|
الثلاثاء, 24 أغسطس 2010 00:33 |
أقبية من العنجهية
د. إدريس جنداري **- تقوم العلاقات المغربية-الإسبانية؛ منذ قرون على أساس من العقد التاريخية المركبة؛ التي ليس من الأمر السهل حلها، بحيث يبقى كل طرف مطالب ببذل مجهودات مضاعفة؛ للخروج من هذا المأزق التاريخي .
فطوال ثمانية قرون تعامل المغاربة مع الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط؛ باعتبارها دار كفر ودار حرب؛ في مقابل المغرب؛ الذي كان يشكل دار السلام ودار الإسلام، وبعد سقوط آخر المعاقل العربية-الإسلامية في الأندلس سنة 1492؛ كان رد الفعل الإسباني عنيفا وهمجيا إلى أبعد الحدود؛ إلى درجة اقتراف جرائم حرب ضد الإنسانية -بالمفهوم الحقوقي الحديث- فالوثائق التاريخية تنقل لنا فظاعات تقشعر لها الأبدان؛ حيث أقدم الإسبان على التنكيل بالمسلمين؛ بجميع أعراقهم – ومنهم المغاربة- فمارسوا عليهم إبادات جماعية؛ و قتلوا الأطفال واغتصبوا النساء؛ وخيروا الباقين بين اعتناق المسيحية أو القتل.
إنه ماض أليم حقيقة؛ ليس من السهل تجاوزه بجرة قلم؛ لكن علاقة الجوار –على الأقل جغرافيا- تفرض على الطرفين معا بذل مجهودات مضاعفة؛ بهدف تغليب الحاضر على الماضي؛ و تغليب كفة المصالح المشتركة؛ على نزعات العداء والحرب .
إن هذه النبرة الدبلوماسية هي التي تحكمت في سلوك المغرب؛ دولة ونخبا فكرية وفئات شعبية؛ طوال المرحلة المعاصرة. لكن للأسف الشديد يبدو أن الجار الإسباني؛ غير مستعد للذهاب في هذا الاتجاه؛ لأنه ببساطة ينتمي إلى الجانب الشمالي للمتوسط؛ في مقابل المغرب الذي ينتمي إلى جانبه الجنوبي، ولذلك فإن الإسبان يرون غياب التكافؤ بين الطرفين؛ الشيء الذي يجعل شروط إمكان الحوار البيني بين الطرفين غائبة –في نظر الإسبان - !
السياسة الخارجية للمغرب؛ بعد الاستقلال وإلى الآن؛ تقوم على أساس الحلول السلمية للمشاكل العالقة بين الأطراف الدولية؛ وخصوصا دول الجوار، ومن هذا المنظور فقد تعامل المغرب مع الجار الشمالي بروح دبلوماسية منفتحة؛ أساسها الحوار والتواصل لحل المشاكل العالقة بين الطرفين. وهذا يبدو واضحا بخصوص مجموعة من الملفات؛ التي ما زالت عالقة من زمن الاستعمار؛ سواء تعلق الأمر بمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين؛ أو تعلق الأمر بمجموعة من الجزر المغربية؛ التي ما زالت خاضعة للاستعمار الإسباني.
لكن في مقابل هذه السياسة المنفتحة للمغرب؛ القائمة على أساس الحوار البناء؛ فإن الإسبان يلتزمون سياسة خارجية تجاه المغرب؛ قائمة على العدوانية والحرب؛ وذلك لأنهم يتعاملون مع الانفتاح المغربي؛ باعتباره ضعفا وخذلانا؛ يستغله السياسيون كأوراق انتخابية رابحة؛ عند كل مواجهة انتخابية؛ بين اليمين واليسار .
