|
الأربعاء, 28 يوليو 2010 21:00 |
|
.jpg)
عمر نجيب - يقدر بعض المراقبين الدوليين أنه عندما نفذ رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون خطته للإنسحاب العسكري وتفريغ المستوطنات الصهيونية من قطاع غزة في 11 سبتمبر 2005 بعد احتلال دام 38 عاما "خطة فك الارتباط"، مع الاستمرار في التحكم في سماء وساحل القطاع مما حوله إلى معتقل كبير، فإنه كان يسعى لتحقيق أهداف عديدة من بينها تهيئة الظروف التي تجعل من الصعب إقامة دولة فلسطينية على جزء من الأراضي التي احتلها الجيش الإسرائيلي في حرب الأيام الستة في يونيو 1967.
التخلص من غزة بصفتها تمثل عبئا أمنيا وسكانيا على إسرائيل، أمر معروف في الدوائر السياسية الإسرائيلية منذ رابين الذي كان يحلم بإلقاء غزة في البحر، أو يصحو من النوم يوما ولا يجد هذا القطاع موجودا.
بعض المحللين ذكروا أن شارون أراد من الانسحاب كذلك العمل تدريجيا على نقل مسؤولية القطاع إلى مصر والتخلص من كثافة سكانية ونمو ديمغرافي كثيف، والشروع في تنفيذ المخطط القديم الهادف إلى تحويل سيناء مستقبلا إلى وطن بديل لفلسطيني غزة.
"أراد شارون عن طريق الإنسحاب من مستوطنات القطاع وإجلاء أكثر مكن 7500 مستوطن من طرف الجيش تلميع صورة الكيان الصهيوني، فقد تفاعل جزء كبير من الجمهور الغربي مع المشاهد المؤثرة لمواجهات المستوطنين مع الجيش، وتعاطف معهم لدى اخراجهم من منازلهم ومزارعهم وشعر بالتضحية التي قدمتها حكومة شارون من أجل السلام".
صحيفة "نيويورك تايمز" نقلت في حينها عن عن "ديانا بيرينو" المتحدثة الرسمية للبيت الأبيض قولها أن الرئيس بوش يتعاطف مع الأشخاص الذين غادروا منازلهم ولكنه يعتبر أنها خطوة ستجعل إسرائيل أكثر قوة وستسهم في توطيد علاقتها مع أميركا.
بعد خمس سنوات على تطبيق "خطة فك الارتباط"، يحاول وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان إحياء مخططات شارون حيث يعكف على إعداد "خطة انفصال" ثانية، تستهدف غسل أيدي إسرائيل من جريمة حصار حوالي مليوني فلسطيني، وتقسيم ما تبقى من فلسطين من خلال فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية. ليبرمان يسعى كذلك بمشروعه لتلميع صورة إسرائيل وعكس التيار الدولي الذي إذا استمر سيجعل منها كيانا منبوذا.
البحث عن سند "أممي"
يوم الجمعة 16 يوليو 2010 ذكرت صحيفة "يديعوت احرونوت" أن خطة ليبرمان تنص على رفع مسؤولية اسرائيل عن قطاع غزة بشكل كامل وتحويله إلى كيان مستقل ومنفصل تماما. وذكرت الإذاعة الإسرائيلية، أن ليبرمان يعتقد بأنه بموجب هذه الخطة ستحظى إسرائيل لأول مرة باعتراف دولي بانتهاء احتلالها للقطاع.
وجاء في وثيقة سرية أعدت في وزارة الخارجية الصهيونية انه يجب التوجه إلى الولايات المتحدة والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ورجال قانون مشهورين في مجال القانون الدولي لدراسة الظروف اللازمة للاعتراف بانتهاء الاحتلال.
وقد طرح وزير الخارجية هذه الخطة أمام مسئولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين اشتون وستة من الوزراء الأوروبيين في مسعى لحشد مساعدة أوروبية لرفع مسؤولية إسرائيل عن القطاع وتحميل الجهة المسيطرة عليه هذه المسؤولية.
وتقضي صفقة ليبرمان، باعتراف إسرائيل ودول الغرب بحكم حركة "حماس" في قطاع غزة وتحويله إلى شبه دولة مستقلة، وذلك مقابل تخليص إسرائيل من مسؤوليتها عن القطاع.
وطلب ليبرمان من المسئولين الأوروبيين ان يطرحوا على حكومة "حماس" إقامة محطة لتوليد الطاقة الكهربائية ومنشاة لإزالة ملوحة مياه البحر ومنشاة لتنقية مياه الصرف الصحي.
كما يقترح وزير الخارجية على الدول الأوروبية إرسال قوة عسكرية دولية إلى المعابر الحدودية بين إسرائيل وقطاع غزة لإجبار جميع الجهات المعنية على الالتزام بالتسوية.
وبموجب هذه الخطة فان إسرائيل ستتنازل عن مطلبها تفريغ حمولات السفن المتوجهة الى غزة في الموانئ الإسرائيلية على أن تجرى أعمال التفتيش الأمني لهذه الحمولات في ميناء ليماسول القبرصي.
التخلص من غزة
وحسبما أوردت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن مشروع ليبرمان هذا قدم إلى الإدارة الأميركية والأمم المتحدة، ويطلب منهما اقتراحات لوضع صيغة تناسب بنود القانون الدولي، لإنهاء حالة الاحتلال.
وتقول الصحيفة إن ليبرمان واع تماما للأبعاد السياسية العميقة لمشروعه، حيث إنه يعني الاعتراف بحكم حماس وتكريس الانقسام الفلسطيني. ويتضمن مشروعه سلسلة اقتراحات ضخمة لإغراء حماس على قبولها، مؤكدا أنها تؤدي إلى تقوية حكم حماس والتغلب على مصاعبه الكبيرة. كما يقترح إقامة مشاريع سكن ضخمة في القطاع. ويبدي ليبرمان استعداد إسرائيل للمشاركة في هذه المشاريع وتقديم كل التسهيلات اللازمة لإنجاحها.
ويقترح ليبرمان عمليا تحويل قطاع غزة إلى سلطة سياسية مستقلة، قادرة على الحياة بقواها الذاتية. ولا يمانع في انفتاح القطاع على العالم من خلال العودة إلى مشروع بناء ميناء في غزة، شريطة أن يتم فحص حمولات السفن القادمة إليه في محطة على الطريق. ويقترح أيضا نشر قوات دولية على طول الحدود بين قطاع غزة ومصر، وكذلك في الميناء، تشمل قوات كوماندوز فرنسية أو من حلف شمال الأطلسي لضمان عدم إدخال السلاح.
والشرط الأساسي للوزير ليبرمان، هو أن تغلق الحدود تماما بين إسرائيل وقطاع غزة ولا تعود إسرائيل ملزمة بأي شيء تجاه القطاع وأن يعترف العالم بتحرر إسرائيل من مسؤوليتها عنه.
وذكرت الصحيفة أن معارضي هذا المشروع لفتوا نظر ليبرمان إلى أنه يقوي حكم حماس ويحقق لها نصرا مجانيا، فأجاب بأنه لا يبني على السلطة الفلسطينية شيئا، حيث إنها تتردد في الدخول إلى مفاوضات مع إسرائيل على الرغم مما تقدمه إسرائيل من تسهيلات وتنازلات. وقال إن سياسة الرفض التي يمارسها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، تعرقل التقدم نحو التسوية. ويضيف أن حكومة حماس ثابتة في قطاع غزة ولا توجد قوة تهدد حكمها، بل عندما حاولت قوى "إسلامية" التمرد عليها، أنهت هذا التمرد خلال ساعات. ويقول إنه من الأفضل لمصلحة إسرائيل أن تقدم اقتراحات بعيدة المدى في قطاع غزة، تكون ذات جدوى، من أن تقدم التنازلات المجانية للسلطة الفلسطينية.
170 مولود جديد يوميا
قطاع غزة هو المنطقة الجنوبية من الساحل الفلسطيني على البحر المتوسط، وهو على شكل شريط ضيق شمال غرب شبه جزيرة سيناء يشكل تقريبا 1.33 في المائة من مساحة فلسطين التاريخية "من البحر إلى النهر". يمتد القطاع على مساحة 360 كلم مربع، حيث يبلغ طوله 41 كلم، أما عرضه فيتراوح بين 5 و15 كلم. تحد إسرائيل قطاع غزة شمالا وشرقا، بينما تحده مصر من الجنوب الغربي.
