|
الأحد, 10 أكتوبر 2010 22:30 |
المتوسط اونلاين - لا يجد بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي من سبيل لتمويل متطلبات انعاش الإقتصاد سوىطباعة مئات المليارات من الدولارات.. من دون رصيد طبعا. فالدولار غير مغطى بالذهب أصلا، ووزنه القائم على "قوة" الاقتصاد الأميركي يتداعى مع تراجع تلك القوة الى الحضيض.
ولئن نت هذه الحقيقة تصيب كبار حاملي الدولار (الصين، اليابان، السعودية، دول جنوب آسيا) بالذعر خشية انهيار قيمة الدولار، فان الاعتقاد السائد يفيد بان الأموال المطبوعة (المعلنة) ليست في الواقع سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد غير المعلن. وهو ما يعني ان هناك مئات المليارات التي تتم طباعتها ورميها في الأسواق من دون إعلان.
وتراهن الولايات المتحدة على أن الدولار بوصفه عملة التبادل الرئيسية (مقاصة) في العالم، وبالتالي، فان تلك المليارات يمكن أن تتسل الى سوق التداول من دون أن تترك تأثيرا إذا لم يلحظها احد.
وتعد الصين أكبر المتضررين من هذا السلوك. فضخ دولارات جديدة لا يعني تراجع قيمة ديونها على الولايات المتحدة فحسب، ولكنه يعني أيضا تراجع قيمة صادراتها الى الولايات المتحدة أيضا.
ومن المعروف أن الولايات المتحدة تمول تجارتها مع الصين بأموال تستدينها من الصين!
وحتى أيلول/سبتمبر الماضي كانت الديون الصينية على الولايات المتحدة بلغت 652.9 مليار دولار.
وقال تقرير لوزارة الخزانة الأميركية أن الصين حلت محل اليابان كأكبر دائن للخزانة الأميركية في ذلك الشهر.
وكانت بيانات وزارة الخزانة الأميركية أظهرت أن المستثمرين الصينيين بما في ذلك الوكالات الحكومية الرسمية أصبحوا يمتلكون سندات قيمتها 585 مليار دولار من التي أصدرتها الحكومة الأميركية لتغطية ديونها.
وبقيت بريطانيا ثالث دائن للولايات المتحدة بنحو 338 مليار دولار في أيلول/سبتمبر، بعدما كان دينها 308 مليار دولار في آب/أغسطس.
وكانت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون حثت الصين في شباط/فبراير 2009 على الاستمرار في شراء سندات الخزنة (وهي عبارة عن قروض تباع بآجال مختلفة) للمساعدة في إخراج الولايات المتحدة من الأزمة الاقتصادية.
وكانت الصين عمدت خلال النصف الثاني من العام الماضي الى التخفيف من موجوداتها من الدولار وعمدت في الكثير من الأحيان الى تسديد ثمن مشترياتها من النفط بتلك السندات. وهو ما يعني الصين حاولت ان توزع الأعباء لتستقر على كاهل دول مثل السعودية ما تزال تتمسك بالدولار كمعادل رئيسي لعملتها.
وتمثل الاستدانة واحدة من اهم الوسائل التي تستخدمها الولايات المتحدة لتوسع اقتصادها وتعزيز نموه. ويبلغ إجمالي الديون الاميركية الحالي نحو 12 تريليون دولار. ويعتقد ان الولايات المتحدة تحتاج الى ما بين 5-7 تريليونات اخرى لكي تخرج من الأزمة المالية الحالية.
ويقول أستاذ الاقتصاد الدولي، ورئيس المعهد الصيني التابع للاتحاد الأوروبي، هايكو ايبرس، بأن طباعة المزيد من الدولارات ينطوي على عدة مخاطر، ليس التضخم سوى واحد منها.
ولا يتوقع ايبرس حدوث فوضى حقيقة نتيجة لعملية طبع الدولارات الأميركية. وقلل من احتمال أن تقرر الصين أن تدير ظهرها نهائياً، للنظام المالي الأميركي. ولكنه يصف هذه الخطوة في حال حدوثها بأنها ستكون الرصاصة القاتلة للمساعي الأميركية لمواجهة الأزمة، إلا أنه يرى إمكانية حدوثها "ضئيلة جداً". فالصين لا يمكنها الاستغناء عن الولايات المتحدة، كسوق كبرى لصادراتها، كما إن الصين لن تستطيع أن تبيع كل ما تمتلكه الآن من احتياطيها من الدولارات، لانها ستنخفض قيمة الدولار الذي بين يديها، وستكون من أبرز الخاسرين.
ويحذر كارل يانسن، الخبير بالشؤون الآسيوية في معهد الدراسات الاجتماعية في لاهاي، من أن الصين قد تصبح غير قادرة على مواصلة الاستثمار في الاقتصاد الأميركي، وفي خفض الدين الحكومي للولايات المتحدة. فالصين تخسر حالياً الكثير من المداخيل نتيجة الأزمة بسبب انخفاض حجم صادراتها إلى السوق الأميركية. في الوقت نفسه فإن الصين مضطرة الآن إلى المزيد من الاستثمار في اقتصادها الداخلي، لكي تستطيع مواجهة آثار الأزمة.
وتحاول الصين توسيع نطاق تجارتها الدولية لتخفيف اعتمادها على السوق الاميركية، وهو امر ترى فيه الولايات المتحدة خطرا محدقا بهيمنتها الاقتصادية في العالم.
فتخفيف الاعتماد يتيح للصين أن تبيع ما تملكه من ديون أميركية، أو ربما تتخلى عنها كليا، الأمر الذي يؤدي في النهاية الى خروج الدولار من السوق الدولية كعملة رئيسية لتقييم التبادلات التجارية.
ولكن الديون التي شكلت على طول الخط سبيلا لتمويل النمو في الولايات المتحدة، تحولت مع اندلاع الأزمة المالية العالمية الى مأزق حقيقي.
ويقول سيغموند باومان الخبير الاقتصاد البريطاني (من اصل ألماني) "لا أرى محاولة جادة لانتهاج حل عالمي للازمة المالية الراهنة. ما أراه هو النزوع لإعادة الحياة (لثقافة الديون) التي كانت تقف وراء الأزمة".
ويوضح باومان "(في السابق) اكتشفت البنوك أن غالبية الناس لا يستدينون، بل يعيشون علي دخلهم المتاح. وكأن البنوك قالت: يا للكارثة، فرصة عظيمة للحصول علي الأرباح ستضيع. لماذا لا ندع الناس يستدينون، لماذا لا نغريهم بالعيش علي الدين؟ تتذكرون حين ظهرت بطاقات الاعتماد لأول مرة قبل ثلاثين عاما، تذكرون شعارها "حرر رغباتك من الانتظار"؟ وهذا هو أكثر المقولات ثورية في كل تاريخ الحداثة".
وتحاول البنوك اليوم تسليف أموالها حتى تدور عجلة الاقتصاد من جديد. "هذه الخطوة هي محاولة لجعل البنوك تستعيد إيقاعها العادي، ولكن هذه العادية بالذات هي مبعث الأزمة وسببها، إذن لماذا ندفع تريليون دولار للعودة لمثل هذا الوضع الذي نعتقد أنه عادي والذي أدى لظهور الأزمة أصلا".
ويؤكد باومان أن الأزمة الاقتصادية التي نشهدها اليوم لا تعود لفشل النظام المصرفي، على العكس من ذلك هي نتيجة للنجاح الهائل للنظام المصرفي، لقد نجحوا في تشكيل الغالبية العظمى من البشرية وتحويلها إلى مدينين ومستدينين، إلى أناس مثقلين بالديون".
ويقول باومان: "تحول الرهن في الولايات المتحدة الأميركية إلى تجارة مربحة ومصدر للدخل. تعرض البنوك قروضاً بالرهن للذين لا يملكون مسكنا، فارتفعت الأسعار، وارتفعت الأجور. ثم كسد سوق المساكن، وقل الطلب وانخفضت الأسعار، فانهار كل النظام.... إنه نظام انتحاري في جوهره. شبهت ذلك بالثعبان الذي يلتهم ذنبه، حينما يبدأ الثعبان في أكل ذنبه قد يشعر باللذة بادئ الأمر، ولكن بمرور الوقت يصعب عليه هضم ما التهم، وفي النهاية سوف لا يتبقى ما يأكله. هذا بالضبط ما يحدث للنظام المصرفي ونظام الإقراض والبطاقات الائتمانية".
ويخلص باومان إلى حتمية العودة لجذر المشكل، وذلك بتغيير الطريقة التي تشكل بها مجتمعنا، ولا يعني ذلك أقل من ثورة ثقافية ضد شعار "استمتع الآن وادفع لاحقاً".
ويبدو ان الاقتصاد الأميركي استمتع طويلا بتحقيق النمو عن طريق الديون. فحتى الحرب ضد العراق وافغانستان كان يتم تمويلها عبر الديون، وليس عبر تمويلات من جانب دافعي الضرائب. وكانت الولايات المتحدة تراهن على أن السيطرة على ثروات العراق سيتيح لها توسيع أسواقها وتوفير أموال جديدة للنمو. إلا أن هذه المغامرة انتهت الى فشل مدو.
ومع نهاية المتعة، وعندما جاء الوقت للدفع، وجدت الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن الدفع عجزها عن تحريك الاقتصاد، حتى لم يبق أمامها من سبيل للخروج من الأزمة إلا بفرش طريقها بالدولارات.
|