فالحزب الشعبي اليميني؛ لا يتوانى في توجيه تهديدات مباشرة للمغرب؛ كلما نشب خلاف بين الطرفين، فعند انتهاء اتفاقية الصيد البحري سنة 1999؛ ومطالبة المغرب بحقوقه المشروعة في مياهه؛ وجه رئيس الوزراء اليميني (خوسي ماريا أثنار) تهديدا مباشرا للمغرب؛ إذا لم يوقع الاتفاق – وبالشروط الإسبانية طبعا- وعندما سعى المغرب إلى ممارسة سيادته على جزيرة ليلى؛ لم يتوان نفس اليميني في تطبيق تهديداته والإقدام على إنزال عسكري على تراب الجزيرة؛ واعتقال دركيين مغاربة، وهذا فقط غيض من فيض التجاوزات الإسبانية في حق المغرب .
لكن ما يجب على إسبانيا أن تدركه جيدا –وخصوصا يمينها المتطرف- هو أن المغرب دولة ذات سيادة كاملة؛ ناضل من أجلها الأجداد؛ وبذلوا الغالي والنفيس من أجل تكريسها؛ وإذا كانت السياسة الخارجية للمغرب ترجح خيار السلم على خيار الحرب؛ فهذا لا يعني أن جيل المغاربة الجديد مختلف عن الجيل القديم؛ الذي لقن الإسبان دروسا لن تنسى من ذاكرتهم؛ وليتذكروا فقط معركة أنوال العظيمة؛ وما جسده المغاربة من بطولات؛ أجهضت المشروع الاستعماري في المهد، فروح البطل الكبير ( محمد بن عبد الكريم الخطابي) تسري في عروق كل مغربي؛ من شمال المغرب إلى جنوبه. وهذه الروح مستعدة لأن تنتفض في أي حين ضد الإهانة الاستعمارية لبلدنا.
والمغرب حتى مع خيار الحرب؛ يمتلك أوراقا رابحة كثيرة؛ لا تقل أهمية عما تمتلكه إسبانيا؛ فنحن ننتمي إلى أمة تنتفض بمغربها ومشرقها ضد الاحتلال الأجنبي؛ وهي الآن تجهض أعتى المشاريع الاستعمارية في منطقة الشرق الأوسط؛ والتي يقودها تحالف عالمي؛ يتشكل من أوروبا وأميركا وإسرائيل. فمخطط الشرق الأوسط الكبير يعلن كل يوم عن إفلاسه؛ والقوى الاستعمارية؛ التي خططت له وقادته؛ تعلن بالتتالي عن فشلها؛ وآخرها الولايات المتحدة؛ التي تنسحب من العراق صاغرة؛ على وقع ضربات المقاومة؛ وإسرائيل التي تعاني تهديدا وجوديا حقيقيا؛ في ظل تنامي الخيار المقاوم.
إننا هنا لا ندعو إلى استبدال خيار السلم بخيار الحرب في علاقتنا بمحيطنا الدولي؛ لأن الحرب هي آخر ما يلجأ إليه؛ بعد إفلاس جميع الخيارات الأخرى، لكن هذا لا يعني أننا يجب أن نستمر في سياسة الاستسلام؛ في علاقتنا بدولة عدوانية؛ لا تتوانى في إهانتنا في كل حين؛ و بجميع الأشكال.
يجب أن نلقن شعبنا دروسا في الكرامة والإباء؛ و يجب أن نهيئه لمواجهة جميع الخيارات؛ في سبيل كرامة واستقلال الوطن؛ وهذه وظيفة الإعلام كما هي وظيفة التربية؛ كما هي وظيفة الفن والفكر ... يجب أن نقول لشعبنا بجميع هذه الأصوات؛ بأنه ما يزال لحد الآن لم يكمل استقلاله؛ ولحد الآن ما يزال المستعمر الإسباني يستولي على قسم مهم من تراب وطنه، ومن العار حقا أن أجيالنا الصاعدة لا تعرف شيئا عن أجزاء وطنها المستعمرة؛ إلا بشكل مناسباتي عابر؛ لا يمكنه أن يعمق الوعي لديها بالحالة الحقيقية لوطنها.