يعتبر قطاع غزة من أكثف مناطق العالم سكانيا وعدد مواطنيه يرتفع بشكل سريع جدا، فيوم الخميس 22 أبريل 2010 صرح كامل ماضي الوكيل المساعد لوزارة الداخلية في حكومة إسماعيل هنية في غزة، أن عدد سكان القطاع يقترب من مليوني نسمة. وأشار إلى أن إحصائيات الإدارة العامة للأحوال المدنية تفيد بأن عدد سكان قطاع غزة جاوز مليون وثمانمائة ألف نسمة، وأن عدد المواليد في قطاع غزة خلال الأعوام الأربعة الماضية وصل إلى 220 ألف مولدا.
وأوضح أنه في عام 2009 سجل أكثر من 50 ألف مولود، بواقع أكثر من 170 مولود جديد يوميا، فيما سجل في العام 2008 أكثر من 52 ألف مولود جديد، وفي عامي 2007 و2006 سجلت قرابة مائة ألف مولود، مشيرا إلى أن نسبة عدد المواليد مقابل الوفيات هي 8 إلى 1.
الدولة "الثنائية القومية"
خطة ليبرمان فيما يخص قطاع غزة تملك عناصر تلاقي كثيرة مع أفكار هؤلاء السياسيين الصهاينة الذين يدعون إلى تبني فكرة الدولة "الثنائية القومية" بدلا من مبدأ حل الدولتين لاقتناعهم بعدم جدوى المفاوضات، حيث أن التخلص من قطاع غزة والإحتفاظ بالضفة الغربية يبعد لمدة زمنية طويلة نسبيا خطر السقوط في دولة يشكل الفلسطينيون فيها نسبة تفوق الخمسين في المائة. يوم السبت 17 يوليو 2010 تناولت صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية، دعوات عدد كبير من الشخصيات الاسرائيلية إلى تبني فكرة الدولة "الثنائية القومية". وزعم وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشي أرينس أن المفاوضات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس تبدو غير مجدية، وأن الرئيس الأميركي باراك أوباما يفكر بالتأكيد بطريقة أخرى.
وأضاف أرينس أنه لو كان الأردن على استعداد لاستيعاب أراض وسكان آخرين لكان ذلك أسهل، ولكن عمان لا توافق، ولذلك يمكن التوجه نحو إمكانية أخرى، وهي أن يسري القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية، وأن يتم منح المواطنة الإسرائيلية لمليون ونصف المليون فلسطيني. وكان أرينس قد سبق أن أشار إلى ذلك في مقال دعا فيه إلى دراسة بدائل سياسية للوضع القائم، وكسر مسلمات في السياسة الإسرائيلية ومنح المواطنة الإسرائيلية للفلسطينيين في الضفة الغربية.
وردا على اتهامات بأنه يدفع باتجاه فكرة دولة "ثنائية القومية"، قال إن إسرائيل باتت دولة ثنائية القومية، وفيها 20 في المائة أقليات، وهذه هي الحقيقة. وقالت صحيفة "هآرتس" إن هذا الرأي ليس مقصورا على الهامش السياسي، وإنما تشارك فيه شخصيات بارزة في حزب الليكود الحاكم وفي صفوف قادة المستوطنات.
ويشار في هذا السياق إلى أن رئيس الكنيست رؤوبين ريفلين، كان قد صرح في مايو 2010، بأنه يفضل منح المواطنة للفلسطينيين سكان الضفة الغربية على تقسيم البلاد، بحسبه.
وكانت عضوة الكنيست النائبة تسيبي حوطبيلي "الليكود" قد نظمت حملة في شهر مايو 2009 في الكنيست تحت شعار "البديل لحل الدولتين"، وطالبت علانية بمنح المواطنة للفلسطينيين بشكل تدريجي.
