|
الأحد, 06 نوفمبر 2011 20:33 |
|

بشارة مرهج - لا بد ايها القارئ العزيز ان تكون قد قرأت مراراً هذه العبارة المدونة أعلاه، تلك العبارة التي تتصدر لوحات الاعلان في كل شارع وناصية بمبادرة من "ماراتون بيروت" وبدعم مشكور من جهات متعددة.
ومما لا شك فيه ان هذه العبارة (الخارجة عن أصول اللغة العربية) ونسبة لانتشارها الواسع واصطدام نظر المرء بها مرارا في النهار الواحد تترك أثراً ايجابياً لا يمكن انكاره على الناظر لانها تحثه على المشاركة في هذه الرياضة من جهة وتذكره بفائدتها من جهة أخرى.
ولكن هناك أمراً أخراً مسكوت عنه في هذا المجال ويعرفه علماء النفس والاعلام مفاده ان تكرار تلاوة العبارة او رؤيتها ينشيء قبولاً متدرجاً بها يتسلل الى اللاوعي ويستقر في الذهن. وهذا الاستقرار في هذه الحالة يسهم في تكريس اللهجات المحلية وابعاد الناس تدريجاً عن اللغة الأم.
والأمر هنا لا يتعلق بأفراد وانما يتعلق بملايين يقرأون الاعلان في غدواتهم وروحاتهم يؤيدون الدعوة الى الرياضة ويثنون على أصحابها في جهودهم لتوجيه الانظار اليها وتشجيع الجميع على ممارستها، ويقعون في الوقت نفسه ضحايا محتملين لهذا الاعلان دون معرفتهم "بالضرورة" لفحواها.
ان الغاية التي توخاها اصحاب الدعوة هي غاية نبيلة ولا شك، ولكن مما لا شك فيه أيضاً انه تمت ترجمتها على ارض الواقع بشكل مغاير فجاءت العبارة التي تعبر عن الدعوة ركيكة تروج للهجة الدارجة الهابطة في وقت كان يمكن فيه ايصال الرسالة بعبارة مكتوبة باللغة العربية الفصحى تقع من العين كما من الاذن موقعاً حسناً. وهنا أقول لأصحاب الدعوة كما لشركة الاعلان ما الضرر لو اعتمدتم العبارة التالية: إنزلوا الى الشارع وأركضوا؟ ولماذا الاصرار في هذا الاعلان كما في الكثير من الاعلانات الرسمية والأهلية والتجارية، على تشويه لغتنا الجميلة؟
ان اللغة العربية بحسب الدستور هي اللغة الرسمية. وقبل ذلك هي تراثنا وهويتنا وموضع اعتزازنا وعندما نتمسك بها فانما نتمسك بلبنانيتنا وعروبتنا.
وفضل لبنان واديرته في هذا المجال ليس موضع جدال وقد اعترف به القاصي والداني. اما السلطات الرسمية التي تغض النظر عن هذا الولوغ الذي يسيء الى الفكرة واصحاب الدعوة ولبنان نفسه الذي يُعتبر (رغم الفرنكوفونية والانكلوفونية) من البلدان التي تحترم لغتها ومن البلدان التي يحرص ابناؤها على اتقان هذه اللغة والتمسك بها خلافاً لما يجري في بعض البلدان العربية حيث يسقط العديد من مسؤوليها وابنائها صرعى الانبهار بالأجنبي فينكرون حق العربية عليهم ويتحدثون بلغة هجينة ينفر منها الذوق.
وبعد لا عتب على السيدة مي الخليل التي نسيت في غمرة نشاطها لانجاح "ماراتون بيروت" أهمية اللغة العربية التي يتمسك بها أهلها وبينهم شخصيات تحرص على مخاطبة الجمهور بلغة فصحى انيقة وسليمة، ولكن العتب الشديد هو على المؤسسات الرسمية والأهلية التي تعرف ان البلاد بلغتها، وتتجاهل في الوقت نفسه ان لغتنا هي العربية.
يبقى ان نتمنى على السيدة مي الخليل وماراتون بيروت ان ينزعوا هذه اللافتات ويستبدلوها بأخرى تنسجم مع الدعوة النبيلة التي أطلقوها وتليق ببيروت عاصمة لبنان والثقافة العربية.
بشارة مرهج، نائب لبناني سابق، والنص منقول عن جريدة السفير 3/11/2011 |