فنحن جميعا نشعر بالخجل؛ كلما رفعت الأجيال الصاعدة أصواتها؛ هاتفة بفريق (البارصا) أو (الريال)؛ من شمال المغرب إلى جنوبه؛ كما أحسسنا بالخجل؛ عندما رأينا الأعلام الإسبانية ترفرف في ساحاتنا و شوارعنا؛ عند فوز المنتخب الإسباني بكأس العالم؛ لكن البوليس الإسباني لم يتقبل حمل شبان مغاربة لعلمنا الوطني في سيارتهم حتى! فمارس في حقهم تجاوزات حقوقية خطيرة ؛ عبر الضرب والإهانة؛ في استفزاز بئيس للشعب المغربي .
لكننا أحسسنا بالعار أكثر؛ عندما أقدم ذلك الشاب بتغيير شعار المملكة وإدخال كلمة (البارصا) قسرا؛ مع حذف ركن أساسي من خصوصيتنا المغربية. واللوم في الحقيقة لا يجب أن يتوجه إلى هذا الشاب أو غيره من الذين يعبّرون بعفوية عما نشأوا عليه؛ ولكن كل هذا اللوم يجب أن يتوجه إلى السياسة المتبعة؛ و التي تسعى –ولو بحسن نية- إلى تعويض حب الوطن والوفاء لقيمه ومبادئه؛ بحب مزيف للمستعمر؛ الذي ما زال يجثم على رقابنا؛ ولو مر ذلك عبر لعبة شعبية محبوبة لدى الجميع؛ لكن لنكن حذرين مما تحمله هذه اللعبة من أخطار تهدد الإحساس بالانتماء لدى ناشئتنا.
نحن هنا لسنا ضد قيم التسامح والانفتاح بين الدول و الشعوب؛ لأن العولمة حولت العالم إلى قرية صغيرة؛ عبر تحطيم الحدود الجغرافية الفاصلة بيننا؛ ولكن لنكن حذرين من تحويل هذه القيم الجديدة؛ إلى إيديولوجية بديلة لواجب الانتماء للوطن والتشبع بأبعاد الهوية الوطنية. وهذا يخدم التوجه الاستعماري القائم على أرض الواقع؛ والذي يمر عبر ادعاءات واهية؛ منها أن الاستعمار الإسباني لمدينتينا وجزرنا؛ يفتح أمامنا الباب للانتماء لأوروبا؛ ومنها أن الاستعمار الإسباني لمدينتينا المحتلتين (سبتة ومليلية)؛ يغدق على السكان المغاربة الامتيازات التي لن يوفرها لهم وطنهم الأم!
وكلها ادعاءات يصوغها الاستعمار الإسباني وخدامه من المغاربة؛ وتسوق إعلاميا بهدف تعويض الشرعية التاريخية التي يمتلكها المغرب؛ بشرعية مزورة؛ تقوم على أساس أمر الواقع؛ الذي يرجح كفة المستعمر الإسباني؛ باعتباره دولة شمالية؛ تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي.
ولذلك يجب علينا كمغاربة أن نكون حذرين من هذا التزوير الممارس؛ والمدعوم بقوة اقتصادية وإعلامية كبيرة؛ وهو يستهدف ناشئتنا؛ عبر الإغراء بنموذج الحياة الأوروبي؛ الذي يقدم إعلاميا كبديل لنموذج الحياة المغربي؛ الذي يتحكم فيه دخل فردي ضعيف أو متوسط؛ يتلاءم مع طبيعة الموارد الذي تمتلكها الدولة .
ولعل نظرة فاحصة لواقع شبابنا؛ لتؤكد هذا الواقع المرير؛ فنسبة كبيرة منهم تنظر إلى الضفة الشمالية؛ باعتبارها الجنة الموعودة؛ ولذلك تقدم على مغامرات خطيرة في سبيل الوصول إلى هذا النعيم الوهمي؛ فيصل القليل؛ ويغرق الباقي بين أمواج البحر الأبيض المتوسط .
