من أوراق الأيام

News image

سؤال الحرية كراهن تاريخي دائم

News image

شيئ عن أوهام الديمقراطية وسواها

News image

في مفهوم العولمة: التاريخ والمعنى

News image

قانون الولاء و"أسرلة" الأرض و"يهودية الدولة"

News image

ظواهر الهزيمة على المسرح وكواليسه

News image

اليقظة المتأخرة: هل يقرأ العرب؟

News image

الصحراء الغربية في الوثائق والمعاهدات الدولية

News image

فلسطيننا وخزعبلاتهم: كلام في يهودية إسرائيل

News image

الأصوليات.. وفتن التآويل الأخيرة!

News image

متى نتقدم؟ متى يكون الاقتصاد وطنيا؟

News image

رُويبضة العصر، ومبدأ حرية التعبير..!

News image

الدولة القومية والشركات العابرة للوطنية

News image

عندما تتحوّل الحياة العصرية إلى استعمارٍ للذات

News image

يهودية الدولة ومهمة طرد "الغزاة الفلسطينيين"!

مدونات عربية

صناعة المستقبل في زمن العولـمة PDF طباعة إرسال إلى صديق
الاثنين, 23 أغسطس 2010 23:48

 

الانفتاح مصيبة والتقوقع أيضا

 

" إن المثقفين الحقيقيين يقومون بوظائفهم الطبيعية عندما تحثهم العاطفة الميتافيزيقية ومبادئ العدالة والحقيقة النزيهة لكي يشجبوا الفساد ويدافعوا عن الضعفاء ويتحدوا السلطات الجائرة أو غير الشرعية".  ادوارد سعيد


نورالدين بوصباع: هي تحولات عميقة و قناعات جذرية بدأت تتبلور وتؤسس لنفسها مكانة مركزية في وعينا الجمعي، قناعات محكومة بشروط تاريخية ومعرفية ساهمت في ترسيـخها ثقافة كوكبية غزت العالم برمته وأصبحت تحدد هويته الجديدة، وإن شئنا القول ماهيته الجديدة بشكل بدا فيه أن انخراط جميع الأمم بكل أجناسها وثقافاتها في تمثل قيم العولمة والاستفادة من إنجازاتها أمر مسلم به، لا يجحد به إلا مكابر، تعشش في رأسه ثقافة/ايديولوجيا محدودة الأفق، تجير الوهم وترفع ديماغوجيا المؤامرة عند كل منعطف تاريخي تخفق فيه من الخروج من دائرة التبعية والتخلف لإثبات وجودها وللدفاع عن حضورها كقوى فاعلة ومؤثرة على الساحة الدولية.
إن الانشداد إلى الثقافة/الايديولوجيا و التحصن بقلعتها المنيعة حيطة وتوجسا من غدر الأعداء الذين يتربصون بالأمة ليمسخوا ويطمسوا وجودها الرمزي والمادي لا يمكن أن تؤدي سوى إلى التقوقع على الذات عوض الانفتاح و التفاعل الايجابي، وتعميق عقدة الخوف من الأخر الذي يشاركنا الحياة على هذا الكوكب، وبالتالي الانزواء إلى تمجيد الذات المهزومة والنفخ في الرماد.
لقد بات من الضروري إعادة قراءة واقعنا الميئوس منه والـمشدود إلى خـطاب لاهوت سياسي و ارتكاسي عقيم لا يتحرى قراءة عصرية تستمد مناهجها من أحدث ما توصلت إليه فتوحات العلوم الاجتماعية من فلسفة سياسية و انتروبولوجيا سياسية وعلم اجتماع سياسي، وفسح المجال لحرية التعبير أو بعبارة أخرى إعمال العقل النقدي بشكل يسمح بفضح الواقع وكشف سوآته، خاصة إن كان واقعا مركبا تراكمت هزائمه التاريخية، وتصارعت من أجل تنميطه خطابات متنافرة ومتصارعة.
إن السؤال عن ماهية الثقافة/الايديولوجيا في زمن العولمة ودورها المطلوب، وأيضا حدود المثقف حارس القيم والمناضل المستميت من أجل الكرامة والحرية ومدى مساهمته في ترسيخ ثقافة عقلانية نقدية تفكك الواقع و تعيد تركيبه بشكل يتماشى واللحظة التي نمر منها. لحظة الانحطاط الحضاري وانسداد الأفق التاريخي لتمثل المنطق السليم لتأسيس وترسيخ وعي جديد متفتح يأخذ بعين الاعتبار المعطيات الجيوبوليتيكية الراهنة التي نتموقع داخلها ونتحرك في إطارها حتى يتسنى لنا أثناء تشخيصنا لأزمتنا المستفحلة وضع اليد على مكامن الخلل.
ولا شك أن تشخيص واقع الثقافة/الايديولوجيا من خلال تشكيلاتها الرمزية وأبعادها المعرفية كآلية من آليات الدفاع عن الكينونة لن تكون مفيدة وناجعة ما لم تمتلك رؤية شمولية لتحديد موقع الثقافة/الايديولوجيا في زمن متغير بدت فيه مكاسبها في تراجع فظيع، وانحصر تأثيرها في إحداث التغيير المنشود بالموازاة مع سطوع نـجم الثقافة/التكنولوجيا التي أمست لغة العصر بامتياز، ومستوى رفيعا من مستويات التواصل في إطار ثورة عولـمية تلقي وراء ظهرها كل ثقافة شوفينيية منغلقة، تغذيها أصوليات متحجرة تحارب كل تجديد. وكان من نتائج هذه الثورة أو هذا الانقلاب المعرفي أن تقلص دور الثقافة/الايديولوجيا ذات البعد التحرري، وبالتالي انحسار دور المثقف الفاعل والمؤثر في إنتاج الرموز. إذ بدا كما لو أن المثقف صار يعيش وضعية حرجة بعد فشله في تحقيق التغيير وإخفاقه الذريع في يوتوبياه وخيبته في التأثير في الشأن العمومي، وضعية زادت من إحساسه بالغبن وهو يرى التقني يسحب البساط من تحت رجليه، ويحتل ويستولي على المواقع التي طالما تعطش إلى الوصول إليها ألا وهي السلطة طبعا، هذا دون أن ننسى أن علاقة المثقف بالسلطة في فضاءنا العربي و الإسلامي مع استثناءات قليلة لم تخرج عن دوران المثقف في فلك السلطة والارتماء في أحضانها، وهي علاقة محكوكة بتبادل المصالح، فهو لا يألو جهدا في العمل بوقا لتبرير شرعية السلطة و استمراريتها، والسلطة بدورها لا تتوانى في كم فمه بتفويت الامتيازات السخية له وتقريبه من أهل الحظوة.
