات المستقبل.
ولا يريد خادم الحرمين، في ما يبدو، ان تدخل السعودية في مواجهات ثقافية مع نفسها، ولكنه يرسي أساسا للتقدم يكون هو مصدر الأجوبة على المسائل الثقافية وقضايا التقاليد والقيم المطروحة الآن.
والفكرة الجوهرية هي ان متجمعا متعلما وناضجا ومرتبطا بأحدث منجزات العلم سوف يكون قادرا على تقديم اجابات ناضجة وعقلانية وهادئة. والأرجح انها ستحفظ وتحترم أفضل ما في تلك القيم، وفي الوقت نفسه فانها تهيئ المجتمع ليكون قادرا على ان يكون منفتحا على المتغيرات في العالم.
هذا الأساس هو الذي يقنع اليوم قطاعات واسعة من المجتمع السعودي، بان مشروع التجديد في المملكة بأيد أمينة، وان السعودية ستخرج منه فائزة بقيمها، وتحديثها في آن معا. والفضل كله يعود الى ذلك الحلم الذي ظل يؤرق رجل دولة من الطراز الأول.
|