إن مجموع هذه المعطيات الداخلية؛ تشكل في الحقيقة دعما غير مباشر للاستعمار الإسباني لمدينتينا المحتلتين، ولذلك لا يتوانى المسئولون الإسبان؛ في التعبير عن هذا الواقع بلهجة انتهازية بئيسة؛ وذلك حينما يقارنون بين مستوى العيش في المدينتين المحتلتين؛ ومستوى العيش في باقي المدن المغربية؛ ويخلصون إلى أن مغاربة المدينتين؛ غير مستعدين للارتباط بالمغرب؛ لأن هذا سيحرمهم من الامتيازات؛ التي تمتعهم بها دولة الاحتلال . وهم في ذلك يمارسون تضليلا سياسيا وإعلاميا منحطا؛ يسعون من خلاله إلى التأثير على الصوت النخبوي المغربي سياسيا وفكريا؛ وذلك عبر تذكيره دائما بأن من يدافع عن استقلالهم؛ يفضلون الارتباط بالمستعمر الإسباني؛ الذي يوفر لهم امتيازات اقتصادية و سياسية؛ لن يوفرها لهم المغرب !!!
ولعل هذا هو ما تخرج علينا به بعض (استطلاعات الرأي) المضللة؛ والتي لا تستجيب لأبسط معايير البحث العلمي الرصين؛ والتي تذهب في اتجاه تأكيد ارتباط مغاربة المدينتين المغربيتين المحتلتين (سبتة و مليلية) بالاستعمار الإسباني؛ و تزيد على ذلك –مفسرة- أن هذا الوضع لا يعدو أن يكون تحصيل حاصل؛ لأن سكان المدينتين من المغاربة؛ لم و لن يضحوا أبدا بالامتيازات التي يوفرها لهم الاستعمار الإسباني .
إن مجموع هؤلاء الذين يسعون إلى تأبيد استعمار المدينتين المغربيتين؛ ينسون أو يتناسون عادة؛ أن أي شعب في العالم لا يمكنه أن يستبدل انتماءه الوطني بامتيازات بخسة؛ لا تساوي –بملاييرها- حبة رمل من ثرى الوطن.
وهذا طبعا ينطبق على المغاربة؛ الذين استماتوا عبر التاريخ في الدفاع عن استقلال وطنهم؛ وليست سبتة ومليلية والجزر المحتلة؛ سوى جزء صغير من قضية استعمار شامل؛ تم تسليطه على المغرب منذ عقد الحماية سنة 1912 .
ولعل الذين استطاعوا طرد الاستعمار الإسباني من شمال المغرب وجنوبه صاغرا؛ كما طردوا الاستعمار الفرنسي من بقية الوطن خانعا؛ وواجهوا الاستعمار الدولي لمدينة طنجة ... لعل هؤلاء قادرون اليوم على طرد ما تبقى من شتات الاستعمار صاغرا؛ من مدينتينا ومن جزرنا المحتلة؛ وبمجهود أقل بكثير من المجهود النضالي/الجهادي السابق.
إن ما يجب علينا أن نعيه كشعب بجميع فئاتنا؛ هو أننا لم نكمل استقلال وطننا لحدود الآن؛ وأن سبتة ومليلية والجزر المغربية المستعمرة؛ ليست ملفا مناسباتيا؛ يطرح على الطاولة لمناقشة قضايا أخرى؛ بين المسئولين المغاربة والإسبان؛ لينسى بعد ذلك على وقع عبارات المجاملة؛ التي لا تعبر عن حقيقة ما يجري على الأرض. إنها قضيتنا الوطنية الأولى؛ التي يجب أن نستميت في الدفاع عنها بجميع الوسائل؛ ونحن جميعا نشترك في هذه المسؤولية التاريخية؛ سواء تعلق الأمر بالأحزاب أو بهيئات المجتمع المدني أو بالنخب الفكرية... و أي تراجع في هذا الاتجاه؛ يعتبر خيانة عظمى منا جميعا لقضيتنا الوطنية الأولى .
** كاتب و باحث أكاديمي مغربي
|