|
د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب - تتهاوى الامبراطورية الاميركية نتيجة هزيمتها في كل من العراق وافغانستان وفشلها الذريع في الاحتواء الاستراتيجي لروسيا بنشر شبكة الصواريخ المحيطة بها وان كانت نجحت اخيرا في نصبها في تركيا، واخيرا وقوعها في هوة الأزمة المالية العالمية الكبرى التي كانت السبب الرئيسي في حدوثها.
فالتفكير الاستراتيجي الاميركي الحالي لكل نوع من الانفتاح سواء اكان انفتاحا مع ايران او مع معتدلين من طالبان هو لتسهيل الانسحاب من العراق وكسب الحرب في افغانستان.
ولا تزال الاستراتيجية الاميركية غير واضحة المعالم حتى الان وهي تترنح بين خيارات عدة في ظل اهتمامها بمعالجة ازمتها المالية.
وترى اميركا إن الوضع المتردي في باكستان التي تملك قنبلة نووية يمكن إن تترك افغانستان لمصيرها مثلما فعلت مع العراق، وستركز على الباكستان التي لا يمكن خسارتها، فالخيارات امام واشنطن اصبحت صعبة للغاية لان اساس الاستراتيجية الاميركية منع قوى اقليمية من السيطرة بمفردها كي لا تتحد الولايات المتحدة لاحقا مستغلة الوضع الاميركي المتهاوي والان تتجه الباكستان الى التحالف مع الصين نتيجة خلافها الاستراتيجي مع اميركا حول نقاط عديدة وهو اتاحة الفرصة للهند عدوها اللدود بالتدخل في افغانستان وهو ما يهدد المصالح الباكستانية.
وتدرك الولايات المتحدة إن وصولها الى افغانستان لابد من المرور اولا بتسوية الوضع في العراق ومن مصلحتها إن تكون مستقرة وموالية لها وان تكون منطقة عازلة ضد التمدد الايراني الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة وتستغل عجزها المالي.
ومع اعلان الرئيس الاميركي باراك اوباما بان نهاية اغسطس 2010 سيكون موعد لانهاء سحب القوات الاميركية من العراق مع ابقاء قوات تدريبية، مما يجعل العراق في انتظار معركة النفوذ لان خروج اميركا من العراق يعني هناك فراغا لابد إن تملئ هذا الفراغ قوة اخرى، هذا اذا كانت القوة العراقية غير قادرة على ملئ هذا الفراغ، خصوصا مع حجم الشك الذي يحمله العراقيون تجاه بعضهم البعض الذي يحول دون وجود حكومة مركزية قوية تشكل العمود الفقري دون تدخل جهات اخرى.
فالخلافات الحالية بين الاكراد ونوري المالكي ومع غيره ايضا من الاحزاب الاخرى تتصاعد، وقد حذر رئيس النواب العراقيين اسامة النجيفي من هذا الفراغ بتصريح يقول فيه (اما إن يملا بالعراقيين اذا استطاعوا إن يحققوا مصالحة وطنية ويبنوا دولة المؤسسات وجيشا محترفا يدين بالولاء للوطن) ويقول ايضا (اذا لم يتوصل العراقيون الى وحدة وطنية مصالحة حقيقية ومعالجة الملفات العالقة في الدستور والمهجرين وكركوك ومسائل التكتل الطائفي والعنصري فاعتقد من سيملا الفراغ سيكون ايران وسيقع فريسة للاطماع والتجاوزات الدولية) والان يقول ان العراق دولة بالوكالة وان كان يرى ان البرلمان اليوم اصبح اكثر قوة وفاعلية مما كان عليه من قبل.
وفي تصريح للرئيس الاميركي اوباما قال فيه (لا يمكننا تخليص العراق من كل الذين يعارضون اميركا او يتعاطفون مع خصومنا) اذا هناك توقعات وخوف من خطر الانقسامات التي ستفتح المجال للاستقواء بالخارج مثلما حدث ويحدث في لبنان.
المشكلة إن الجميع في منطقتنا يعتبرها الفضاء الذي يمكن لاميركا إن تقدم فيه لنفسها صورة جديدة او إن تعيد تاكيد صورتها القديمة، أي تتصرف كقوة عظمى مسؤولة بهذا المنطق، بينما منطقتنا ما زالت متدثرة بالعقل الايديولوجي الذي يعتنق مسلمات لا يستطيع إن يرى العالم الا من خلالها، وهذه العقلية اما إن ترى في اميركا شيطان وهي كلها شر وعلى هذا صيغت في العقدين الماضيين تنظيرات عدة حول حاجة اميركا الى عدو، والبعض الاخر يرى إن المنطقة لايمكن إن تعيش بمناى عن وجود هذا الشيطان الذي لا يمكن إن يكون غير اميركا، فمتى ينظر العرب الى اميركا بعقلية براغماتية غير العقلية الايديولوجيةخصوصا وان المنطقة لا تزال في جيشان الربيع العربي كي لا يتحول الى شتاء عربي؟.
وبقراءة سريعة للوضع في العراق فان السنة لديها قوات محلية تدعمها العديد من الدول السنية من اجل محاربة القاعدة والحد من خطورة فرق الموت الشيعية اسهم هذا بدوره في تخفيف حدة التوتر لدى السنة من تهميش دورهم في ظل الاغلبية الشيعية، وقد طور الاقليم الكردي قوات دفاعه الخاصة.
هذه الصورة تنظر اليها اميركا الى امكانية المصالحة بين الاطراف الثلاثة في البلاد الاكراد والشيعة والسنة، وتتخيل اميركا إن تتم المصالحة بموجب الدستور كما تخيلت القرارات التشريعية التي تطبق التجربة الاميركية، ولكن يمكن إن تتم المصالحة بمقتضى الضرورة والاجراءات العسكرية والتوازن السياسي.
وسبق في عام 2006 إن عقد مؤتمر دولي على مستوى وزراء الخارجية وحضره جميع دول جوار العراق ومن بينهم ايران وسورية ومصر الاعضاء الدائمون في مجلس الامن التابع للامم المتحدة، لكن هناك تساؤل لماذا لا يعاد اقامة هذا المؤتمر مرة اخرى؟ وسبق ايضا إن اقترح نائب الرئيس العراقي برهم صالح في 14/8/2008 الى اقامة شبكة اقليمية تتكون من العراق وايران وتركيا ودول عربية، ومن اهداف الشبكة الاقليمية التنسيق في مجالات الامن وضبط الحدود ومنع التهريب واليوم يمكن اعادة هذه المعادلة ما بين تركيا والسعودية وايران اذا التزمت بحق العرب في عودة العراق الى حاضنته العربية.
فالخشية الان بعد خروج القوات الاميركية الى عودة الفوضى من جديد، وتمنح الفرصة لايران لتقوية مؤيديها في المجتمع الشيعي خلال فترة من الوقت بعد الانسحاب الاميركي بعدما هزمت القاعدة وفرق الموت بل هناك توجسا بعدما تخرج القوات الاميركية من تنفيذ تعهدات قطعها البعض على نفسه مثل تصريح لاحد كبار ضباط استخبارات فيلق القدس لشخص عراقي له موقع مميز بانهم لن يتركوا بعثيا ولا قائدا عسكريا يمشي على رجليه في بغداد.
فمتطلبات المرحلة وجود التماسك والوحدة التي تتطلب لا مركزية المحافظات والتي يمكن إن تاخذ طابعا اداريا خاضعا لاشراف المركز، وليس إن يرى مجلس المحافظة في كيانه حكومة، فتسميات الحكومات المحلية تؤدي الى اضعاف سلطة المركز، وكل الامم تحاربت وتصالحت والصلح سنة الحياة لكنها تصالحت على اسس وقف العمليات العدائية هذه هي ابرز التحديات الداخلية.
اما تحييد النفوذ الايراني من ابرز التحديات الخارجية لان البوابة العراقية الايرانية عرضها 1200 كيلو متر مفتوحة على مصراعيها يمكن إن يضر كل طرف الاخر، فمن حق العراق إن يخاف من بلاد الثورة لا بلاد الدولة، لان سلوك الدبلوماسية الايرانية هو الجمع بين الثورة والدولة معا، وفي الدبلوماسية علاقات الدول لا الثورات، والحكومات لا الاحزاب، وما كانت مقاطعة الحزب الاسلامي العراقي لهاشمي رفسنجاني اثناء زيارته للعراق صحيحة بقدر ما تصرف الهاشمي كرئيس حزب وليس كنائب رئيس دولة العراق.
