|
الأحد, 19 سبتمبر 2010 19:42 |
|
.jpg)
العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز
المتوسط أونلاين – مضى القرار الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في أواسط آب - اغسطس الماضي بحصر الإفتاء على أعضاء هيئة كبار علماء الدين، من دون أن يترك إلا القليل من الاعتراضات.
الغالبية العظمى من رجال الدين، ممن كانوا يصدرون فتاويهم، على الطالع والنازل، التزموا الصمت، بل وقررت هيئة الاتصالات السعودية إغلاق مواقعهم الألكترونية أيضا.
وجاء القرار ليلجم واحدة من أكثر أوجه الفوضى التي اشتعل أوراها بين رجال الدين الذين اصدروا من الفتاوى ما جعل الكثير منهم مصدرا للسخرية، وليس اقلهم صاحب الفتوى المتعلقة بـ"إرضاع الكبير"، وليس آخرهم صاحب الفتوى التي تحرم "ميكي ماوس"، وغيرهم من رجال الدين الذين لم يلتفتوا الى شيء من الكبائر ولكنهم ركزوا على التفاهات والصغائر.
وكان ذلك القرار خطوة أولى، كما يأمل المتفائلون، في مشروع إصلاح يخفف الغلواء ويحد من نفوذ رجال دين أثبتوا بالتجربة أنهم أعجز من أن يقدموا مثالا صالحا لمواكبة الحياة، ولفهم متغيراتها، فما بالك بالقدرة على التكيف مع متطلباتها.
وكان القرار أثار شيئا من ردود الفعل، إلا أنها سرعان ما لُجمت بعد أن تبين للجميع انه إذا كان للمنطق حدود، فان الإسفاف بلا حدود، وكان من المفيد والضروري وضع حد له، لأنه يترك عواقب مدمرة على الدين من ناحية، وعلى رجال الدين أنفسهم من ناحية أخرى.
ومن المعروف ان المستشار في الديوان الملكي الشيخ عبدالمحسن العبيكان هو صاحب فتوى "ارضاع الكبير" التي أثارت من الضجة ما لم يمكن حتى اليوم من الخروج منها. ولكن العلامة المتميزة فيها هو ان صاحب الفتوى فشل بوضوح في تقديم تفسير لها يتغلب على ما أثارته من سخرية.
وعلى غراره كان الدكتور الشيخ عبدالمحسن الأحمد المحاضر بجامعة الإمام محمد بن سعود اصدر فتوى لا تقل شذوذا تدعو إلى هدم الكعبة وإعادة بنائها منعاً للاختلاط بين الرجال والنساء.
ونص القرار الملكي على أن البلاد شهدت "اجتهادات فردية يتخطى بها اختصاص أجهزة الدولة ولاسيما ما يتعلق بالدعوة والإرشاد وقضايا الاحتساب".
وأضاف أن المملكة أنشأت "مؤسسات شرعية تعنى باختصاصات معلومة لدى الجميع وقامت بواجبها نحوها على الوجه الأكمل، لكن نجد من البعض من يقلل من هذا الدور، متعدياً على صلاحياتها، ومتجاوزاً أنظمة الدولة ومنهم من نصب نفسه لمناقشتها وعرضها على ما يراه وهذا ما يتعين أخذه بالحزم ورده لجادة الصواب".
وبطبيعة الحال، فقد استثنى القرار الملكي الفتاوى الخاصة الفردية غير المعلنة في أمور العبادات، والمعاملات، والأحوال الشخصية، بشرط أن تكون خاصة بين السائل والمسؤول.
ويتفق الكثيرون اليوم على ان هذا القرار قد سمح بوضع حد للإسفاف بين رجال الدين. ولكن دلالته الأهم هي تلك المتعلقة بالدور الذين يلعبه رجال الدين في التحريض على العنف والكراهية إنطلاقا من موقف شديد الأصولية. وهناك ما يبرر الاعتقاد ان هذا الموقف يشكل، بحد ذاته، واحدا من أهم مصادر صنع التطرف. كما انه يوفر القاعدة الأيديولوجية لسلوك ظلامي وإنعزالي وتعسفي تجاه الحياة، يكاد يجعل من العسير على الإسلام ان يبدو في ضوئه دينا صالحا للحياة.
الخروج من فوضى الفتاوي جعل من الممكن للمرة الأولى ان يلتزم رجال الإفتاء بمقاربة مسؤولة حيال المجتمع والدولة. وهذه المقاربة تملي على هيئة كبار رجال الدين ان تنظر في فتاويها وتحاكمها انطلاقا من نصوص واحكام الشريعة، ولكن مع الأخذ بالقيم والاعتبارات والحقائق المعارف والعلوم المستجدة أيضا.
وهذه خطوة كبيرة الى الأمام في بيئة دينية ظلت الى حد كبير مغلقة، تكتفي بالنظر الى الخلف، وعاجزة كليا تقريبا عن النظر الى الأمام.
فإذا أخذت الإصلاحات الجارية وفقا لهذا المنعطف، فالحقيقية التي لا مفر من الإقرار بها هي ان خادم الحرمين الشريفين، أثبت مرة أخرى، انه قائد سفينة ماهر. فهو نجح في جعلها تمضي بهدوء في مواجهة أعتى طرف في دائرة التشدد والإنغلاق.
