|
الأربعاء, 25 أغسطس 2010 00:09 |
استعدادات جديدة؟
سميرة رجب - مع الثاني من أغسطس/آب من كل عام تعود ذكرى اجتياح القوات العراقية للكويت، وقد مضى على ذلك اليوم المشؤوم عشرون عاماً (1990)، فكان خطأً تبعته أخطاء عربية عديدة، وكان موعداً لانطلاق حال الأمة نحو التدهور السريع والمستمر حتى اليوم، وموعداً لانطلاقة المشاريع الاستعمارية الجديدة التي لازالت تسير بخطى متسارعة في مراحلها الاستراتيجية، مما يؤكد ضلوع أصحاب هذه المشاريع في جر المنطقة الى تلك اللحظة التي أزّمت العلاقات العربية العربية لأسوأ درجاتها، وفقد فيها الزعماء العرب أدنى درجات الحكمة وبُعد النظر لمواجهة الكارثة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. وها قد أصبح ذلك اليوم تاريخاً، فماذا عن يومنا هذا!؟.. تعيش المنطقة اليوم حالة حرب وعدم استقرار مع توجس اقتراب لحظات خطر ثان، وشعور تام بالعجز وبعدم القدرة على اتخاذ قرار عربي، أو خليجي، موحد في مواجهة الأعداء وفي التعامل مع الحلفاء.. حيث التشابه شديد بين اليوم والأمس، بين أحداث الخليج اليوم وأحداث تلك الأيام التي سبقت ذلك الاجتياح، وما تبعه من مآس.. هذا هو بالضبط ما يمكن توجسه، بل ملامسته، في التقرير الذي أعدته الباحثة الأميركية مارينا أوتاوي، بعنوان "إيران والولايات المتحدة ودول الخليج/ السياسة الإقليمية المُحيّرة" (مركز كارنيغي الشرق الأوسط/ أوراق كارنيغي العدد 105، أكتوبر 2009).. وهو تقرير جدير بالاهتمام والتحليل والفحص والتدقيق، على المستوى الرسمي والشعبي، لما فيه من إسقاطات على قضايا سابقة ولاحقة تخص أهم وأكثر قضايا المنطقة حساسية وتوتراً، وأكثرها خطورة منذ ما بعد ذلك الاجتياح المشؤوم حتى يومنا هذا.. التقرير يتحدث عن تهديد البرنامج النووي الإيراني لأمن المنطقة، وفي مقدمتها إسرائيل، وأسلوب تعامل دول المنطقة مع هذا التهديد وسياساتها تجاه إيران.. والهدف الرئيسي للتقرير هو الترويج للرؤية الأميركية في حماية أمن الخليج، والتي حددتها الباحثة بأنها مرتكزة على نهج دبلوماسي وأمني "ينطوي على استراتيجية إقليمية" تعمل على إعادة دمج إيران في شبكة طبيعية من العلاقات الدولية من جهة، وتعمل على تشكيل تحالف (أمني عسكري) مناهض لإيران تدعمه أميركا وتضم دول مجلس التعاون الخليجي +2 (مصر والأردن) وإسرائيل وتركيا لوضع ترتيبات أمنية إقليمية تزيل كل أشكال التهديد في المنطقة من جهة ثانية، مع التركيز على أهمية وضرورة انضمام إسرائيل الى هذا التحالف، والذي تدعي الولايات المتحدة بأن هناك مشكلة في ترويضها في طريقة التعاطي مع طهران، فتقول الباحثة إنه "من شأن وجود إسرائيل خارج اتفاق أمني إقليمي أن يقود إلى تقويضه لأنها حينذاك ستنتهج سياساتها الخاصة تجاه إيران"، وهذا بالتأكيد رأي أميركي يحاول جاهداً الضغط باتجاه تطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل، وهذه المرة من خلال التحالف الأمني المزعوم في ظل التهديد الإيراني المتصاعد الذي يزعزع استقرار وأمن منطقتنا الحيوية، كما يدّعي التقرير. إذن كلما زادت حدة التوتر الأمني، والتهديد الإيراني، لدول المنطقة كلما ازدادت الرؤية الأميركية رواجاً، وازداد الضغط الأميركي على قيام هذا التحالف الإقليمي مع إسرائيل قبولاً، هذا التحالف الذي تقول عنه الكاتبة "إن عدم استعداد الدول العربية للتعاون مع إسرائيل، طالما لم تُحل القضية الفلسطينية، يجعل الأمور أكثر صعوبة أيضاً بالنسبة إلى الولايات المتحدة لتطوير منظومة أمنية جديدة للمنطقة"، وإذا استُبعدت إسرائيل من هذا التحالف فإنه "يمكن أن يُقوّض أي جهد جماعي عبر اتخاذ إجراءات أحادية الجانب".. أي يا دول الخليج كي تحصلوا على حماية أميركا لأمنكم لا مفر من المشاركة الإسرائيلية وإلا فإن الولايات المتحدة لا تضمن عواقب ما سيحدث، ولا تضمن الفعل الإسرائيلي ضد إيران وبالتالي لا تضمن رد الفعل الإيراني ضد بلداننا (الضحية).. باختصار شديد يقول التقرير: إيران من أمامكم، وإسرائيل من خلفكم.. فماذا انتم فاعلون؟.. في المقال القادم نتابع استقراء أوراق كارنيغي لاكتشاف خفايا الأحداث الجارية في المنطقة..
