|
الثلاثاء, 27 يوليو 2010 20:10 |
ليس لدى الكولونيل من يكاتبه، ولا من يقيمه من الكرسي
سعيد بوخليط - كثر الحديث في الشهور الأخيرة، عن تردي الحالة الصحية للرئيس المصري حسني مبارك الذي يعيش حسب أغلب التقارير الاستخباراتية الغربية أطواره الأخيرة، بعد أن استفحل الداء الخبيث في جسده. هذا العسكري السابق، حكم مصر طيلة ثلاثة عقود بقبضة فولاذية ولغة لا تعرف إلا منطق الرفس والركل والصفع لأن "الرايس هو الكل في الكل"، منذ تسلمه مقاليد الرئاسة فوق جثة رئيس آخر اسمه أنور السادات سقط صريعا في حادث المنصة الشهير. مصر، التي كانت قوة يحسب لها حسابها بين أطراف المعادلة الدولية فترة جمال عبد الناصر، وإقليما طليعيا بالنسبة للعالم العربي والثالثي، أخذت بعد ذلك تغرق في رمال صحراء الفراعنة شيئا فشيئا، إلى أن غدت حاليا مجرد ذكرى شريط فيلم بالأبيض والأسود نستعيد به ضحكا جميلا ونبيلا لإسماعيل ياسين أو غناء عذبا رخيما للعندليب عبد الحليم حافظ...، حيث أصبح كيانا بحجم مصر، مجرد خرابة تفتقد لأبسط مقومات وشروط الدولة الحديثة وتضاءل نفوذها السياسي إلى درجات مخجلة جدا ربما يقل عن إشعاع دولة صغيرة مثل جزر القمر؟! كما أن ضمانات المستقبل تبقى على صفيح ساخن بل وفي مهب الريح لأن إرث الإخفاقات ثقيل جدا، سواء حسم أمر الخلافة الفتى المدلل جمال مبارك ابن الرايس أو انتهت فعلا نتائج كل التوقعات لصالح رجل المخابرات القوي عمر سليمان الذي يتحكم في خبايا أهم الملفات من الفلسطيني إلى مياه النيل، إضافة إلى كونه ـ وهو الأهم ـ يحظى بالرضى الإسرائيلي الأميركي. كل ذلك، في غياب ثقل مرشح كاريزمي يخرج من قلب الجماهير وتتوفر فيه شروط القيادة، مادام البرادعي لازال مترددا بدعوى انتظاره تحرك المصريين، ثم يتسلم زمام المبادرة بعد ذلك، في حين أن الأمر، لا يمكن وقوعه على هذا النحو، تماما كما أكد الكاتب المصري فرانسوا باسيلي في مقالته الصادرة بجريدة القدس (عدد 19 يونيو 2010): "يقول البرادعي في كل أحاديثه أنه لا يستطيع أن يفعل أي شيء وحده وأنه مجرد فرد وعلى الشعب المصري ـ إن كان حقا يريد التغيير ـ أن يلتف حوله ويوقع على البيان الذي أعلنه، وعندئذ فقط يستطيع البرادعي أن "يحرج" النظام بمليون توقيع يطالب بالتغيير، والواقع أنه لو كانت هذه هي عقيدة كل قائد تاريخي لما كان قد وقع تغيير في أي مكان من العالم، فلا تغيير بلا قائد (...) لو انتظر غاندي أن ينهض ملايين الهنود مطالبين بالاستقلال لما حقق استقلال ووحدة بلاده، ولو انتظر مارتن لوثر كينج أن ينهض السود لكان أحفاده مازالوا ينتظرون ولما كان أوباما رئيسا اليوم. ولو انتظر مانديلا لما انتهى النظام العنصري في جنوب إفريقيا ولظل بلده يلفظه العالم كله ولما استطاع إنجاز تنظيم دورة كأس العالم هذا العام مدشنا دخول دولته إلى مصاف الدول الصاعدة الجديرة بالاحترام العالمي".
إذن، فالنظام الذي يحتضر في مصر، تجسيم مطلق للعسكرتارية العربية القائمة على ثلاثة حقائق أساسية تشكل "التراث الحضاري" الوحيد الذي تركته للتاريخ والأجيال اللاحقة : أولا ـ شخصنة جهاز الدولة بالمطلق وتعديم أي منفذ نحو المجتمع المدني ثم تحول قوانين الحكم من تداول سياسي صرف إلى محددات بيولوجية حيث الموت وحده سيتدخل كل مرة ليصنع التاريخ حينما يلقي بواحد منهم إلى ما وراء غياهب التاريخ. ثانيا ـ هاته الوصفات العربية التي تتجاوز مختلف ممكنات أدبيات الفقه الدستوري التي راكمها تاريخ الفكر، استعصى معها إيجاد مبرر بأي صيغة من الصيغ ل : ملكيات جمهورية، ملكيات مطلقة، رئاسيات عسكرية، رئاسيات ملكية، رئاسيات أوليغارشية.... ثالثا ـ أحاطت هاته العسكرتارية نفسها وهي تنهش أمخاخ شعوبها بجدار وهمي كبير أقامه الرابط المفصلي بين استمرارها على سدة الحكم ثم تفويض ذلك بالتوريث وإلا فالبلد الذي "يتربص به الأعداء من كل مكان" تتعقبه فوضى عارمة بلا مخرج، في حالة رحيل القائد المحنك الذي وحده يملك الحكمة والبصيرة كي يوصي بسلطته إلى من يراه جديرا بخلافته. تأويل ميتافيزيقي كهذا، يوحد جميع الدول العربية وعلى ضوئه نترقب بتلهف أولياء العهد في الجزائر وليبيا والسعودية واليمن وتونس...، دول قد تتبنى بين عشية وضحاها أي شكل سياسي وفق المستجد ربما خارج التصنيفات التي عرفناها إلى الآن، وذلك باسم مرجعيات مختلفة، فمن حماية الثورة إلى مواصلة تحقيق مكتسبات الرخاء، وترعرع هذا الشبل في عرين ذاك الأسد، وضخ دماء جديدة دون المس بالتواثب... وغيرها من سلالة تلك التعبيرات الشائعة التي أضحت مألوفة لدى جيوش المسحوقين الذين يتبخرون من الفرجة والضياع.
جل قادة العرب اليوم مرضى، تعفنت الكراسي تحت مؤخراتهم لا برامج وطنية لديهم، إلا خطب مدرسية مملة ومضجرة تلقى بركاكة في مناسبات لا طعم ولا مذاق لها، مادام واقعنا العربي يلتهمه اللامعنى من كل جانب، هكذا ستجري وديان الأموال لتخليد ذكرى الجندي والشرطي والثورة والحزب وتولية الحكم ومولد الزعيم وضحكاته وغضباته ورضاه على الناس.
طبعا، ستلجأ العسكرتارية العربية بين الفينة والأخرى إلى الاستهلاك اللغوي للديمقراطية وإنبات بناية هنا وهناك قصد تأثيث الفضاء بديكور موجه يستحسنه الأوروبيون والأميركيون، لكن في غفلة من الرقابة ستحولها إلى اسطبلات لخيول أفراد حاشيتها. فراغ جنائزي في الممارسة السياسية، يضع مصائر الشعوب العربية في يد أخطار جسيمة مثل المحو من الخريطة كما وقع للعراق، أو التفتيت الجغرافي البطيء على منوال السيناريو المتوقع للسودان، وفي أفضل الأحوال قد تترقب شعوبنا حروبا داخلية تأتي على الأخضر واليابس، ستفرغ من خلالها سنوات طويلة من القمع والكبت، فالخريطة العربية تطوي أعاصير جارفة من عنف متربص بالجميع، قد يلتهب لأدنى شرارة في ظل هذا الانعدام الفظيع لمؤسسات سياسية وثقافية وجمالية تتسامى بالمواطن وتخلق لديه إشباعا نفسيا سويا.
هاجس مجتمعي وحيد يسيطر على تفكير العسكرتارية العربية، أقصد تهيبها الدائم مما يسمى بالانفلات الأمني والذي قد يندلع في أية لحظة حتى من شجار بسيط بين مواطنين لأتفه الأسباب، لذا تجيش المعسكرات وأجهزة الاستعلامات السرية منها والعلنية، وترصد أهم الميزانيات لهذا الجانب، إضافة إلى ملايير الدولارات التي تتدفق صوب الحساب البنكي ل الآلة العسكرية الأوروبية والأميركية من أجل مراكمة خردة أسلحة في مخازن كي يأكلها الصدأ والأرضة في انتظار توجيه دخيرتها إلى صدر الجار القريب أو بدون مواربة وبكل بساطة نحو جمجمة المواطن كلما سولت له نفسه الصراخ ضد الأوضاع الجحيمية.
سعيد بوخليط، كاتب مغربي ويمكن الوصول اليه عبر العنوان التالي:
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
|