و نظرا لكل هذا وانطلاقا من الانشغالات التي تثقل كاهل الأمة بسبب تعثر الـمشروع التنويري و الحداثي، كيف يتسنى لنا مواجهة وصد رياح العولمة العاتية ونحن لا نزال إلى حد الآن نتخبط في متاهات ثقافة ملتبسة، تطل علينا كل مرة بوجه جديد. فمن ثقافة سلفية متشددة ومحافظة تنظر إلى المستقبل انطلاقا من الماضي، وتنأى بنفسها عن التفاعل مع منجزات الحضارة المادية وبالأخص الفكرية باعتبارها بدعة ما أتى بها لا الله و لا رسوله، ثقافة تقدس الماضي وتعمل جاهدة على إحيائه رافعة شعارات من قبل" لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها" و" الإسلام هو الحل" وضرورة تطبيق الشريعة. شعارات تحتاج حقا لتفسير ومناقشة بعيدا عن كل ديماغوجية مغرضة تدعي أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وأن قناعاتها مسلمات لا يأتيها الباطل، وهكذا حين تؤسس هذه الثقافة/الايديولوجيا لنفسها طريقا لا مجال فيه للخطأ أو الاعتراف به، فإنها في الوقت نفسه تضخم من أنانيتها التي لا تقبل فيها الرأي الأخر، هذا الأخر الذي يناكفها ويتصارع ضدها من أجل السلطة، فتراها ترميه تارة بالفئة الضالة وتارة بالفئة الباغية بناء على معايير حددتها من قبل شريعة الولاء و البراء مثل دار السلم/ دار الحرب، حزب الله/ حزب الشيطان، كفر/إيمان، ثنائيات لا تزيد إلا في تأجيج الصراع واستنزاف القوة وتعطيل الطاقات. وإلى جانب الثقافة السلفية هناك الثقافة الصوفية المبنية على اغتيال العقل وتعطيل الحواس وإشاعة فكرة التخلص من مفاسد الدنيا ومفاتنها الزائلة، وذلك بهجرها و الزهد فيها. هذا بالإضافة إلى ترسيخ وساطة لا فكاك منها بين الشيخ ومريديه. علاقة محكومة بالطاعة العمياء والإيمان المسبق وتحريم السؤال استنادا لقوله تعالى" قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا" هذا ذون أن نغفل دور الفكر أو الخطاب الصوفي ومن خلاله بعض الزوايا في مناصرة الاستعمار والتشجيع على الدروشة والسلبية والتأصيل للخرافة، وبالتالي تسويغ الأوضاع القائمة، وأخيرا هناك ثقافة يسارية مغتربة تفتقد أرضية تقف عليها، فشلت فشلا ذريعا في نيل ثقة الناس وخاصة أنها لم تدرس الواقع دراسة علمية عندما حاولت أن تفرض أدبياتها عنوة كالمادية التاريخية و الديالكتيك والحتمية التاريخية و ديكتاتورية البروليتاريا، والأدهى من هذا عندما حاولت الحط من قيمة الدين في مجتمع أناسه متدينون.
إذا وانطلاقا من تصارع هذه الثقافات/ الايديولوجيات يتحتم علينا التفكير في صيغة تجعل من البحث عن ماهية الثقافة عنصرا مركزيا تصب فيه كل هذه الأنساق الثقافية، وذلك بتكريس ثقافة مواطنة تدعو إلى الحرية والمساواة والتسامح، وليس ثقافة وثوقية لا مجال فيها لحرية التعبير أو النقد، تستهلك ما يعرض عليها دون أي تمحيص أو تفكيك لجوهر المعرفة التي تتبناها ودون الدخول في حوار جاد مع الواقع ومحاولة اكتشاف مواطن الضعف والهزال فيه.
وأما فيما يخص مساهمة المثقف في إشاعة ثقافة مواطنة، فتتمثل أولا في مجابهة الوهم الذي تنسجه المؤسسة الرسمية من خلال نمط الثقافة الانبطاحية التي تشيعها داخل نسيج المجتمع من أجل احتوائه وإخضاعه، وثانيا بطرح البديل الكفيل بالاستجابة لتطلعات الناس واختياراتهم في العيش الكريم وتمكينهم من معرفة مصائر أنفسهم بأنفسهم، ولكن إذا كان المثقف أكثر الناس طليعية فهو ذاته قد يقع ضحية الوهم، وما لم ينتبه وهو ينخرط في تأطير المجتمع و تنوير طريقه فستنطلي عليه الحيلة و ستجده يناصر أطروحات السلطة و هي في جوهرها تكتيكات لتأجيل غضب الناس مثل دعايتها للمجتمع المدني والانتقال الديمقراطي و التنمية البشرية، ولذا يجب عليه أن يكون ذا رؤية ثاقبة وجريئا في تعليقاته عليها، فالمجتمع المدني ما طموحاته! والانتقال الديمقراطي ما حدوده! والتنمية البشرية ما موقعها!
وهكذا يبدو أن الانخراط في صناعة المستقبل في زمن العولمة لن يكون ذا مصداقية ما لم نمتلك ثقافة مواطنة تتجاوز النظرة الضيقة والمتحجرة الكامنة في رؤوسنا، وما لم نتحرر من أسر الخوف من الأخر، و ما لم نفصل بشكل صريح بين المدنس والمقدس فلكل حيزه الذي يشغله..

نورالدين بوصباع- كاتب مغربي
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

 

 

المزيد من قضايا

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب