|
الاثنين, 09 أغسطس 2010 19:38 |
|
.jpg)
زعيم الظاهرة الصوتية
علي الصراف - مَنْ هم الذين يستحقون الحصول على مساعدات في مواجهة كارثة إنسانية أو بيئية في عالمنا؟
دع عنك أفريقيا.
هناك أولاً، الفلسطينيون المحاصرون في غزة. فعلى الرغم من حملات التضامن الدولي، إلا أن الحصار الإسرائيلي ما يزال يمثل جحيما، بجميع المقاييس، حتى على أبسط مظاهر الحياة. ثم هناك الفلسطينيون في الضفة الغربية الذين، حتى وإن كانوا يحصلون على مواد غذائية وأدوية وقرطاسية لمدارس أطفالهم، إلا أن حالهم، في الحرمان والجوع، لا يرتفعُ كثيراً عن حال أشقائهم في غزة.
هناك، ثانيا، الملايين في اليمن الذين يعيشون تحت خط الفقر. وبينهم مئات الآلاف من المشردين. والبلد برمته يعاني من نقص في كلّ مقومات الحياة الإنسانية الكريمة، وأولها شحة المياه، وثانيها، شحة الكهرباء، وثالثها، شحة الزراعة، ورابعها شحة الوظائف، وخامسها، شحة التمويلات لمشاريع التنمية المعطلة، و....
هناك، ثالثا، مصر نفسها، التي يبلغ معدل الفقر فيها نحو 40% من مجموع السكان. أي أن هناك نحو 35 مليون نسمة يعيشون على الحد الأدنى لمتطلبات الحياة، بينهم 14 مليون نسمة (حسب تقرير للأمم المتحدة عام 2007) يعيشون "تحت خط الفقر"، وبين هؤلاء 4 ملايين نسمة لا يجدون قوت يومهم أصلا ويعيشون على الفضلات.
وهناك، رابعا، السودان، الذي تقول منظمة اليونيسيف أن 31% من أطفاله دون الخامسة يعانون من نقص حاد في الوزن، وأن معدلات وفيات الاطفال تزداد طرديا مع زيادة مستويات الفقر، في ظل انتشار الاسهالات والملاريا ومحدودية فرص الحصول على مياه الشرب النقية والصرف الصحي. وتضيف "ان الفقر (في هذا البلد) لا يعني الحرمان المادي فقط ولكنه يشمل انعدام السكن الملائم وعدم القدرة على الحصول على العلاج وانتشارالبطالة وتفشي الامية".
وهناك خامسا، الفقر والحرب الأهلية والتمزق الذي يجعل من الصومال واحدا من أكثر بلدان العالم اهتراءً وتفسخا، وذلك الى حد يدفع بالكثير من أبنائه لكي "يعيشوا" على الإرهاب والقرصنة. بمعنى أن هاتين المصيبتين هما "المؤسستان" الوحيدتان اللتان توفران دخلا و"وظائف" للفقراء!
وهناك، سادسا، المغرب الذي يبلغ معدل الفقر في مناطقه القروية نحو 22%، وتبلغ النسبة 14% على المستوى الوطني، من مجموع 32 مليون نسمة.
ولدينا، سابعا، على المستوى العربي العام، من مظاهر الفقر والبطالة ما يجعلنا ننحدر في سحيق كارثة حقيقية. إذ يقول تقرير للأمم المتحدة للتنمية البشرية لعام 2009 بان هناك65 مليون عربي يعيشون في حالة فقر، وان البطالة تعد من المصادر الرئيسية لانعدام الامن الاقتصادي في معظم البلدان العربية، وان معدلات الفقر العام تتراوح بين 28.6% و30% في لبنان وسورية في حدها الادنى، ونحو 59.9% في حدها الاعلى في اليمن، ونحو 41% في مصر." وحسب بيانات منظمة العمل العربية (2008) فان نسبة البطالة في موريتانيا تبلغ نحو 22%.
ومن الجلي، فان هذه الأوضاع تنتجُ مآسي يومية كثيرة بالنسبة لعشرات الملايين، وهي تولد حرائق اجتماعية تلقي بظلال مدمرة على المنطقة بأسرها دفعة واحدة، وتثير سحابةَ دخانٍ خانقةٍ تجعلُ كل إنسانٍ يعيشُ فيها يتنفسُ هواءً ملوثا.
ولكن إذا صحا الزعيم الليبي من غفوته كرئيس للقمة العربية، فما هي الكارثة التي سوف تلفت انتباهه أكثر من غيرها؟ وما هي الحرائق التي ستدفعه ليبحث عن نجدة طارئة لها؟
الجمعة، 6/8/2010، ظهر العقيد معمر القذافي في خطاب تلفزيوني ليقول انه يدعو "القادة والزعماء العرب والإيطاليين" (لا أعرف ما هو الرابط) لتقديم "مساعدات لروسيا في كارثة الحرائق ولباكستان في كارثة الفيضانات".
وقال التلفزيون الليبي "أن مناشدة القذافي للقادة العرب جاءت من خلال اتصالات أجراها معهم باعتباره رئيس القمة العربية".
في ظل كل ما لدينا من أوجاع وحرائق، فالسؤال هو: هل يمكن للعار أن يبلغ مستوى أشد من هذا قُبحاً؟
هل يمكن للتفسخ الذهني أن يكون أكثر من هذا عُنفاً؟
روسيا دولة عظمى، لا بالمعنى الهوائي للعظمة (كما هو حال جماهيرية العقيد "العظمى")، بل بالمعنى الإقتصادي المحض. إذ انها سادس أكبر قوة اقتصادية في العالم. وبالتالي، فمن الأولى بها أن تقدم المساعدات للآخرين، لا أن تتلقاها منهم.
وإذا كانت باكستان دولة فاشلة (على غرار دولة العقيد الفاشلة، بالمعايير التنموية الدولية) فلأنها حليفٌ وثيقٌ للولايات المتحدة وتخوضُ حربا بالنيابة عنها، ضد نفسها من ناحية، وفي افغانستان من ناحية أخرى. بمعنى آخر، باكستان حليفٌ وثيقٌ للإمبريالية (التي يزعم العقيد القذافي انه يعاديها و"يتحدى" سياساتها هوائيا). و"الامبريالية" أولى بأن تساعد حلفاءها، لا أن تدفع "أعداءها" الهوائيين لكي يخففوا عنها!
يزعم البعض، على غير الحقيقة ربما، ان الزعيم الليبي يتعاطى أشياء تجعله يفقد الوعي، فيهذي، ويدلي بتصريحات تنطوي على الكثير من شذوذ المفارقات المفجعة.
ولكن رجلا يرتجلُ أهواءَه وتقويماته الشاذة لا يحتاج، في الواقع، الى أن يتعاطى شيئا. فبيئة الهذيان، عندما لا يعود يضبطها قرار رشيد، هي "التعاطي". ولا بد لها أن تُفضي في النهاية الى الإنطلاق من تصرف أهوج، وتقدير أعرج، ولسان أعوج.
وحيال كارثة الحرائق الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني عشرات الملايين من مآسيها اليومية، ونضطر جميعا الى أن نتنفس من هوائها الملوث، فمن الرعونة بمكان أن يدير "رئيس القمة العربية" ظهره لها، ليرفع سماعة الهاتف ليجري مشاورات مع "القادة العرب والإيطاليين" من أجل الذهاب لمساعدة روسيا وباكستان.