تأجيل الحسم 20 سنة
في عملية تقاسم للأدوار داخل الجهاز الإسرائيلي الحاكم واستكمالا لخطة فصل غزة والتأرجح بين خيارات الدولة الواحدة "ثنائية القومية" والدولة الفلسطينية الممزقة بالمستوطنات في الضفة الغربية، يحاول رئيس الحكومة نتنياهو التلاعب بعامل الزمن لتأجيل حسم قضايا رئيسة لـ10 سنوات او 20 في حال التوصل إلى اتفاق تسوية.
يشكل تحليل نشر يوم السبت 17 يوليو 2010 لمفهوم "عامل الزمن" الذي كرر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الحديث عنه في الآونة الاخيرة تحذيرا ينبغي للفلسطينيين التنبه للمخاطر التي ينطوي عليها هذا المفهوم. وقد كتب هذا التحليل الصحافي هيرب كينون في صحيفة "جيروزاليم بوست" الاسرائيلية. والذي يعنيه مفهوم "عامل الزمن" الذي جاء به نتنياهو ليس ضرورة الاستعجال في التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين قبل استفحال الصراع، وإنما - بكل وضوح - إطالة أمد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وبقاء المستوطنات اليهودية فيها وبقاء الجيش الإسرائيلي في غور الأردن، بل وعلى الحدود لأي دولة فلسطينية قد تقوم مستقبلا.
وفي لقائه مع تلفزيون "فوكس" ذكر نتيناهو انه يعتقد أن بالامكان التوصل إلى اتفاق إسرائيلي فلسطيني بعد تثبيت الثقة.
ويرى نتنياهو أنه في التعامل مع بعض القضايا الرئيسة مثل الأمن وحتى المستوطنات، فان بعض الألغام الأرضية سينزع مفعولها إذا دمج فيها عامل الزمن، قائلا إن بعض الأمور لا يمكن أن تتحقق إلا خلال عقد أو فترة أطول من ذلك.
الدولة المؤقتة
الخطط الإسرائيلية رفضت من طرف كل الفصائل الفلسطينية وخاصة فتح وحماس.
الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة رفض يوم السبت 17 يوليو 2010 خطة ليبرمان لتحويل قطاع غزة إلى كيان منفصل معتبرا أن هدفها "العودة لمؤامرة الدولة المؤقتة". وقال أبو ردينه في تصريح صحافي إن: "هدف خطة ليبرمان تقسيم الوطن الفلسطيني وهي تعني التخلي عن القدس ولذلك نرفضها بقوة لأنها أيضا مخالفة للاتفاقات الموقعة وللشرعية الدولية". وأضاف: "ليبرمان جاء بخطة جديدة قديمة وهي العودة لمشروع الدولة المؤقتة التي رفضناها سابقا ونجدد رفضها باسم الشعب الفلسطيني جميعه".
واعتبر أبو ردينه أن الخطة تنهي فرصة أقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، محذرا أي جهة فلسطينية أو دولية من التعاطي معها "لأنها ضد طموحات شعبنا بالوحدة والحرية والاستقلال ولا تلبي سوى طموحات اليمين الإسرائيلي المتطرف".
وفي السياق نفسه، قال الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي إن خطة ليبرمان بشان قطاع غزة "خطيرة" وتهدف إلى تكريس فصل غزة عن الضفة الغربية.
وأضاف البرغوثي، أن هذه الخطة "محاولة للتخلص من الثقل الديمغرافي الفلسطيني عبر فصل القطاع عن الأراضي الفلسطينية للتخلص من 30 في المائة من السكان الفلسطينيين خاصة بعد أن أصبح عدد الفلسطينيين المقيمين في فلسطين التاريخية مساويا لعدد الإسرائيليين".
واوضح أن الهدف من وراء الخطة الإسرائيلية "تحويل الاحتلال إلى احتلال بتمويل دولي لإبقاء السيطرة على الأراضي الفلسطينية".
وأضاف أن الخطة الإسرائيلية "تهدف إلى تصفية الاستقلال الوطني وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإلقاء العبء على مصر وجعل قضية الضفة سكانا محاصرين في معازل وإلقاء مسؤوليتهم على الأردن".
من جانبها، رفضت حركة "حماس" خطة ليبرمان واعتبرتها "محاولة إسرائيلية للتهرب من المسؤوليات المترتبة على الاحتلال".
وقال الناطق باسم "حماس" سامي أبو زهري "نرفض أي سلخ لغزة عن فلسطين المحتلة بكل مكوناتها"، مشددا على عدم إعفاء الاحتلال من المسؤولية القانونية طالما استمر في احتلاله للأرض الفلسطينية.
وتابع أنه "بالرغم من أن غزة تحررت على الأرض من الوجود العسكري والاستيطاني فإنها تخضع من الناحية القانونية والعملية للاحتلال".
وطالب ابو زهري بعدم الربط بين هذه الخطة الإسرائيلية وقضية رفع الحصار عن قطاع غزة، وضمان توفير كل احتياجاته من خلال الفتح الكامل للمعابر والطرق والميناء وإمداد غزة بالكهرباء والوقود.
رفض مؤقت
مخطط ليبرمان ووجه بالرفض من جانب بعض الأطراف الغربية ولكن تل أبيب نعتبر هذه المواقف مؤقتة.
الممثلة العليا للسياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون عبرت يوم الأحد 18 يوليو 2010 عن رفض الاتحاد الأوروبي لأي خطط تفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والقدس، وشددت على دعم الاتحاد الأوروبي لحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية على كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.
بدوره مبعوث الرباعية الدولية إلى الشرق الأوسط، توني بلير، أدلى بتصريحات، يوم الاثنين 19 يوليو، لصحيفة "معاريف" الإسرائيلية حذر فيها من فشل المفاوضات غير المباشرة الجارية حاليا. وقال إن فشلا كهذا سيؤدي إلى مشكلة كبرى. وحذر من محاولات الالتفاف على التسوية المعترف بها دوليا، على أساس دولتين للشعبين، مثل مبادرة وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان، حول جعل قطاع غزة سلطة فلسطينية مستقلة، وقال: الحل الوحيد للصراع هو إقامة دولة فلسطينية واحدة تضم قطاع غزة والضفة الغربية معا تحت سلطة واحدة. وأعرب بلير المعروف بمساندته لتل أبيب عن استغرابه، كيف تقف إسرائيل ضد حماس، وفي الوقت نفسه تقترح سلطة مستقلة بقيادة "حماس".
الإنقسام الفلسطيني خدم ويخدم الكيان الصهيوني ولهذا فهو يتدخل عبر حلفائه الغربيين وأنصاره العمليين الذين نجحوا في تقاسم احتلال البوابة الشرقية للأمة العربية مع الولايات المتحدة، للحيلولة دون عودة الوحدة الفلسطينية وتخريب كل مشاريع المصالحة.
موازاة مع خطة ليبرمان وتركيز نتنياهو على ما يسميه عامل الزمن، تكثف الحديث داخل الكيان الصهيوني وفي الولايات المتحدة عن التعامل مع الفلسطينيين على أساس وضع التفرقة.
يقول الصحافي كارلو سترينغر في صحيفة "هآرتس" : الاسرائيلية يبدو ان التحاور مع "حماس" أمر عقلاني بالنسبة لإسرائيل، كما اذا كانت هناك أسباب مقنعة بان المنظمة ستسير على المدى الطويل على هدي حزب المؤتمر الوطني الافريقي والجيش الجمهوري الايرلندي وتنتقل من التكتيكات الارهابية، حسب وصف الصحيفة الاسرائيلية، لتصبح لاعبا مشروعا على الساحة السياسية.
وفي مقال نشرته صحيفة "ذي نيويورك تايمز" للصحافيين سكوت أتران، وهو عالم في علوم الانسان ومن الخبراء البارزين في شؤون المنظمات الارهابية، وروبرت أكسيلرود، وهو من العلماء السياسيين البارزين والخبير في ديناميكية المفاوضات، يقولان فيه أن من الخطأ عدم مخاطبة الجماعات التي توسم حاليا بأنها منخرطة في أنشطة إرهابية.
وأوضح هذان الخبيران اللذان تستدعيهما الحكومة الأميركية لإبداء النصح والمشورة، أن مسيرات السلام الناجحة تاريخيا احتاجت إلى مرحلة متوسطة تنخرط فيها جماعات مثل الحزب الجمهوري الايرلندي في ايرلندا والمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا في جولات مفاوضات قبل أن تنبذ العنف.