وبعد مضي عدة أسابيع على ذلك القرار، من الواضح اليوم ان السعودية طوت بنجاح تلك الصفحة، واستوعبت مبرراتها وكسب ملك الإصلاح فيها جولة من أهم الجولات من اجل ارساء معالم مجتمع سعودي محافظ ويتسمك بقيمه الإسلامية إنما بحكمة واتزان.
وسفينة السعودية ضخمة. ولكي تدور فانها تتطلب وقتا. ومن النضج، بالنسبة للمشاريع الإصلاحية في بيئة اجتماعية مثل البيئة السعودية، أن تُعطى وقتها كاملا، من دون دفع بالقوة، ولا جر بصخب. أما الثمار فانها تنضج، عندما يحل موسمها، وبعض القطاف قد حل.
في 14 شباط- فبراير الماضي أعلن العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز سلسلة إجراءات وتعديلات في مناصب رئيسية شملت عدة وزارات، وإعفاء رئيس مجلس القضاء الأعلى إلى جانب 6 من كبار رجال الدين في هيئة الإفتاء، الأمر الذي نظر إليه على أنه حركة تجديد جريئة في مواجهة "فشل في الأداء" بدا انه لا يناسب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الداخلية التي تواجه السعودية، ولا تطلعات خادم الحرمين نفسه بالنسبة لمستقبل البلاد ومكانتها ودورها الاقليمي.
احد اوجه ذلك الفشل كان يتعلق بصورة السعودية في الخارج. وكان وضع المرأة في السعودية يحتل حجر الزاوية في هذه الصورة. وإذا شاء المرء المزيد من التركيز، فحرمان المرأة من الحق في قيادة السيارة تحول الى ما يشبه الرمز او "الكود" لكل ما يُقال ويُكال ضد السعودية.
أوضاع المرأة في هذا البلد لم تكن بذلك السوء الذي يتم تصويرها به عادة. ولكن مع وجود تقليديين ومتشددين لا تنقصهم القدرة على رش الملح على الجرح، فقد بدا أن تلك الصورة تعكس حالا من البؤس لا مثيل له.
مع ذلك، فقد ظل الواقع أفضل من الصورة. فالمرأة في السعودية تلعب دورا كبيرا ومتزايدا في الحياة العامة. وجاء تعيين السيدة نورة الفايز في منصب نائب وزير التعليم لشؤون البنات ليؤكد شيئا لا يظهر في تلك الصورة عادة، وهو أن العاهل السعودي يتبنى موقفا إنسانيا حيال المرأة ومكانتها ودورها في المجتمع أقل ما يقال فيه انه موقف معاصر وحديث. ولكنه يقود سفينة. والسفينة ضخمة.
وفي بعض القطاف الذي حل موسمه، أعلن احد أكبر رجال الدين في المملكة انه لا يوجد مانع شرعي يحول دون قيادة المرأة للسيارة.
وقال عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، عضو مجمع البحوث التابع للأزهر، وعضو المجلس العلمي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً الدكتور محمد بن أحمد بن صالح الصالح في تصريح نشر الخميس "أنه ليس هناك مانع في قيادة المرأة (السعودية) للسيارة بشرط توفر الأمن والآمان والقدرة الفائقة للتصرف بحكمة"، مشددا" على ضرورة أن تحتشم المرأة وتنأى بنفسها عن كل ما لا يليق بها".
وعن ممارسة المرأة للرياضة قال الشيخ الصالح "إن الأحاديث التي تدعو إلى ضرورة أن يكون المسلم قويا وقادرا على الدفاع عن نفسه وعن عرضه كثيرة، فللمرأة حق في أن تمارس الرياضة، لكن بأدب وحشمة وبعيدا عن أعين الأجانب".
وقال إن للمرأة دورا كبيرا في المجتمع أكده الإسلام، فقد حفظ حقوقها وأكرمها وصانها، ومنحها فرصا كثيرة لتملك المال، لافتا إلى أنها نصف المجتمع.
وزاد الصالح بالقول إن العلماء فسروا حديث "النساء ناقصات عقل ودين" أن ليس المقصود به قصور المرأة وانتقاصها وتحطيم شخصيتها، بل هو مقصور على التكاليف الشرعية؛ بسبب إعفائها من الصلاة والصيام حين النفاس والدورة الشهرية التي فطرها الله عليها.
ورأى أن "التسلط على المرأة وإهانتها وإيذاءها سواء بالضرب والاضطهاد هو من صفات من سُلبوا رجولتهم وإنسانيتهم"، مشددا على "أنه لا ينبغي الخلط بين التقاليد وشرع الله، ومن يقول بذلك فهو أحمق جاهل قاصر النظر عديم الفهم".
وأوضح الصالح أن "عددا من الصحابيات كن يتولين علاج الجرحى والمرضى، ويتبعن الجيوش، إضافة إلى أن بعضهن كن يتولين الفتيا، ويتميزن في التعليم ويتفوقن على الرجال". وقال ان "النساء لم يكذبن في نقل الحديث الشريف، كما فعل بعض الرجال".
وهذا موقف يعكس روحا إصلاحية تستمد مفاهيمها وقيمها من أفضل ما عرف الفقه الإسلامي الحديث من نظرة إنسانية تحررية ونبيلة. حتى انه يحيل ضمنا الى إرث يمكن اقتفاء أثره في سجالات خيرة فقهاء ومثقفي الأزهر والزيتونة أيضا.
|