|
حسام خضرة - لنتحدث قليلاً بكل صراحة دون أن نلتفت إلى الروايات التي ينسجها معتلو منابر الجمعة، ولعلي أيضاً أجسِّدُ واقعاً يخشى كثيرون خوض غماره، خوفاً من أي ضرر قد يصيبهم؛ لكنه الإسلام، الدين الذي اخرج الأمة من عصر التخلف إلى نور العلم ببساطة تعاليمه ودعوته إلى التحرر من كافة المفاهيم التي قد تضر بمصالح المجتمع، وتبنيه لمفاهيم الحب والعدل ونبذه لمفاهيم الظلم والعنف والتعصب الأعمى.
لنعد بالذاكرة قليلاً إلى حياة المجتمع الفلسطيني في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، علنا ندرك أن المجتمع الفلسطيني في تلك الفترة لم يكن مجتمعاً محافظاً دينياً تبعاً لتلك المرحلة التي كان يعيش فيها نوعاً من الجو الحميم عائلياً والمتلاحم اجتماعياً، والبسيط، في ظل احتلالٍ جعل الحياة متساوية في غالبيتها بين الجميع، فمائدة الإفطار واحدة في كافة البيوت المصطفة إلى جانب بعضها البعض، بشكل يتيح للجار سماع حديث من بالمنزل المجاور له دون أي التفات منه لذلك، جميعهم يعرفون بعضهم حتى أنني أرى بعض كبار السن يذكرون بعضهم بالحياة في تلك الفترة دون أية تكلفات قد يضعونها لكون من يتحدثون إليه ذكراً أو أنثى.
بقيت الحياة هكذا، أناسٌ لا ترى السوء بينهم إلا قليلاً، إلى أن لمع الوميض الأول في حياة الجيل الناشئ بعد الهجرة نهاية الثمانينيات، لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل النضال ضد المحتل ببداية الانتفاضة الأولى عام 1987، لتتبلور معالم جديدة اعتاد عليها السكان هنا فيما بعد، فأنت هنا لا تعاني كثيراً لتكيف الناس على نمط حياة جديد؛ ومع بدء الانتفاضة وظهور التيارات الإسلامية داخل هذه المنطقة اختلفت وجهة المجتمع كلياً، ليتحول من مجتمع عائلي لا يلتفت إلى أي سوءة قد يراها أمامه، إلى مجتمع يجدر به التركيز على كل شاردة وواردة ليرتبط الإسلام هنا باسم "الحركات الإسلامية".
وبدأت مرحلة جديدة من مراحل الصراع المجتمعي فكان أول انقسام للمجتمع على نفسه حين بدأت عمليات قذف ماء النار على النساء غير المحجبات خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، وردعهن واتهامهن بالسوء، وقتل كثير من الأنفس دون وجه حق بالأسلحة البيضاء، فقد تحدثت إلى من عاصروا تلك الفترة في مواضيع عدة كان أشملها قتل العملاء فقالوا لي أن أغلب من قتلوا خلال تلك الفترة كانوا لمجرد خلافات شخصية دون وجه حق؛ أحس الناس في تلك الحقبة أنهم كانوا في ضلال عظيم كما شبهته لهم المنظمات الإسلامية في ذلك الوقت ليصبحوا كآدم بعدما انكشفت عورته أمام حواء حين أكل من شجرة الخلد ليجري مسرعاً يواريها بأي شيء قد يصادفه، وانتهت الانتفاضة ليسرع الناس متلهفين إلى أولئك الذين جلبوا لهم ديناً لو فكروا به قليلاً لأدركوا أنهم سيعودون بهم إلى سنوات ما قبل الإسلام، لكن المنبر كان قادراً على اعتراض كل شيء جميل في حياتهم ليقلب حياتهم رأساً على عقب، وكأنهم نيام لا يدركون ما يحيط بهم فقد ظنوا أن هؤلاء سيقودونهم إلى النصر المبين على الاحتلال الذي سلبهم أرضهم.
استمر التغييب الفكري على مدار أعوام وأعوام لينشأ جيل ألغي عقله، ولا يتحدث سوى بلغة الولاء والبراء، وكأنه قد بايع النبي حين وضع يده في يد صاعد المنبر؛ جميع السكان هنا كانوا فرحين بهم فهؤلاء هم مجددو العصر الذين أخرجوا الناس من قهر الجهل إلى عزة الإسلام؛ وبدأت فكرة "أسلمة القضية الفلسطينية" تطفوا على السطح من خلال اعتراض كل جديد، حتى وإن كان يغير حياة الناس للأفضل وكل ذلك طبعاً بموافقة المجتمع المُغيَّب فعلياً باللباس الأبيض واللحية المغطاة بالشيب.