***
في تقريرها "إيران والولايات المتحدة ودول الخليج/ السياسة الإقليمية الـمُحيّرة" (أوراق كارنيغي العدد 105، أكتوبر2009) تضع الباحثة الأميركية مارينا أوتاوي المنطقة (وإسرائيل) أمام تحدي البرنامج النووي الإيراني وما يشكله من تهديد أمني، وتعرض الرؤية الأميركية لمواجهته والتي تشدد على ضرورة تحالف دول الخليج مع إسرائيل لتتمكن الولايات المتحدة من تطوير منظومة أمنية جديدة وفاعلة لحماية أمن واستقرار المنطقة. لربما هو التقرير الأول الذي يعلن بوضوح شديد عن الضغوط الغربية للتطبيع المباشر مع إسرائيل، ويكشف عن الإلحاح الأميركي في ظل تردد وخوف عربي من هذه المجازفة التي ستهدد مستقبل النظام العربي الرسمي أمام شعوبه من جهة، والتي يمكن أن تكون سبباً لدخول المنطقة في حرب جديدة ضد إيران من جهة أخرى. تضمّن التقرير التلويح بالقوة الإيرانية "باعتبارها قوة إقليمية واضحة" لا تقابلها قوة في الضفة الأخرى من الخليج.. أولاً: قوتها الطبيعية، المتمثلة في حجمها (المساحة والسكان)، وموقعها الممتد على طول الشاطئ الشرقي من الخليج.. ثانياً: قوتها السياسية، كدولة "حقيقية ذات نظام راسخ ومرن في منطقة معظم بلدانها صغيرة جداً كالكويت، وغير مستقرة كالعراق، وذات طابع مؤسسي ضعيف كالمملكة العربية السعودية"، وكنظام ديمقراطي (الانتخابات) وشعب متجانس مذهبياً.. ثالثاً: قوتها العلمية: في البرنامج النووي الطموح والقادر على انتاج الوقود النووي، وامتلاك المعرفة التكنولوجية الذي "يمكن أن يمتد إلى تطوير أسلحة نووية"، مع ذكر الاحتمالات التي تخدم استراتيجية الترهيب هذه بالإشارة إلى أنه "ربما تنوي إيران أو لا تنوي إنتاج مثل هذه الأسلحة في المدى القصير، لكن لديها القدرة على القيام بذلك".. ورابعاً: قوة إيران في امتدادها السياسي خارج حدودها، فيذكر أنها "طورت علاقات وثيقة مع سوريا، وتسيطر على حزب الله في لبنان، وتؤيد بقوة حركة حماس في فلسطين" (مع عدم ذكر قوة إيران في العراق). من خلال هذا التلويح بالقوة الإيرانية، التي لا يمكن التأكد عن مدى صحتها من أي مصدر محايد آخر (وخصوصا بعد اكتشاف الأكاذيب الإنجلوأميركية حول أسلحة الدمار الشامل العراقية)، يبدو واضحاً أن هناك دوراً أميركياً فاعلاً في استثمار هذه المعلومات لاحداث حالة خوف من المجهول لدى الأنظمة العربية عموماً، والخليجية خصوصاً، في نوايا إيران، التي من جانبها لا تبذل أي جهد في تبديد هذه المخاوف. لا، بل إيران أيضاً تضغط بالاتجاه ذاته، سواء بالتلويح ببرنامجها النووي، أو بتهديد دول المنطقة حول رد فعلها على أي عمل عسكري ضدها.. ويبدو أن الطرفين (الأميركي والإيراني) يمارسان أدوارا متوازية ومتزامنة لإنضاج الأحداث نحو أحد المصيرين، إما التحالف مع إسرائيل لتجنب أية عملية عسكرية ضد إيران، أو الدخول في مجازفة العملية العسكرية التي ستكون بلداننا ساحتها وضحيتها المباشرة.. وأحلاهما مر. هذا ما نشرته صحيفة النهار اللبنانية يوم الاثنين 26 يوليو 2010 في خبر وتحليل بقلم حسن فحص (مراسل صحيفة الحياة السابق في طهران) تحت عنوان "البحرين وإسرائيل أول الأهداف الإيرانية عند وقوع الحرب"، مؤكداً أنه "للمرة الاولى منذ تصاعد حدة التهديدات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل على خلفية الملف النووي ونفوذ الأذرع الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط ودورها في العديد من دوله، يجري الحديث وبشكل علني داخل المؤسسة العسكرية الايرانية، وبالتحديد بين قيادات الحرس الثوري، عن أهداف محددة في منطقة الخليج، قد تشكل أول هدف ايراني رداً على أي هجوم أميركي أو إسرائيلي على منشآت طهران النووية" وفي ظل تزايد التهديدات الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وتراجع "التعاطي الدبلوماسي مع الأزمة الإيرانية"، بحسب ما جاء في الخبر ، فإن القيادة العسكرية الإيرانية أعلنت أهداف الشعب الإيراني في الدفاع عن نفسه وحذرت الولايات المتحدة من أن "مياه الخليج وبحر عمان والمحيط الهندي ستتحول الى مقبرة لقطع الأسطول الخامس الأميركي الذي يتخذ من البحرين مقراً له".. ووصف المصدر الأداء الإسرائيلي ضد إيران بـ"الانتحار العسكري". باختصار، لقد وصلت مراحل الضغط على دولنا إلى درجة التهديد المباشر، وتم وضع البحرين في مرمى الهدف الإيراني في مواجهة أي تحرك عسكري إسرائيلي أو أميركي ضد إيران، بينما تتزايد التصريحات الأميركية والإسرائيلية بتأهب قطاعاتها للهجوم على المفاعلات النووية الإيرانية. وكما تم جر العراق إلى الكويت في أغسطس 1990، يتم اليوم دفع إيران لضرب البحرين، وشتان ما بين أهداف ونوايا وتحالفات الدولتين.. فإلى أين تسير المنطقة هذه المرة؟؟!!.. ترقبوا المقال القادم.
***
إذاً المنطقة اليوم تعيش ما بين سندان التهديد الإيراني ومطرقة الضغط الأميركي في حالة شبيهة بتلك الحالة العراقية الخليجية عشية اجتياح الكويت.. حينها، أيضا، كانت الأحداث تتسارع نحو التصعيد بين العراق والعرب عموماً، والخليج خصوصاً، فكانت لحظة الاجتياح اشارة انطلاق الاستراتيجية الأميركية للقرن الجديد.. والتصعيد اليوم يتجه نحو ضربة إيرانية (لإحدى دول الخليج)، لتبدأ الانطلاقة الجديدة نحو التحالف الأمني الإقليمي الخليجي الإسرائيلي، ليُطلَق عنان التطبيع وما يتبعه من خطط مرصودة ومؤجلة، مثل توطين الفلسطينيين في الأردن، وفصل غزة عن الضفة، وإسقاط حقوق العودة.. إلخ. ولكن ما هو دور الجارة المسلمة في كل هذا؟؟! عند لحظة اجتياح الكويت انتهى دور العراق القومي، وما لحق بالبلدين من دمار وخراب كان درساً لن تنساه دول المنطقة.. في تلك اللحظات، من أغسطس 1990، حققت الإدارة الأميركية أهم أهدافها المتزامنة مع انتهاء الحرب الباردة، لتحصل بعدها على "الكارت بلانش" لاكتساح المنطقة ونقل قواعدها وأساطيلها البحرية والبرية والجوية إلى بلداننا التي لا حول لها ولا قوة.. وفي مارس-إبريل 2003 قُطع شريان العراق وتم احتلاله، وهكذا نفذت الإدارة الأميركية أهم وأخطر مراحل عودة الاستعمار الجديد للسيطرة على مواقع النفوذ والثروة في العالم. وما بين 1990 و2003 كانت الإدارة الأميركية تُعد للمراحل اللاحقة، فكانت جهودها السياسية