وتضيف الصحيفة أن إسرائيل أثبتت صحة هذه النقطة عندما بدأت الحديث مع منظمة التحرير الفلسطينية قبل سنوات من تغيير المنظمة لمواقفها التي تدعو إلى إزالة إسرائيل.. وقال اتان واكسيلرود أيضا أنهما خلال لقائهما رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل شعرا باحتمال قيام سلام وليس "هدنة" فحسب مع إسرائيل.
رفض مبادرة السلام العربية
قبل أشهر من طرح وزير خارجية إسرائيل لخطته حول غزة، أكد ليبرمان في اجتماع الحكومة الإسرائيلية المصغرة للشؤون السياسية والأمنية، رفضه لمبادرة السلام العربية باعتبارها "وصفة لتدمير إسرائيل"، ساخرا في الوقت نفسه من مبدأ الدولتين، رغم أن القيادة الإسرائيلية تعهدت لواشنطن بالالتزام ببنود خريطة الطريق.
ووصف مبادرة السلام العربية التي أقرت في قمة بيروت عام 2002، بأنها "خطيرة جدا" كونها تمثل "وصفة لتدمير إسرائيل"، موضحا أن أخطر ما في المبادرة هو حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
كما نشرت الصحف الإسرائيلية تصريحات لليبرمان لصحيفة روسية انتقد فيها خريطة الطريق رغم إعلانه الالتزام بها في وقت سابق، مشيرا إلى أن الفلسطينيين لا يعرفون هذه الوثيقة جيدا ولم يدرسوا تفاصيلها حتى النهاية. وسخر الوزير الإسرائيلي من المقترح الأميركي الخاص بقيام دولتين بوصفه "شعارا جميلا فارغ المضمون".
ساسة إسرائيل بغض النظر عن توجهاتهم وفي نطاق دفاعهم عن استمرار وجودهم على أرض فلسطين ورغم تمتعهم بسند أميركي مطلق يخوضون صراعا من أجل الحفاظ على مناخ عالمي ملائم لسياستهم وأطروحاتهم وخاصة ما يتعلق بما يسمونه حقهم في دولة يهودية تستطيع التعايش والتعامل مع جيرانها. ولعل أكثر ما يخشاه الصهاينة أن ينجح العرب في جعل العالم ينظر إسرائيل ككيان عنصري غاصب كما حدث لنظام جنوب أفريقيا العنصري السابق وهو ما عجل بانهياره.
تمزق صورة
يسجل المراقبون أنه في السنوات القليلة الماضية أخذت الصورة التي أرادت تل أبيب أن تفرضها على العالم لنفسها تتمزق بسرعة أكثر من قدرتها على إصلاحها، ولهذا جندت امكانيات اضافية لعكس الإتجاه.
قالت السفيرة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة غابريئيلا شاليف إن مكانة إسرائيل في المنظمة الدولية تدهورت بشكل كبير ووصلت في هذه الفترة إلى حضيض خطير. وذكرت في مقابلة أجرتها معها صحيفة "هآرتس" ونشرتها يوم 19 يوليو، "عندما توليت المنصب (قبل سنتين) كنت أتطلع إلى الحفاظ على صورة إسرائيل في الأمم المتحدة ورعايتها، لكن مع عودتي إلى إسرائيل وإلى عالم الأكاديميا الذي جئت منه، فإن مكانة إسرائيل تدهورت إلى حضيض خطير.
يوم الخميس 22 يوليو 2010 ندد الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بوجود غالبية في الأمم المتحدة مناهضة لإسرائيل، وقال بيريز للصحافيين في بردو بري كرانغو قرب ليوبليانا أثناء زيارة الى سلوفينيا استغرقت يومين، نشعر أننا نلقى معاملة تمييزية لان هناك العديد من المواجهات الأخرى بين منظمات إرهابية ودول ديمقراطية.
وفي شأن الهجوم الذي شنه جيش الاحتلال الإسرائيلي على قافلة انسانية متوجهة إلى قطاع غزة وأوقع تسعة قتلى، قال بيريز إن إسرائيل ليست الدولة الأولى التي تواجه منظمة إرهابية، لكن تمت الإشارة إليها لان هناك غالبية مناهضة لإسرائيل في الأمم المتحدة.
قبل ذلك وفي في شهر مايو 2010 ذكرت صحيفة معاريف، ان صورة إسرائيل في مختلف دول العالم لم تكن سيئة كما هي اليوم. وأضافت، ان عملية الرصاص المصبوب، وتقرير القاضي الدولي ريتشارد غولدستون، والازمة، مع تركيا، وتراجع مستوى العلاقات مع الولايات المتحدة، اضافة لسلسلة من الصدامات الدبلوماسية مع بعض الجهات الدولية، جعلت من الضرورة المسارعة إلى القيام بحملات دعائية إعلامية بهدف تحسين مكانة إسرائيل في العالم.
وقالت الصحيفة، أن غالبية مواطني دول أوروبا تقريبا أصبحوا ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها، وحش الشرق الأوسط.
لكن، رغم الجهود التي تم القيام بها عبر وسائل الإعلام، فقد أدرك الكنيست ووزارة الخارجية ان إظهار الإسرائيليين في صورة الأناس المسالمين لن تؤدي الغرض المطلوب منها. وعلى هذا الأساس، تقرر أن يتم إنشاء ما يسمى رابطة السفراء وطاقما خاصا من أعضاء الكنيست، يمثل كل ألوان الطيف السياسي، ليكون بمثابة فيلق إعلامي سياسي إضافي يتولى العمل في مختلف دول العالم.
حصار الكلمة
تمزق الصورة الوهمية لإسرائيل المحاطة بوحوش يريدون رميها في البحر شجعت بعض أعمدة الصحافة في الغرب على التحرك وقول الحقيقة ولكن هؤلاء تم قمعهم وإسكات غالبيتهم.
في شهر يونيو 2010 تمكنت آلة الدعاية والضغط الصهيونية العملاقة من إسقاط عميدة الصحافة الأميركية هيلين توماس لأنها تجرأت على قول جزء من الحقيقة.
وكانت توماس، قد قالت أثناء حضورها احتفالية بمناسبة "شهر التراث اليهودي الأميركي" في 27 مايو 2010 في مقابلة لموقع "رابي لايف" اليهودي ردا على سؤال عما إذا كان لديها أي تعليق عن إسرائيل، "قل لهم أن يخرجوا من فلسطين".
وسألها المراسل "هل لديك تعليق أفضل عن إسرائيل" أجابت "يجب أن يتذكر هؤلاء الناس أنهم محتلون وهذه ليست ألمانيا ولا بولندا".
وردا على سؤال عن المكان الذي يجب على الإسرائيليين أن يذهبوا إليه، قالت توماس "يجب أن يعودوا إلى ديارهم"، موضحة "فليعودا إلى بولندا وألمانيا وأميركا وأي مكان آخر".
وانتشر كلامها ضمن مقاطع فيديو على موقع "يو تيوب" مما أثار جدلا واسعا خصوصا بين أوسط اليهود الأميركيين، الذين تحركوا كل أكثر من صعيد للتخلص منها.
الهجمة الصهيونية أجبرت عميدة صحفيي البيت الابيض هيلين توماس البالغة من العمر 89 عاما على تقديم استقالتها بشكل مفاجئ من منصبها كصحفية دائمة في مقر الرئاسة الأميركية.
الرئاسة الأميركية شاركت في الحملة ضد توماس فالمتحدث باسم البيت الأبيض روبرت غيبس قال ان "تصريحات توماس كريهة وتستحق التوبيخ".
وبعد التصريح الذي أدلى به غيبس، اعلنت "هيرست نيوز سيرفيس" (وهي مالكة شبكة الصحف المتعاقدة مع توماس ككاتبة دائمة) ان الصحفية ستتقاعد بشكل فوري، كما الغت كلمة كان من المقرر أن تلقيها توماس في مدرسة ثانوية في إحدى ضواحي واشنطن.
يذكر أن توماس أصبحت كاتبة عمود في سلسلة صحف هيرست في السنوات الأخيرة بعد أن عملت لعدة عقود مراسلة لوكالة يونايتيد برس انترناشيونال بالبيت الأبيض.
وتجدر الإشارة إلى ان توماس، وهي لبنانية الأصل هاجرت اسرتها الى الولايات المتحدة بداية القرن الماضي واستقرت في ولاية كنتاكي، عايشت خلال مسيرتها المهنية كمراسلة دائمة في البيت الأبيض عشرة رؤساء أميركيين أي منذ عهد الرئيس جون كنيدي.
إنذار متجدد
في الأوساط المؤيدة لإسرائيل ورغم استقالة توماس، اعتبر الأمر كإنذار جديد بدأ يتكرر بوتيرة غير مسبوقة.
ويقول ملاحظون أن الحراك المعارض لسياسة إسرائيل في العديد من وسائل الإعلام الرئيسية يكبر، ويشير هؤلاء إلى أن تصريحات توماس التي أجبرتها على الاستقالة جاءت ثمرة لغضبها على إدارة الرئيس اوباما في تقاعسها عن أي تحرك إيجابي بمواجهة الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية إلى غزة. والارجح أيضا أنه جاء ردة فعل إزاء ما تعتبره تقاعسا من جانب الإعلام الأميركي في نقل الصورة الحقيقية للهجوم وأبعاده. وهذا ليس موقفا جديدا. فعندما سئلت سنة 2009 عن رأيها في زملائها المراسلين من البيت الأبيض، ردت قائلة: "أتمنى أن ينهضوا من غيبوبتهم الجماعية العميقة هذه يوما ما".
وقد وجهت توماس قبل أشهر رسالة إلى زملائها في الصحافة اللبنانية والعربية قائلة "ابحثوا عن الحقيقة، أحيانا قد يكون ثمنها باهظا لكنها تستحق العناء". وأضافت "العالم العربي يستحق الحقيقة والناس ستتفاعل مع هذا الأمر، عليهم بالتأكيد السعي إلى ديمقراطية حقيقية لكن عليهم أيضا أن لا يتسامحوا مع المياه والأرض التي تؤخذ منهم".
التحولات
تل أبيب في صراع مع الزمن لتمرير مشروع التخلص من غزة وتلميع صورتها، وهي إذا كانت تنجح أحيانا في كسب بعض النقط فإنها تخسر نقاطا أكثر.
بتاريخ 21 يوليو 2010 كتب المحلل الصهيوني زلمان شوفال في صحيفة "اسرائيل اليوم": تبنى البوندستاغ الالماني قرارا يندد بإسرائيل بسبب عمليتها في مواجهة قافلة الحرية إلى غزة والحصار الذي تفرضه على القطاع. اتخذ القرار بالإجماع وبموافقة جميع الأحزاب. بالمناسبة لم يثر في أي مجلس نواب أوروبي آخر مبادرة مشابهة.
صرح فولفغانغ غيهركي، متحدث الشؤون الخارجية في حزب اليسار المعارض، المشهور بعلاقاته القريبة مع حماس وحزب الله، بعد ذلك بأن التصويت "علامة على تغير أساسي في علاقة ألمانيا بإسرائيل". لو كان الحديث عن هذا الحزب فقط، الذي هو ابن للحزب الستاليني، الألماني الشرقي لقلنا فليكن. لكن حقيقة أن أعضاء بارزين أيضا في الأحزاب التي تكون ائتلاف ميركل الحالي ونوابا من الحزب الاشتراكي الديمقراطي انضموا إلى المبادرة، تثير الشك في سؤال هل "ألمانيا الأخرى" هي مختلفة جدا في الحقيقة ؟.
منذ أيام كونراد اديناور، أول مستشار ألماني بعد الحرب العالمية الثانية، عرف جميع زعماء ألمانيا أنه يجب على بلادهم وإلى الأبد أن تتحمل المسؤولية الأخلاقية والعملية عن وجود إسرائيل وأمنها.
"سمعت في المدة الأخيرة عدة تصريحات مقلقة، كتصريح السياسي اليساري الذي قال إن ألمانيا تستطيع منذ الآن فصاعدا أن تنضم إلى الموجة المعادية لإسرائيل التي تغمر أجزاء من أوروبا بغير تأنيب ضمير".
عمر نجيب، كاتب وصحافي مصري مقيم في المغرب
|