إلى أن بدأت الانتفاضة الثانية عام 2000م، وبدءوا بتنفيذ المخطط الجديد للمجتمع المغيب بتكوين قاعدة جماهيرية لم يكد يخلوا منها منزل في قطاع غزة، فسوء الحال والفساد الذي أوجده الممسكون بزمام الأمور في الدولة خلق حالة من الصراع المجتمعي بينهم وبين المجتمع لينصب الناس في بوتقة التيارات الإسلامية، علهم يقودوا المجتمع إلى طريق الخلاص، وأكاد أجزم أن سطح منزل في غزة لم يكن يخلوا من راية مؤيدة لتلك التيارات؛ وبعد الهدوء النسبي للانتفاضة بعد سنوات من اندلاعها بدأت مرحلة إعداد العدة للامساك بزمام الأمور في القطاع، فهؤلاء والشعب من خلفهم يسعون إلى الخلاص من ظلم سابقيهم، مستعدون لخوض غمار أية انتخابات بعد تجربة انتخابات البلديات المحلية التي اكتسحها الإسلاميون بجدارة.
وانتهت الاستعدادات للانتخابات التي جرت عام2006 ونتيجتها كانت معروفة لدى الجميع مسبقاً، وذهب الناس للإدلاء بأصواتهم ببراءة الأطفال دون أية معرفة لأحد منهم بما يدور بالمنازل المجاورة لصناديق الاقتراع فلا مظاهر غير اعتيادية في الشوارع ذلك اليوم، رغم أن الأمور لو لم تسر في نصابها الطبيعي لانفتح في غزة حمام من الدماء نظراً لأن الإسلاميين كانوا متأهبين بأسلحتهم في المنازل المجاورة لأماكن الاقتراع؛ ومر اليوم بسلام لتعلن النتيجة المعروفة مسبقاً، وأخيراً يمسك من توسم فيهم الناس خيراً بزمام الأمور بنجاحهم الساحق في الانتخابات.
فرحة عارمة اجتاحت جميع المنازل في غزة فلم ينم المواطنون ليلتها وهم فرحون بالتغيير؛ كم هي جميلة تلك الديمقراطية حين يمارسها الناس وهم يأملون بأن يأتيهم الأفضل، ولم يكن بحسبان أي مواطن كم الصدمات التي سوف يتلقاها بعد ذلك.
الصدمة الأولى؛ خلع الشيخ ثوبه الأبيض وارتدى الملابس الرسمية وخرج على شاشات التلفاز يشتم ويلعن السابقين، فالمال غير موجود في مؤسسات السلطة، الصدمة الثانية؛ اشتباكات بين التنظيمات الإسلامية الممسكة بزمام الحكومة والتنظيمات الوطنية المتمثلة بمؤسسة الرئاسة، والثالثة؛ موكب الشيخ فاق موكب الفاسد كنوع من الحماية.
صدمات وصدمات توالت على المجتمع الفلسطيني تقبلها في بادئ الأمر معللاً ذلك بما كان معتلو المنابر يلقونه في خطبهم بأن سابقيهم قد وضعوا لهم العصي في الدواليب حتى لا يستطيعوا تحقيق الشعار الـذي رفعوه؛ إلى أن جاء اليوم الموعود ليستيقظ الناس في غزة على أصوات زخات من الرصاص وقتلى في الشوارع، فالناس لم يعتادوا على رؤية الملثمين سوى حين يأتي خبر بأن هناك اجتياح لغزة في المساء؛ لكن هذه المرة كان اللثام لتطهير هذا المكان من ثلة مارقة أبعدت المجتمع عن الإسلام وحاولت قمع كل من يتمسك بدينه، لنستيقظ على خبر سيطرة التيارات الإسلامية على هنا.
بقي الشعب صامتاً ينظر بحيرة وكأنه طفل صغير انقلبت لعبته البريئة إلى شبح خرج له في ليلة معتمة فقد على إثرها النطق ولم يقو على الحراك؛ همسات كان الناس يطلقونها خوفاً من المرحلة الجديدة التي بدأت؛ وانقلبت المعادلة لتصبح حذراً من كل شيء حتى من الذي خرج معك من نفس الرحم.
احتار الناس كثيراً في كينونة هؤلاء وما كانوا يدعون إليه قديماً، وكيف حولوا حياتهم إلى ما يريدون ليصلوا إلى ما وصلوا إليه، وارتبط مفهوم الإسلام لدى المجتمع بمن يمثله من تيارات إسلامية قد شوهت صورته الراقية التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليبدأ العهد الجديد.
لا إيمان بأي شيء فقد قضى هؤلاء على كل جميل هنا بدعوى القضاء على الفساد، قسموا المجتمع على نفسه مرةً أخرى فأفقدوا الناس صوابهم بعزلهم عن المبادئ الجميلة التي كانوا يطربونهم بها فيما سبق.
عاد المجتمع كما كان قبل مجيئهم لكن الحب قد فقد، الأخلاق قد زالت، الوازع الإنساني الذي دعا الإسلام إلى التعامل به يكاد أن يعدم، وإن كنت لم تدرك كيف كان المجتمع قبل مجيئهم فارجع قليلاً لترى حقبة ما قبل مجيئهم بالأعلى لترى كمَّ الجمال فيما كان عليه المجتمع.
|