والإعلامية واضحة في تأسيس المرتكزات الطائفية في المنطقة، وفي تعزيز دور الشيعة كطائفة مضطهدة في بلدانهم، استكمالاً للدور الإيراني في تصدير الثورة الخمينية القائم على الشحذ الطائفي المتشدد وتشطير الإسلام وإلغاء الهوية العربية في علاقاتها مع الشيعة في المنطقة.. واستثمرت كل هذه الجهود في التعاون الأميركي الإيراني (الأمني والسياسي والمذهبي) أثناء غزو واحتلال العراق، الذي تُوّج بإهداء هذا البلد العربي لإيران وخلق التهديد الأمني المباشر (قبل الخلاف حول البرنامج النووي) ضد دول المنطقة. وسواء من محطة الدور الإيراني في احتلال العراق، أو غيرها من محطات عبر التاريخ، فإن العلاقات الإيرانية الأنجلوأميركية حول منطقتنا تنطلق من مبدأ "عدو عدوي صديقي"، ومن فلسفة تقاطع المصالح، ونجحت هذه المنطلقات الإيرانية عبر التاريخ في تعزيز دور إيران من خلال زيادة نفوذها الإقليمي بالمنطقة من جهة، وتوسيع دائرة قوتها الطبيعية والاقتصادية عبر ممارسات القضم الجيوبولوتيكي لأراضينا وضمها إلى الدولة الإيرانية من دون رجعة من جهة أخرى، ويطول الحديث في هذا الأمر.. وإذا أخذنا مسحا تاريخيا للعلاقات الإيرانية الإسرائيلية خلال العقود الثلاثة الماضية، مروراً بالتعاون المنهجي بين الدولتين في هدم كيان الدولة العراقية الذي أدى إلى الإخلال العسير في توازن القوى الإقليمية لصالح إيران، فإنه يبدو واضحا للعيان، قبل العقول، كم هناك تسطيح لعقولنا في موضوع الخلاف الأميركي الإيراني والإسرائيلي الإيراني، حتى باتت الثقة مفقودة بين قادة الخليج والإدارة الأميركية. وللباحثة الأميركية مارينا أوتاوي رأي في هذا الشأن أوجزته في "إن تطبيع العلاقات بين دول الخليج وإيران هو هدف أكثر محدودية لكنه أقرب منالاً، وهذا هو ما تسعى إليه بلدان مجلس التعاون الخليجي بشكل فردي. بيد أن هذا مشروع صعب المنال بالنسبة إليها جميعاً؛ فهي تخشى إيران ولا تثق بها، لكنها تخشى أيضاً السياسات الأميركية في المنطقة ولا تثق بالولايات المتحدة" ("إيران والولايات المتحدة ودول الخليج/السياسة الإقليمية المحيرة"، أوراق كارنيغي/ العدد 105، أكتوبر 2009)، وهو رأي يعكس مدى ضبابية وخطورة الوضع السياسي الإقليمي، وصعوبة التكهن بنتائج السياسات الخليجية الجديدة حول التعاون (الثنائي) مع إيران.. ولكن الترجيح الأكثر احتمالاً هو ان الوقت (الأميركي) قد أزف لتوجيه ضربة عسكرية (إسرائيلية) ضد إيران لتبرير ردة فعلها ضد بلداننا، والتي ستحرك المياه الراكدة لدخول إسرائيل إلى المنطقة من بوابة التحالفات الأمنية الإقليمية. وفي جزئية أخيرة ومهمة جداً، وبناء على كل هذه المعلومات التي تفسر الأهداف والاستراتيجيات الدولية والإقليمية في زيادة حدة التوتر الأمني بالمنطقة، من الجدير الانتباه إلى أن أحداث البحرين الداخلية، على المستوى الطائفي والأمني، قد تشكل إحدى حلقات الخطر التي ستكون نقطة ضعف ووهن في حال قيام أي عمل عسكري، ووسيلة من وسائل الضغط السلبي على الإرادة الوطنية في المراحل القادمة.
سميرة رجب، كاتبة وصحافية وبرلمانية بحرينية.
|