|
الأحد, 03 أكتوبر 2010 20:00 |
|
.jpg)
سلطة الرقابة
علي الصراف - الحديث عن تساقط الصحف لا يحتاج دليلا عندما يصل الأمر الى إعلان "لوس انجليس تايمز" عن إفلاسها او عندما تعلن "كريستيان ساينس مونيتور" عن تخليها عن الورق لصالح الانترنت، او عندما تطلب "واشنطن بوست" النجدة من الأزمة الاقتصادية بالاتحاد مع "بالتمور صن".
ولكن حيثما تبدو نزعة التزمت للانترنت في عالم الصحافة وكأنها من طراز "إن ينصركم الله فلا غالب لكم"، فالحقيقة هي ان هذه النزعة لا تأخذ في الاعتبار بعض حقائق ومفارقات مهمة.
مشاكل الصحافة في الغرب غير مشاكلنا. أزمتها الراهنة اقتصادية لا تكنولوجية. بينما أزمة صحافتنا سياسية، لا تكنولوجية.
الانترنت، بمقدار ما يوفر بدائل، ويفتح أسواقا وفرصا جديدة، فانه يشكل مفتاحا للخروج من الأزمة.
صحافة الورق تمثل ذلك النوع من الإعلام الذي يعتبر نفسه "تيارا". وعلى هذ الأساس فانها تقوم على "علاقة" بين الصحيفة والقارئ؛ الصحيفة تختار موقفا واضحا ومتميزا ومستقلا وخاصا من السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع. والقارئ يقصدها بعينها، ويجد فيها ما يعبر عن موقفه من الكون، ويدفع من اجل اختياره بضعة قروش.
قد لا تشكل تلك القروش شيئا مهما على الإطلاق من تكاليف انتاج الصحيفة. ولكنها تظل علاقة (تسمى "عرضا وطلب" بمعايير السوق). وعلى ضوء هذه العلاقة يتحدد مستوى ما يمكن الحصول عليه من إعلانات لتغطية التكاليف.
العلاقة، إذن، هي علاقة موقف ورؤية. انها رباط (سياسي ثقافي) بين طرفين، لا مجرد فسحة.
لهذا السبب هناك غارديان، وهناك ديلي ميل. الأولى لا تشبه الثانية. وقارئ كل منهما لا يشتري بقرش قارئ الأخرى، دع عنك صحيفته.
والانترنت وسيط ثوري لا غنى عنه في جميع الأحوال. وهو ليس بالضرورة اقل كلفة.
وعندما تختار الصحف الأجنبية الانترنت على حساب الورق، فماذا تفعل؟
تأخذ رؤيتها معها. تصورها للكون يظل هو نفسه. الوسيط يختلف، ولكن القارئ يظل هو نفسه. وكل من الطرفين يحاول ان يستفيد، ببساطة، من توفر اللوازم التقنية. كل بيت في الغرب فيه انترنت. وكل قارئ لديه حاسوبه الخاص. الصحيفة تظل تعبر عن توجهها الخاص، فيما يظل القارئ مخلصا لـ"العلاقة". ومن خلال هذه العلاقة يظل الإعلان هو الحامل الرئيسي للتكلفة.
صحافة الانترنت في عالمنا العربي تقوم على قاعدة مضادة لا تحفل كثيرا بصنع "تيار" ولا حتى بالبحث عنه أحيانا. وثمة من "فوضى الحرية" ما يجعل الآلاف من المواقع التي تزعم انها "صحافية" مجرد مواقع من نوع "شخبط شخابيط"، فيما يحاول بعض "الرصين" منها أن يغطي فراغه الفكري او السياسي بالتحول الى "ناقل" للخبر الذي تجلبه وكالات الأنباء الأجنيبة التي تتخذ من الآخرين معبرا لأجنداتها الخاصة.
الخبر متاح، ومجاني ويمكن رؤيته هو نفسه في كل مكان، على ما لا يُعد ولا يحصى من المواقع.
ويكاد من العسير ان يعثر المرء على تصور او موقف او رؤية في أي منها. فما لم يكن الموقع حزبيا، او حركيا (وبالتالي مغلقا)، فمن النادر ان يعثر المرء على موقع صحافي يصدر عن تصور مختلف للعالم يجعله قادرا على القول انه "غارديان" ألكتروني ومن المستحيل أن يكون "ديلي ميل".
وخلطة الفوضى السائدة قد تكون مجانية، إلا انها باهظة الثمن. تأمل فيها جيدا، وستجد أنها أكثر كلفة من أعباء الورق.
الانترنت قد تكون وسيطا اتصاليا لتوسيع قاعدة القراء، أو لاتاحة بدائل، بالنسبة للصحافة الغربية. إلا انها عندنا مجرد صرعة. شيء حلو نلعب به. شيء يجعلنا بين ليلة وضحاها ليس صحافيين فحسب، بل وأصحاب منابر إعلامية أيضا.
ومن عدس أخبار الوكالات الغربية، على حمص الاعتبارات الشخصية، على برغل الإشاعات والقيل والقال، نصنع شوربة ونعتبرها صحافة الكترونية.
هذا ليس هو النموذج المطلوب. ولن يأتي منه أي إنقاذ للصحافة.
لم تتطور الصحافة الألكترونية العربية إلا ببطء شديد. بل أنها ما تزال تتلمس أول الطريق. وشخصية الكثير من مواقعها لم تتميز بعد، وخصوصيتها ما تزال محدودة للغاية. ولكي تفعل ذلك، فقد عرف المتقدم منها انه لا يقتصد بالتكاليف.
هذا البطء سرعان ما وجد نفسه يغرق في بحر من الغث. عشرات الآلاف من المواقع، أن لم يكن أكثر، نشأ في غمرة اكتشاف الصرعة، وما يزال ينمو بسرعة الضوء.
كثرة المواقع، والإفراط المدهش في تفريخها، يجعل من المبرر التساؤل: هل حقا ان الحكومات العربية تقمع حرية الرأي؟
الناظر الى كثرة الرأي ومواقعه لا بد له، إذا كان منصفا، أن يقول أن الديمقراطية العربية أفضل بكثير من الديمقراطية السويسرية.
ولكن الحقيقة هي أن الحكومات التي تقمع الصحف وتواصل فرض الرقابة عليها، تعرف الفرق جيدا بين العالمين.
الصحافة (ورقية كانت أم الكترونية)، لكي تليق بإسمها، تيار، رؤية، موقف. وهذا مصدر تهديد غالبا.
في المقابل، فان غالب المواقع ينطوي على شوربة. وهذه إذا كانت لا تنفع، فانها لا تضر.
وبدلا من الرباط الوثيق، فان كل قصة العلاقة بين "القارئ الألكتروني" وموقعه هي "كليك".
الخدمة نفسها قائمة على هذا الإعتبار. فكل ما يُنشر هو "كليك"، لصالح كائن افتراضي يسبح في فضاء الـ"سايبر سبيس". حيث لا أحد يرتبط بأحد. وكل ما تراه أو تقرأه هو مجرد وهم، يمكن أن يزول ويختفي من الوجود بسرعة الضوء.
لا شيء تبيعه، ولا شيء تشتريه.
ولكن المجانية أثبتت انها باهظة الثمن. فحيث ان قارئك لا يدفع، فلا انت متلزم به، ولا هو ملتزم بك. تقدم له ما يروق لك من عشوائيات، وهو يمر او لا يمر عليك بـ"كليك".
والوسيط الثوري نادرا ما أستخدم كوسيط.
ولولا بضعة مواقع رصينة، وأخرى متخصصة، وثالثة ترتبط بورق أصلا، لكان من عجائب الزمان كيف أن قارئ الـ"غارديان" والـ"ديلي ميل" لا يحسدنا على كثرة ما لدينا من حرية الصحافة.
الورق قد يكون في طريقه الى الزوال، ولكن ما يبقى مهما في صحافة الورق هو العلاقة التي ينشؤها "التيار" مع قارئه.
وهذا ما يزال أمرا مفقودا في معظم ما لدينا من صحافة ألكترونية. وهي لئن كانت تحتفل بوسيط جديد لممارسة الحرية، إلا أن القليل منها سيعثر على الطريق ليكون صحافة تقدم رؤية وتنشئ تيارا.
لقد كانت الصحافة الورقية في مأزق قبل ان تظهر الصحافة الألكترونية. والمأزق ظل مستمرا، حتى بعد انخراط الورقي بالألكتروني.
ولكن هذا المأزق ما يزال ينطوي على فرصة ثمينة للغاية: أن تستخدم الناقل الجديد لخدمة أغراض رصينة. فلا تعود العلاقة بينك وبين القارئ مجرد علاقة "كليك".
|