لان اشكالية ايران ايضا معلوم إن الاصول في الفقه الشيعي تعتبر ثوابت لا اجتهاد ولا تقليد فيها، وايران تطبق فقهيا مبدا ولاية الفقيه التي تمزج السياسة بالدين، بينما الفقه الشيعي العراقي لا يفضل هذا النوع من الاساليب، وعندما التقى رفسنجاني بالسيستاني اعتبره رفسنجاني لقاء تاريخيا وقيما جدا، وفي نفس الوقت رفض السيستاني الاستجابة لدعوة رفسنجاني الى زيارة طهران لأنه يدرك إن ايران تحاول احداث توتر بين السنة والشيعة داخل اقطار العالم العربي يقوم على اصطناع وعي بالحساسيات التاريخية، وايقاظ مشاعر بشان المظالم الحقيقية والمتخيلة وتشجيع انشقاقات راسية بداخل تلك المجتمعات تمثلت احيانا في صيغ هجومية واحيانا اخرى في انكفاء وانعزال، ومن حق الاخرين التخوف لان ديباجية دستور ايران تحت عنوان (الجيش العقائدي) تتضح في العبارة التالية (لا تلتزم هذه القوات المسلحة بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب بل تحمل اعباء رسالتها الالهية وهي: الجهاد في سبيل الله والنضال من اجل نشر احكام الشريعة الالهية في العالم) هذا هو دستور الجمهورية الاسلامية ونحن نعرف إن الفتوحات الاسلامية توقفت في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز عام 101 هجري، كما يعود الفضل لعمر بن عبد العزيز في الغاء سب الامام على بن ابي طالب من على المنابر والشيعة عموما يحفظون لهذا الخليفة بالفضل وليس فقط الشيعة بل حتى السنة لانها فتنة لا يرضى احد قبولها وهو احد الخلفاء الراشدين وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس من ديدن المسلمين السب من على المنابر.
فايران استفادت من سياسات بوش في اتجاهين، إذ تمددت في العراق اثناء الهجوم على العراق، وتمددت ايضا عندما تراجعت الهجمة الاميركية عام 2005 لتثبيت نفوذها، ويخشى الان زمن اوباما إن تقف ايران وقفة تعبوية لاختيار امكانيات التلاؤم وحساب الارباح والخسائر والاستعداد لترتيب ملفات التفاوض مع الولايات المتحدة، لكن الدور العربي يقف لها بالمرصاد بقيادة السعودية الذي استطاع إن يعيق اليد الايرانية ثقيلة الوطأة في العراق وفي بقية دول الخليج الاخرى متزامنة مع اضمحلال الهياج الايراني السوري والقطري بعد مؤتمر غزة على السعودية ومصر ما اضطر وزير خارجية ايران الى زيارة السعودية بعد طول هجران لتجديد الاتصال واستكشاف امكانيات التعاون الجديد وهذه كلها متغيرات دولية واقليمية ومحلية يمكن للعرب إن يدعموا العراق ويعيدوه الى الحاضنة العربية والثورات العربية في تونس ومصر وليبيا وسورية واليمن نقضت كثير من المعادلات والمنطقة تسير نحو اعادة خريطة المنطقة ويجب ان تكون في صالح العرب بالتحالف مع دول الجوار على اساس المصالح المشتركة والتعاون.
لكن ما يزال الطريق طويلا لان وزير خارجية السعودية الامير سعود الفيصل حدد لوزير خارجية ايران نقاط الخلاف ويكون على ايران إن تحدد موقفها من هذه النقاط والمستقبل الوحيد هو الذي سيجيب على هذه الاسئلة وبالطبع تقف اليوم ايران معزولة ولكنها لا تزال تقف الى جانب سورية والمجتمع العراقي منقسم تجاه سورية وبمفرده المالكي يدعم النظام السوري القمعي بينما رئيس البرلمان النجيفي يدعم الشعب السوري وكذلك الاكراد.
د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب، استاذ بجامعة ام القرى بمكة
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
|