|
الأحد, 03 أكتوبر 2010 19:37 |
|
.jpg)
المتوسط اونلاين - من أين ما تأتي الكتابة، فاحد أوجه المعضلة التي تواجهها الصحافة العربية تكمن في اننا أمة "نص مقدس". ومن هذا النص تكتسب كل كتابة نوعاً من قدسية موازية، تجعلها مثيرة للخوف والنقمة، إذا جاءت نقدا وقدحا، كما تجعلها مثيرة للغبطة الفائقة إذا جاءت إطراءً ومدحاً. وقد أسهم الشعر، بأغراضه التقليدية، في زيادة ثقل القدسية والرهبة على النص.
وظل الكُتّاب والصحافيون يدفعون ثمن ما لم يكن لهم ذنب فيه، وإن تنعّموا بميزاته في أحوال أخرى.
إذا كان ثمة ما يستحق إعتباره "سلطة النص"، فان الكثير من مدلولات هذه السلطة مستمدٌ حصرا من تلك السلطة التي يملكها "النص المقدس"، أو نظيرتها "سلطة القول" الذي تتناقله الركبان.
وتنقل "ركبان" الإنترنت اليوم ما لم يكن بالإمكان نقله من قبل. وهذا مما كان يفترض أن يزيد من تلك "السلطة"، إلا أن النتيجة كانت، في الواقع، العكس تماما. فقد تتبدت "سلطة النص"، بالضبط كما تبددت سلطة الرقابة عليها.
إذا كان من الواضح اليوم أن الرقابة على النص واحدةٌ من أكثر الأعمال إثارة للسخرية، وأكثرها دلالة على السطحية، فمن الواضح أيضا، في المقابل، إن النص كان قد تجرد من الكثير من سلطته. ففي مقابل كل نص، يمكن أن يوجد ألف نص مضاد. وفي مقابل كل قول في صحيفة، يمكن أن يوجد ألف قول في ألف صحيفة.
عقلانية الموقف من النص، في وضعيته الحديثة، هي ما يجعل التأني في حبس الصحافيين موقفاً عقلانياً، ومشروعاً لعلاقة حديثة أيضا مع مهنة القلم. وهو أمر ما يزال يُلزم الدول العربية والإسلامية أن تتحرر من نظرتها التقليدية للنص، وأن تكف عن التعامل معه (ومعنا) بعقلية عالم ألف ليلة وليلة.
ذلك الزمان راح.
راح على القائل، كما راح على سامعه، مما لا يستوجب "الحبس مع النفاذ والأشغال الشاقة" التي يتهدد بها صحافيو هذا الزمان. فهم لا يكتبون معلقات، ولا يزعم عاقلوهم، على الأقل، "انهم لا ينطقون عن الهوى" او أنه "وحي يوحى".
هم يكتبون، في غمرة عالم لم يعد يأبه حتى بالرقابة على قولهم، فما بالك بملاحقتهم وحبسهم وتعذيبهم وقتلهم على ما يقولون؟
هل خسر الكاتب سلطته كليا؟
لا، أبدا. نوعية تلك السلطة هي التي تغيرت. لقد أصبحت سلطة تنوير ورؤية أكثر منها سلطة تحريض وتأثير.
"الصحافي المشاغب" مات. وحل محله الصحافي المثقف، ذلك الذي يقيم علاقة حوار منطقي وعقلاني مع قارئه. لا يُملي عليه ما يفعل، ولكن ينير طريقه، وسط الكثير من الخيارات والأفكار والبدائل.
فاذا جاز أن يُحبس صحافي على قول، فلسوف يجوز أن يُحبس قارئه معه لأنه لم ينظر في تلك الخيارات والبدائل.
لقد فتحت ركبان ثورة المعلومات والإتصالات الأبواب على مصاريعها لسيل عرمرم لكل لون من فصول "القول". ولكن ظل الصحافي، في عالمنا المنكوب، يدفع ثمن عالم آخر.
الصحافي المعاصر، لا يكتب قرآنا، ولكنه مع ذلك يقع، في الغالب، تحت طائلة الكفر إذا بدا وكأنه قد قال كفرا من وجهة نظر سلطة تخاف من "سلطة النص".
في المقابل، وحيث لم يعد وجودهم خلف القضبان ضروريا، فبدلا من أن يبتهجوا بالحرية، فربما كان من الأولى بكتّاب وصحافيي ألف ليلة وليلة أن يخشوا على سلطتهم الغابرة.
الحرية مشروع عقلاني. فإذا كان لنا أن ننعم بموقفها المعاصر من الكاتب، فمن الأحرى بالكاتب أن يتخذ موقفا معاصرا حيالها أيضا.
وهذا ما يستوجب أن يكون موقف القانون منها ومنّا.
والحبس، وفقا لهذا المنطق الحديث، لم يعد ضروريا، ولا غيره من صنوف التنكيل و"الدمار الشامل".
اليوم، نحن بحاجة الى زعيم عربي ومسلم، لا يخشى من "سلطة النص" على سلطته، ولا ينظر الى "سلطة القول" على أنها معلقات شعرية، بل مجرد أداة لمهنة معاصرة. وهذه الأداة قد تصيب أو تنحرف إلا أن سلطتها التعبيرية محدودة وعقلانية، وتأثيراتها ليست بالضرورة كارثية، طالما أن سلطة القول لا تقتصر على قائل واحد.
ومثلما أن هناك قائل قد يقدح، فثمة، بالإمكان، قائلٌ قد يمدح، وكلاهما غير مقدس.
وإذا تخلصنا من الشعور بالمقدس حيال كل كتابة، فان جانبا كبيرا من مشاكلنا سيزول.
ولكن يبقى المشكل الإقتصادي الذي ما يزال من الضروري البحث عن حلول ثورية له.
|