من أوراق الأيام

News image

هل يمكن للهوية أن تضيع، وماذا أفعل إذا ضيّعت هويّتي؟

News image

الثقافة في المغرب: أي خصائص، ومقومات، وأصول؟

News image

أُسس التحدي: الفلسفة العربية الحديثة والزمن

News image

السوسيولوجيا من منظور فلسفي

News image

المهجة والمعرفة والواقع

News image

الذات بين التفكك والتحقق

News image

شعر الجهاد والمقاومة ضد الغزاة في المغرب

News image

ابن خلدون وتقنية الحدس المعرفي في كتابة التاريخ

News image

المثقف العربي: صراع الذات والهوية

News image

هل كان المعري براهمياً؟

News image

دلالات المتخيل الاجتماعي عند كاستورياديس

News image

أوراق في العلم والفلسفة والفن

News image

الغرب والفلسفة العربية الإسلامية

News image

كيف صنع القاضي المنصوري جسرا بين التقليد والحداثة؟

News image

الاجتهاد ليس تنويرا، أما التنوير فاجتهاد موسّع

الرهان على الغرب خاسر وغير محمود العواقب PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأحد, 18 سبتمبر 2011 20:38
د.عثمان الزياني - إن "حالة الستاتيكو" التي ميزت النسق السياسي العربي وأفقدته كل مقومات الحراك والدينامية وعوز التفاعلية على مستوى التحديات الداخلية بفعل تضخم المتطلبات الاجتماعية وبروز حاجيات جديدة فرضتها مقدرات العولمة،  ونشوء رعيل جديد من الشباب استفاد كثيرا من المثاقفة السياسية التي كسبها عبر تكنولوجيا المعلوميات والاتصال، ما كانت تتغير وتتبدل لولا ثورتي تونس ومصر وما أعقبهما من احتجاجات وانتفاضات في العديد من الدول العربية،  بالإضافة إلى ما شكلته من ضغوطات على مجموعة من الأنظمة العربية التي سارعت إلى انجاز إصلاحات استباقية لتفادي سوء المصير.
ولطالما راهنت المجتمعات العربية وسعت إلى التغيير السياسي من خلال توسيع دائرة المشاركة السياسية وإقرار حقوق الإنسان العربي كما هي متعارف عليها دوليا وضمان ممارسة الحريات السياسية كحرية التعبير وضرورة انفتاح النظام على المعارضة السياسية، وتكريس متطلب التداول على السلطة،  وإعادة توزيع الثروة وإرساء مبادئ الإنصاف والعدالة الاجتماعية بما يكفل العيش الكريم لكل مواطن،  وأمام هذا الكم الهائل من المطالب الاجتماعية كثر النقاش والحديث حول مسلكيات تحقيق ذلك بين تيارات نخبوية أو ما يصطلح "عليهم بالليبراليون الجدد" نزعوا بشكل كلي إلى ضرورة الرهان على الضغوطات الأجنبية أو التدخل الخارجي المباشر لإحداث التغيير وتقدم نموذج العراق لتأكيد طروحاتها والدفاع عنها واعتبرت أن المجتمعات العربية بطبعها خنوعة وليست في مستوى التحدي، وما رافق ذلك من تطبيل للمشروع الأميركي تحت مسمى مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يحمل في طياته العديد من الفخاخ السياسية التي تجعل مسالة تحصين المصالح الأميركية في المنطقة فوق أي اعتبار، ونخبة عربية دافعت بشكل كبير على التغيير من الداخل وعلى أن الشعوب هي التي بمقدوريتها أن تصنع التغيير بعيدا عن كل الأجندات الخارجية.
فثورتا تونس ومصروما اعقبها من حراك واحتجاجات وانتفاضات في مجموعة من الدول العربية أسقطت كل الأقنعة عن إمكانية التغيير السياسي من الخارج،  والرهان على أميركا والغرب هو في حد ذاته خاسر وغير محمود النتائج،  فشتان بين تغيير سياسي ولد من رحم الشعب ويتناغم إلى حد كبير مع تطلعاته وطموحاته وتغيير سياسي تتزعمه نخبة تأتي على ظهر الدبابات كما هو الشأن في العراق، فواقع الحال في العراق والمعطيات الميدانية تؤكد أن الوضع أضحى متأزما أكثر من قبل حيث لم يساهم إلا في إذكاء روح الفرقة والصراع واستمرار العمليات المسلحة والانفجارات اليومية التي يذهب ضحيتها المواطنون الأبرياء بالإضافة إلى خلق نخبة سياسية أصبحت تمتهن لعبة الفساد والالتفاف على المطالب الاجتماعية وغير مدركة للعواقب وماضية في تعنتها وتحصين مواقعها التي تمكنها من تحقيق مآربها الشخصية، مما يزيد من حالات عدم الاستقرار والزيادة في صبيب العنف الطائفي اليومي.
ان التغيير من الخارج غالبا ما تؤطره خلفيات مصلحية تصب كلها في اتجاه تكريس قوالب سياسية جاهزة تعمل في سياق حماية وتحصين مصالح أميركا والغرب وتعزيز استقرار حليفتيهما إسرائيل الراعية لهذه المصالح، فالعراق سيظل دائما خاضعا للتحكم عن بعد وخاضعا للاملاءات الخارجية حتى وان كان ذلك على حساب الشعب العراقي، وعلى عكس ذلك نجد أن التغيير من الداخل والذي يكون مصدره الشعب فانه يكون بمنأى عن أي أداء لفاتورة أو ضريبة خارجية ترتهن اتجاهاته وغاياته، فالشعب هو من يملك سلطة القرار ويمكن أن يحدد سقف التعاطي مع هذه القوى الدولية بما قد يحقق نوع من التوازن على خلاف ما كان سائدا في ظل النظامين البائدين اللذان ظلا يقدمان آيات الولاء باستمرار ويشتغلان تحت إمرة أميركا والغرب، فبنعلي كان يلجأ إلى قمع حتى التظاهرات التي تتضامن وتتفاعل مع الفلسطينيين، ودور مبارك الخديم الأرضي لإسرائيل والحريص الأمين عليها(إقفال معبر رفح، تمتيع إسرائيل باثمنة تفضيلية فيما يتعلق بإمدادها بالغاز الطبيعي، الحديث عن إمداد إسرائيل بالاسمنت في بناء الجدار العنصري العازل وهلم جر....) والذي كان يقتات على حساب ذلك، ضاربا بعرض الحائط كل مطالب الشعب المصري في نصرته للقضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية، والرهان طبعا على الثورتين لقلب كل المعادلات وتغيير وجهتها لخدمة القضايا العربية، فالثورتين لا تدينان ياي شيء لأميركا آو الغرب، يكفي أن تتوافر الإرادة في قلب الموازين، وزيادة قوى الممانعة في المنطقة العربية.
وحتى على مستوى كلفة التغيير تبرز الفوارق، وبالنظر إلى التجربة العراقية نجد أن الملايين أصرفت وأنفقت والعديد من الأرواح أزهقت وبالملايين ومازال الأمر ساريا، في حين إن كلفة ثورتي تونس ومصر قليلة بالمقارنة مع الحالة العراقية حتى وان كانت الروح غالية بغض النظر عن منطق الحساب والتعداد وعقد المقارنات.
ولعل ما يمكن كشفه للعيان أن التغيير من الخارج غالبا ما يأخذ منحى أفقي تتقدمه نخب غير منبثقة من الشعب وهي لا تحمل همومه وتطلعاته وفي حالة من العزلة واتساع الهوة بينها وبين المجتمع مما يولد استعصاء تشكل مجال سياسي يحتكم في اشتغاله لقواعد وضوابط الديمقراطية، في حين أن التغيير الذي يتزعمه الشعب يحمل في مكنونه إمكانية النجاح لأنه ينطلق من القاعدة وأنموذج تصاعدي، فالنخب الحاكمة غالبا ما تتشكل وتشتغل بالتوازي مع انشغالات الشعوب وتكون تحت وقع المراقبة الدائمة ولن يكون لها أي وازع للاستقلالية والتنكر لالتزاماتها ومسؤولياتها مما يساهم بشكل كبير في تكريس أسس الديمقراطية السليمة والصحيحة التي تولد ولادة عادية خالية من أية إعاقة.
 
د.عثمان الزياني، أستاذ جامعي، المغرب 

 

 

المزيد من قضايا

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب