|
الأحد, 24 أكتوبر 2010 09:21 |
|
.jpg)
المتوسط اونلاين - "الصين هي الأسد النائم الذي سيأتي زمانه ويبرز أنيابه للعالم"، نابليون بونابرت.
لقد صدق نابليون القول، وها أن الصين، هذا البلد الذي يرزح تحت عبء كثافة سكانية ثقيلة جدّا، نجح في أن يحقق المعجزة ويخرج من بين براثن الضعف الاجتماعي ليدخل الأسواق العالمية من أوسع أبوابها، وأضحت البضاعة الصينية علامة تجارية بارزة أغرقت الأسواق العالمية، ولم تكن الأسواق العربية بمنأى عنها.
لقد اكتسحت البضائع الصينية الأسواق العربية وأصبحنا نشاهد عبارة "صنع في الصين" على كل شيء من الإبرة إلى السيارة. حيث تعددت أنواعها، بدءاً من الأجهزة الكهربائية والأدوات والتحف المنزلية مرورا بلعب الأطفال والملابس وصولا إلى الملابس والأحذية ذات الماركات العالمية المقلدة، ناهيك عن السيارات الصينية، رخيصة التكلفة متوفرة قطع الغيار، دون أن تستثني بالطبع بعض المأكولات....حتى سجادة الصلاة والمسابح والمنتجات التي تؤذن الله أكبر باتت تأتينا من بلد بوذا.
وساعدت سيطرة الحكومة في الصين على الاقتصاد على زيادة قدرتها على تبني سياسات تمييزية ضد الواردات. واعتمدت خطط التنمية الاقتصادية بقوة على التصدير للعالم الخارجي لجذب الموارد والاستثمار ونقل التقنية وتوظيف العمالة. واستفادت الصين كثيراً من حرية التجارة العالمية في رفع قيم صادراتها إلى مستويات فلكية.
وتفيد منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بأن حجم تجارة المنتجات المقلدة بلغ حوالي 300 مليار دولار خلال 2008 وأن 84 % من الإنتاج العالمي لتلك السلع "صناعة صينية" وتصدرت منطقة الشرق الأوسط المناطق المستهلكة لقطع غيار السيارات المقلدة.
وتصدّر الصين اليوم إلى كل دول العالم الكبرى والمتقدمة صناعيا حتى أن الخبراء يعتبرون المعجزة الصينية في مجال الصناعة بأنه بمثابة «الغزو الاقتصادي للعالم من قبل المنتجات الصينية»، إذ تمتلئ الأسواق العربية بالمنتجات الصينية مما أثر سلبيا على اقتصاد هذه الدول وعمل أيضا على تراجع استيراد المنتجات «ذات الماركات العالمية» غالية الثمن وضعيفة الإقبال، حتى أن كثيرا من الأغنياء باتوا يفضلون شراء بعض السلع، خاصة الإكسسوارات النسائية والتحف المنزلية وبعض قطع غيار السيارات وحتى الأدوات الكهربائية والتكنولوجية، المقلدة والرخيصة نسبيا مقارنة بـ" الماركة الأصلية". وبذلك أصبح المنتج الصيني ينافس المنتج الأوروبي والأميركي وأيضا العربي، وإن لم يكن من ناحية الجودة فإنه من ناحية السعر، والدليل أنه لا أحد في العالم اليوم بشقيه الغني والفقير لا يملك طبقا لاقطا في منزله أو أي شيء آخر مهما كان استعماله لا يحمل عبارة "صنع في الصين".
وتذكر تقارير اقتصادية أن الأزمة العالمية ستقتطع نحو 180 مليار يورو من قيمة صادرات ألمانيا هذا العام، وقد تمكنت الصين من أن تنتزع مكانة ألمانيا كأكبر مصدر للسلع في العالم.
وتوقعت دراسة أجرتها غرفة الصناعة والتجارة استنادا إلى بيانات غرف التجارة الخارجية الألمانية في أكثر من 80 دولة تراجع الصادرات الألمانية في 2009 بنسبة 17% إلى نحو 815 مليار يورو من 995 مليارا في 2008. وذكرت غرفة الصناعة والتجارة في الدراسة التي أجريت في يونيو ويوليو «يمكن أن تحل الصين محل ألمانيا كأكبر مصدر في العالم لأن صادراتها ستتقلص بنسبة 15% فقط».
ويشهد الإنتاج الصيني تحسنا مستمرا بعد ان كان قليل الجودة وأصبح حاليا ينافس المنتجات ذات الماركات العالمية، وبفضل الصناعة الصينية تعيش الطبقة المتوسطة والفقيرة في العالم العربي، وهي التي تمثل أعلى نسبة في هذه المجتمعات، ويقبل أغلب المواطنين العرب على شراء المنتج الصيني بسبب العامل المادي. فالمنتج الصيني رخيص مقابل المنتجات الأخرى. مثلا خلال هذه الفترة تعيش الأسرة العربية ضغطا كبيرا على مستوى المصاريف فهي لم تزل في غمرة الصيف ومصاريفه حتى داهمها رمضان ومتطلباته، ولا يكاد رمضان يعلن انتهائه حتى تأتي السنة الدراسية الجديدة محملة بطلبات لا حصر لها، ومن سيكون المنقذ؟، بالطبع الصين، سواء على مستوى لعب العيد والملابس أو متطلبات العودة المدرسية من محافظ وأقلام وغير ذلك من الأدوات.
وتشهد الأسواق المصرية هذه الأيام منافسة حادة بين الفوانيس التقليدية المصرية والفوانيس الصينية، حيث يقبل الناس على شراء الفوانيس الصينية لأن سعرها جيد وهي أكثر أمنا، بالإضافة إلى أنها مزودة ببطاريات وتأتي في أشكال متنوعة وأحجام مختلفة.
وأصبح المنتج الصيني «سيد الموقف» وأوشك على جعل المنتجات الأخرى تلفظ أنفاسها الأخيرة بسبب شبح الغلاء الذي جعل الزبون يلهث وراد المنتج الأقل في السعر ليتأقلم مع ظروف الحياة.
وتتصف المنتجات الصينية بسعرها الرخيص الذي يناسب الجميع فلا يجد الناس سبيلاً في مواجهة هذا الغلاء الفاحش إلا بشراء هذه المنتجات الرخيصة المناسبة في السعر ويعرف العميل أن الصناعة الصينية قليلة الجودة ولكنه رغم ذلك يقبل على شرائها لأنها الأنسب من الناحية المادية. ولكن ليس كلّ ما "صنع في الصين"بالضرورة جيد، فبعض البضائع الصينية المقلدة تمثل خطرا على الصحة، على غرار النظارات الشمسية أو بعض الملابس ومنتجات التجميل والشامبو والعطورات وغير ذلك، فهذه البضاعة إما أن يتم شراؤها من مصدرها ووفقا للشروط حفظ الصحة والسلامة البشرية وإما فلا، والمواطنون الذي يقبلون على شراء مثل هذه البضاعة، نظرا لسعرها الرخيص مقارنة بـ"الماركة الأصلية" يعرضون صحتهم لخطر كبير. فالصين تحتل المرتبة الأولى عالميا في تقليد جميع المنتجات.
وعلى سبيل المثال قامت إحدى شركات الأحذية الفرنسية بسحب حذاء رياضي من الأسواق الفرنسية مستورد من الصين بعدما تبين انه يسبب نوعا من الحساسية لمن يلبسه، وهذه الحادثة التي وقعت في فرنسا حيث تخضع كل المواد المستوردة إلى تحليل وتدقيق ومراقبة حيث كل عمليات الاستيراد منظمة وتقوم بها شركات معلومة.
أما في الوطن العربي فإن نسبة كبيرة من السلع الصينية التي تمتلئ بها الأسواق خاصة الشعبية، وكثير منها يدخل بطريقة غير شرعية، وبالتالي فإن هذه السلع لم تخضع إلى عمليات مراقبة عند الحدود وهو ما يعني أن أخطارها ومضارها تبقى محل غموض شديد.. فمن يحمي المواطن العربي من مخاطر هذه السلع الوافدة علينا دون حسيب او رقيب؟
ورغم أن أغلب الفئات المكونة للمجتمع العربي فئات واعية وتتمتع بمستوى محترم من الثقافة الاستهلاكية، لكن متطلبات الحياة وغلاء المعيشة جعلها تتجاهل هذا الأمر وتقبل على بضائع الدرجة الثالثة، فالمستهلك مسكين ومغلوب على أمره ويبحث عن أرخص السلع ليدخل الفرحة في قلب أبنائه، أو ليقبر شعورا بالعجز وضيق ذات اليد، فلم يعد يهمه إن كانت هذه السلع تسبب أمراضا آو حساسية.
إن معالجة منطقية وعقلانية لهذه الظاهرة تقتضي تنظيم عمليات التوريد من الصين عن طريق منح تراخيص استيراد من الصين لشركات معروفة ومختصة وتتحمل كامل مسؤوليتها عن السلع المستوردة إضافة إلى إخضاع هذه المواد إلى المراقبة الدقيقة. ولا يعني هذا أن الصناعة الصينية تفتقر إلى مقومات الجودة، لكن هنا تدخل حسابات التجار ومبدأ الربح والخسارة، فالمنتج الصيني يحتوي على ثلاث درجات أولهما عالمية الجودة ثم المتوسطة الجودة وأخيرا الرديئة أما التجار العرب فإنهم يحاولون جلب المنتجات الرخيصة طمعاً في أن يرفعوا أرباحهم الى أقصى درجة ممكنة.
الصين نجحت في تجربتها الاقتصادية والدليل ما يملأ الأسواق العربية والعالمية من المنتجات الصينية. ومثلما قال بونابرت "لا مستحيل مع الحياة" "لا مستحيل في الصين"، فلماذا هو مستحيل عند العرب؟، هل هي استراتيجية صعبة تلك التي سارت على دربها الحكومة الصينية ونجحت بفضلها في قهر أقوى الصناعات وأعتى المصدرين في العالم. ولم لا تقوم دول الوطن العربي بدراسة خطة الصين في مجال الصناعة والعمل على تطوير هذه الدراسة وتدريسها في مراحل التعليم حتى تساعد في دفع عجلة الصناعة إلى الأمام. إن الصين دشنت أساليب جديدة ونظمت برمجية حديثة ساعدتها على المضي قدماً في عالم الصناعة وتحقيق نتائج مبهرة في هذا المجال مما يساعد بدوره في القضاء على العديد من الآفات الموجودة في المجتمع وأولها مشكلة البطالة.. ألا يمكن تحوير النموذج الصيني وتطبيقه في الوطن العربي خصوصاً في ظل ما يتمتع به من مقومات حرمت منها العديد من البلدان؟
|