لقد كان من الجدير بالملاحظة، عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، أن "سفينة الأمل" الليبية سجلت نهاية مخزية لحملة التضامن العالمية لكسر الحصار ضد غزة. وبدلا من المواجهة (التي قادتها السفن التركية) لتحوّل الحصار الاسرائيلي الى جريمة تستحق المحاكمة، فقد قرر مرسلو السفينة الليبية أن يمتثلوا، بخذلانٍ ومذلةٍ، للأوامر الإسرائيلية، بل وأن يبرروا (من الناحية الموضوعية) الموقف الإسرائيلي القائل أن إسرائيل لا تعارض إيصال مواد الإغاثة الإنسانية الى غزة، سوى انها لا تريد تحديا يجعل ميناء غزة مفتوحا.
وهكذا، فبدلا من التحدي والمواجهة، اختار الخذلانُ أن يُرسي "تحدياته" في العريش.
وبدلا من محاكمة الجريمة، اختار الذلُّ، أن يكتفي بإيصال مواد غذائية.
وبدلا من الهزيمة التي تكبدتها إسرائيل، بفضل السفينة التركية "مرمرة"، جاءت السفينة الليبية لتمنح إسرائيل نصرا سياسيا وأمنيا ودبلوماسيا، مقابل منح المحاصرين ما تقول اسرائيل انها لا تمنع وصوله اليهم!
ولم يسأل الموريتانيون، الذين اختاروا العقيد القذافي بوصفه "قائدهم ومرجعيتهم"، لم يسألوا أنفسهم: على ماذا يا حسرة؟
على الظاهرة الصوتية التي يمثلها هذا "القائد" في عالم التحديات الهوائية الفارغة؟
أم على دولة الفشل التي يقودها في بلاده حتى أورثها الخراب والطاعون؟
أم على فضيحة الدعوة لتقديم المساعدات، ليس لبلادهم، وإنما لـ... روسيا؟
هذا الرجل لا يفتح فمه، حتى يخرج منه شيءٌ مروعٌ، مرة، بعد مرة، بعد مرة. ومن المفيد للجميع أن يصمت، على الأقل لكي لا يُذكّرنا بوجوده كأقدم كارثة في السلطة العربية.
هل تعيش المنطقة، التي يرأس هذا الرجل قمتها، في ظل حرائق تطال بمآسيها عشرات الملايين؟
نعم.
ولكن لانه أولُ العار فيها، وأولُ الكارثة.
هذيانات الفضيحة، قد تدل على مدى التدهور الذهني الذي يعانيه "القائد"، ولكنها تضع الكثير من المسؤولية على شعب وجد نفسه ضحيةً لتبعاتها ومصائبها على امتداد 40 عاما.
لعله يمكن "للقادة العرب والإيطاليين" أن يقولوا له: "يا رجل، إتق الله فينا. مش ناقصينك احنا". ولكنها مسؤولية الليبيين أنفسهم لكي ينجّونا وينجّوا أنفسهم من هذه الكارثة الصوتية.
من الأجدر بأحد أن يقف ليقول له: عندما تريد أن تهذي، في المرة القادمة، فمن اللائق أن تستشير أحدا، وليس من العيب أن تصغي لصوت العقل.
أو إسألوه: هل اتصل بك الأميركان، بوصفك رئيسا للقمة، لكي تقدم المساعدة لباكستان؟ فهببت مثل المفزوع لكي تنفذ الأوامر، يا أبا "التحدي".
أو قولوا له على الأقل: إصح. لا تتكلم وأنت نائم في عز النهار.
وبما أنك "أقدم كارثة" في السلطة العربية، أفلا تلاحظ أن الكيل قد فاض، وأن سيلُ الرعونة قد بلغ الزبى، حتى ذهبت به أبعد مما ينبغي؟
أفلا ترى أن أربعين عاما من الترهات تكفي، وأن الأوان قد آن لتُكرمنا بصمتك؟
أفلا ترى أن قدرا من السخرية المُرة، هو وحده الذي يستطيع أن يدفع أمة جياع ومشردين لكي يبحث زعيم قمتها كيف تمد يد العون الى... روسيا.
|