من أوراق الأيام

News image

هل يمكن للهوية أن تضيع، وماذا أفعل إذا ضيّعت هويّتي؟

News image

الثقافة في المغرب: أي خصائص، ومقومات، وأصول؟

News image

أُسس التحدي: الفلسفة العربية الحديثة والزمن

News image

السوسيولوجيا من منظور فلسفي

News image

المهجة والمعرفة والواقع

News image

الذات بين التفكك والتحقق

News image

شعر الجهاد والمقاومة ضد الغزاة في المغرب

News image

ابن خلدون وتقنية الحدس المعرفي في كتابة التاريخ

News image

المثقف العربي: صراع الذات والهوية

News image

هل كان المعري براهمياً؟

News image

دلالات المتخيل الاجتماعي عند كاستورياديس

News image

أوراق في العلم والفلسفة والفن

News image

الغرب والفلسفة العربية الإسلامية

News image

كيف صنع القاضي المنصوري جسرا بين التقليد والحداثة؟

News image

الاجتهاد ليس تنويرا، أما التنوير فاجتهاد موسّع

المواطنة والهوية في مسار التغيير العربي PDF طباعة إرسال إلى صديق
الخميس, 13 أكتوبر 2011 20:48
د. السيد ولد أباه - أثبتت الأحداث العربية الأخيرة أمرين أساسيين هما: قوة دفع الرابطة العروبية، وهشاشة البنيات المؤسسية للدولة العربية الحديثة. الظاهرتان مترابطتان في العمق وإنْ بدتا متمايزتين في الظاهر.
تجلت الظاهرة الأولى في تزامن الانتفاضات الشعبية العربية وفي قوة تأثير الحدث التونسي الذي امتد بسرعة غير متوقعة إلى مصر ومنها إلى الساحات العربية الأخرى.
لم تفض حركية التغيير التي اجتاحت أوروبا الشرقية وأميركا الجنوبية وأفريقيا جنوب الصحراء إلى أي تأثير حيوي في المجال العربي، ولم يكن للأحداث التي عرفتها إيران في السنة المنصرمة أي أثر على الأوضاع العربية، على الرغم من علاقات الجوار والتداخل الديني.
تبين هذه المقارنة أن الفكرة العروبية لا تزال صلبة وكثيفة في الوعي والمخيال، رغم ما يشاع من تراجع المد القومي وانحسار زخمه الإيديولوجي. ومن هنا ترابط حلقات المشهد العربي في المدى المنظور، وانعكاسات مسار التحول الراهن في الساحات الملتهبة على مجمل الحالة العربية العامة.
أما الظاهرة الثانية، فتتجلى في وضعية الفراغ المؤسسي الحاد الذي نجم عن التغير الثوري الراديكالي الذي شهدته البلدان العربية المذكورة، بما فيها الدول الوطنية العريقة مثل مصر وتونس.
صحيح أن المؤسسة العسكرية في البلدين بدت متماسكة ورعت عملية التحول الجاري، إلا أنها لم تكن مهيأة للتعامل مع الاستحقاقات السياسية والمجتمعية الهائلة التي ولّدتها حركية التحول المفاجئة. ففي الحالة التونسية، ظلت المؤسسة العسكرية مهمشة وضعيفة طيلة العهد البورقيبي وخلال فترة حكم "بن علي"، الذي وإنْ كان ينحدر منها إلا أنه مارس حياته المهنية بكاملها قبل الرئاسة في الدوائر الأمنية.
ولئن كانت قيادة الجيش التونسي انحازت إلى الحركة الثورية، إلا أنها فقدت أي تأثير نوعي في عملية التحول الانتقالي الحالية. أما المؤسسة العسكرية المصرية التي حافظت طيلة الستين سنة الأخيرة على مكانة محورية في تركيبة السلطة، فوجدت نفسها فجأة في انفصام كامل مع الحركية الاجتماعية، وفي حالة عجز عن أداء دورها السياسي التقليدي منذ الثورة الناصرية.
أما الهياكل الحزبية، فبدت هزيلة هشة من دون قاعدة اجتماعية ولا منظور سياسي. والأخطر من هذا كله ضعف وتآكل البنيات البيروقراطية الإدارية للدولة التي أخفقت منذ الوهلة الأولى في تأمين السلم الأهلي والحفاظ على المجال العمومي. في بلاد مثل تونس كنا نعتقد أنها أكثر المجتمعات العربية حداثة وانسجاماً قفزت العصبيات القبلية على السطح مخلفة فتناً أهلية دامية، حدث المشهد ذاته في سيناء بمصر، وبرز بوتيرة أفظع في الساحات العربية الأخرى المهددة بمخاطر التفكك (اليمن وليبيا وسورية). ولا شك أن ملف الأقليات الدينية والطائفية والتركيبات القبلية سيطرح بقوة في أولويات الأجندة العربية خلال المسار الانتقالي الحالي الذي تعيشه جل البلدان العربية بإيقاعات متفاوتة وخلفيات متباينة.
ومن هنا ضرورة التحرر من وهم سائد لدى الطبقة السياسية العربية مفاده أن منعرج التحول الديمقراطي العربي يتلخص في آليات الانتخابات الشفافة والنزيهة، التي من شأنها حسم معضلة الشرعية السياسية وتأمين الانتقال السليم من الحالة الاستبدادية الشمولية.
فما يجب التنبيه إليه هو أن الماكينة الانتخابية لا يمكن أن تعوض البناء المؤسسي الذي يوطد ويسند النسيج الاجتماعي، وإنما هي الآلية التنظيمية الإجرائية للحقل السياسي في تنوعه واختلافيته. ومن دون هذه القاعدة المؤسسية الصلبة، تتحول اللحظة الانتخابية إلى عامل تفجير للحمة الاجتماعية بدل أن تكون ضمانة للسلم الأهلي.
ولعل التحدي الأصعب الذي يواجه اليوم الهندسة السياسية العربية هو بلورة النظم المؤسسية الملائمة للأوضاع العربية الانتقالية. من هذا المنظور، يحتل مفهوم المواطنة الذي هو ركيزة المنظومة الديمقراطية مكانة محورية في الحوار المفتوح حول شكل النظام السياسي العربي المنشود.
والمعروف أن مفهوم المواطنة ارتبط في نشأته بمقولة السيادة بدلالتها الحديثة المرتبطة بعلاقة الذات الفردية الحرة بالكل الاجتماعي، بما هو كيان سياسي مستقل يتمحض له الولاء ويتجدد له الانتماء عبر عملية المشاركة السياسية المنظمة (مقاربة روسو). فالفكرة الديمقراطية التقليدية لا تخرج عن هذا الأفق الذي يحصر المواطنة في حدود الدولة الوطنية المركزية ذات السيادة المطلقة في مجالها الإقليمي ونسيجها القومي.
وما نشهده راهناً هو بلورة مفاهيم جديدة للمواطنة، أهمها مفهوم "المواطنة الدستورية"، الذي بلوره الفيلسوف الألماني "هابرماس"، ومفهوم "المواطنة المتنوعة ثقافياً"، الذي صاغه الفيلسوف الكندي، "ويل كيمليشا". فالمفهوم الأول (الذي له جذور كانطية) يناسب البناءات الإقليمية (مثل الاتحاد الأوروبي)، التي تتجاوز المحددات القومية المحلية، في حين يلائم المفهوم الثاني المجتمعات ذات النسيج العرقي والديني المتنوع حيث يطرح موضوع الأقليات تحديات بالنسبة للسلم الأهلي والوحدة الوطنية.
وبالعودة للحالة العربية، نرى من الضروري اعتماد المقاربات الجديدة للمواطنة في الاتجاهين المذكورين في بداية هذه المقالة: المنظور القومي الأوسع والمعطى المحلي الداخلي.
في المستوى الأول، يتعين الإقرار بتداخل وتلازم أوضاع المجتمعات العربية، بحيث لا يمكن التفكير في حل المعضلة السياسية العربية خارج الإطار الإقليمي، مما يقتضي التفكير في بلورة أطر المواطنة القومية من خلال بناءات مؤسسية ناجعة وقابلة للاستقرار. في هذا الأفق، يجدر التنويه بمشروع توطيد وتوسيع المنظومة الخليجية، كما يحق الاستبشار بانهيار الجدار المنيع المعيق لمسار اتحاد المغرب العربي (نظام القذافي في ليبيا).
في المستوى الثاني، يتوجب التفكير في الهياكل والأطر المؤسسية الضامنة والحاضنة للتنوع الثقافي والحامية لحقوق الأقليات، بالاعتراف بمبدأ "المواطنة المزدوجة"، أو بدوائر المواطنة المتعددة التي تعني في بعض السياقات اختراق حواجز الحدود السياسية للكيانات المستقلة، من دون ان يعني الأمر التضحية باستقلالية الدول وسيادتها الإقليمية.
في غياب هذا التصور، يغدو البديل المتاح هو انفصام النظم الدستورية والمؤسسية عن الحالة السياسية القائمة، كما هو الشأن في العراق مثلاً حيث تتعدد دوائر المواطنة بحسب منطق الاصطفاف الطائفي والقومي على حساب الهوية الجماعية ومنطق الدولة. فلاستبداد مسالك لا تنحصر في الحكم الفردي والحزب الواحد.
 
نقلا عن مجلة "الحرية" الفلسطينية
 

المزيد من قضايا

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب