من أوراق الأيام

News image

هل يمكن للهوية أن تضيع، وماذا أفعل إذا ضيّعت هويّتي؟

News image

الثقافة في المغرب: أي خصائص، ومقومات، وأصول؟

News image

أُسس التحدي: الفلسفة العربية الحديثة والزمن

News image

السوسيولوجيا من منظور فلسفي

News image

المهجة والمعرفة والواقع

News image

الذات بين التفكك والتحقق

News image

شعر الجهاد والمقاومة ضد الغزاة في المغرب

News image

ابن خلدون وتقنية الحدس المعرفي في كتابة التاريخ

News image

المثقف العربي: صراع الذات والهوية

News image

هل كان المعري براهمياً؟

News image

دلالات المتخيل الاجتماعي عند كاستورياديس

News image

أوراق في العلم والفلسفة والفن

News image

الغرب والفلسفة العربية الإسلامية

News image

كيف صنع القاضي المنصوري جسرا بين التقليد والحداثة؟

News image

الاجتهاد ليس تنويرا، أما التنوير فاجتهاد موسّع

الخصوصية الحضارية كمدخل لتوطين الحداثة PDF طباعة إرسال إلى صديق
السبت, 19 نوفمبر 2011 22:39

 

 

د. إدريس جنداري - فرض الربيع العربي –الذي ما زالت أحداثه جارية- معادلة سياسية جديدة؛ لم يكن أكبر المنظرين والمحللين بقادرين على افتراضها حتى؛ وخصوصا أولئك الذين أقاموا استراتيجيات كاملة؛ على أساس محاولة استئصال كل المظاهر الإسلامية من الحياة الفكرية والسياسية العربية؛ تحت مسمى (العلمانية ) و(الاشتراكية)؛ هذه النظريات الفكرية والسياسية؛ التي لم تتجاوز في الفضاء العربي/الإسلامي يوما؛ حيز الشعارات الجوفاء.
 وتقوم هذه المعادلة على أساس فكري وسياسي جديد/قديم؛ تحكمت فيه إلى أبعد الحدود؛ حركات الإسلام السياسي؛ التي ظهرت خلال المرحلة السابقة؛ كرد فعل على صعود أنظمة سياسية تسلطية؛ وصلت إلى السلطة –في غالبيتها- عبر انقلابات عسكرية؛ وحاولت استغلال قيم الفكر السياسي الحديث (الديمقراطية؛ العلمانية...) لتبرير تحكمها في السلطة بطرق غير مشروعة.
 ضمن هذا السياق التاريخي؛ ظهرت حركات الإسلام السياسي على الساحة السياسية العربية؛ حاملة لمشروع فكري وسياسي؛ استمد مشروعيته؛ في البداية؛ من مناهضته للواقع السياسي والفكري؛ الذي فرضته الأنظمة السياسية الحاكمة؛ إما في علاقة بالأجندة الغربية التي خلفها الاستعمار قريب العهد بالانسحاب؛ وإما في علاقة بالانتماء القومي الذي تحول إلى مشروع سياسي بطابع علمانوي أويساروي؛ كان يسعى إلى فصل العروبة عن الإسلام؛ وانتزاع الشعوب العربية من امتدادها الحضاري العميق.
 وإذا كانت حركات الإسلام السياسي؛ قد جاءت كرد فعل على وضع سياسي مأزوم؛ فإنها جاءت في نفس الوقت؛ للمساهمة في تحقيق استمرارية المشروع النهضوي العربي؛ الذي استمد رؤيته الفكرية والسياسية؛ من تجذره في التربة الإسلامية؛ سواء تعلق الأمر بالتيار السلفي أو بالتيار الليبرالي؛ وذلك رغم الهفوات الكبيرة التي سقطت فيها حركات الإسلام السياسي؛ وهي تحاول استلهام النموذج النهضوي فكريا وسياسيا.
 وكنتيجة لتضافر مجموع هذه العوامل؛ يمكن أن نتحدث؛ اليوم؛ على إيقاع المد الثوري العربي؛ عن اكتساح شامل لحركات الإسلام السياسي للمجال؛ البداية تتأسس في تونس؛ التي كانت سباقة لإطلاق الثورة العربية ضد التسلط والاستبداد؛ وذلك مع حركة النهضة؛ التي يبدوأنها ستقود المشهد السياسي التونسي؛ أولا من خلال وضع دستور البلاد؛ وثانيا من خلال قيادة الحكومة. وجميع المؤشرات تؤكد أن النموذج التونسي؛ هوالذي سيتكرر في مصر وفي ليبيا ومستقبلا في سوريا. وتستمد حركات الإسلام السياسي قوتها؛ اليوم؛ من معطيين أساسيين:
المعطى الأول؛ يرتبط بفعاليتها النضالية؛ التي ترجمتها عبر الحضور الجماهيري الكبير في (ساحات التغيير/التحرير)؛ وهي بذلك تستفيد من تاريخها الطويل في مواجهة الأنظمة الاستبدادية الحاكمة؛ وتسعى إلى استثمار اللحظة الثورية؛ للمساهمة في إسقاط هذه الأنظمة؛ ليفسح أمامها المجال لتجسيد مشروعها السياسي على أرض الواقع.
المعطى الثاني؛ يرتبط بنجاح النموذج الإسلامي التركي؛ في التوفيق بين الخصوصية الإسلامية والحداثة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ ولذلك فإن حركات الإسلام السياسي في العالم العربي تقدم نفسها؛ اليوم؛ كبديل محتمل للمعادلات السياسية السائدة؛ والتي فشلت؛ على امتداد عقود من الزمن؛ في تشييد نموذج تنموي/حداثي عادل؛ تستفيد منه الدولة ويستفيد منه المجتمع. ولعل أول تجربة في تونس؛ لتؤكد هذا الطرح بوضوح؛ فجميع تصريحات قياديي حركة النهضة الإسلامية؛ تسير في اتجاه التوفيق بين الخصوصية الإسلامية والحداثة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
 وسواء فيما يخص المعطى الأول؛ أوفيما يخص المعطى الثاني؛ فإن الربيع العربي؛ يكون قد نجح –بامتياز- في قلب المعادلات السياسية التي كانت سائدة لعهد قريب؛ والتي كان الرهان عليها كبيرا من طرف صناع القرار الغربيين؛ باعتبارها المعادلات الملائمة لخدمة أجندتهم في المنطقة العربية؛ اقتصاديا وسياسيا. لكن رياح الثورة العربية؛ يبدوأنها تجري بما لا تشتهيه سفن قوى الاستعمار الجديد؛ لأنها ستحمل إلى السلطة فاعلين سياسيين جدد؛ طالما حاربهم الغرب باعتبارهم يشكلون خطرا على مصالحه الاقتصادية والسياسية؛ وذلك ضمن إستراتيجية متكاملة الأبعاد؛ تقوم على ادعاء (محاربة الإرهاب)!!!
الخصوصية الحضارية في مواجهة التحديث الكولونيالي المعاق.. الإسلام السياسي صوت الجنوب
 يحيل الجزء الثاني من العنوان؛ بداية؛ على دراسة للباحث السياسي الفرنسي (فرانسوا بورغا) والتي تحمل عنوان : (L’islamisme Au Maghreb – La Voix du sud)(1) والتي حملت في ترجمتها العربية عنوان : (الإسلام السياسي صوت الجنوب) (2) وهي دراسة –يؤكد المفكر نصر حامد أبوزيد- في تقديمه للترجمة العربية؛ رغم أنها تركز على التجربة الإسلامية في المغرب العربي؛ فإن هذه التجربة تتمتع بخصائص متشابهة في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي. (3)
 وتعتبر هذه الدراسة التي صدرت عن دار Karthala للنشر سنة 1988 وتوالت طبعاتها وترجماتها المتعددة فيما بعد؛ تعتبر أول دراسة غربية حول ظاهرة الإسلام السياسي في العالم العربي؛ تتمتع بدرجة من الموضوعية؛ قد لا تكون متاحة بنفس القدر من الوضوح للباحث العربي المسلم؛ سواء كان هذا الأخير متعاطفا مع الظاهرة أم كان معارضا لها.
 وتكمن أهمية الكتاب –حسب نصر حامد أبي زيد- في تعامله مع الظاهرة الإسلامية؛ باعتبارها محصلة طبيعية ناشئة عن مناهضة الاستعمار أولا؛ ومتطورة عن فشل الخطاب النهضوي القومي ثانيا. ولذلك فإن هذا التحليل يعطي للظاهرة؛ عمقها الطبيعي في بنية الخطاب العربي من جهة؛ وفي آليات المقاومة الاجتماعية والسياسية ثانيا.(4)
 وضمن هذا السياق التاريخي؛ الذي تنتمي إليه حركات الإسلام السياسي؛ فإن (فرانسوا بورغا) ينتهي في كتابه إلى نتيجة؛ في غاية الأهمية تدحض –عبر التحليل المنهجي- الأطروحة التي تروجها بعض حركات الإسلام السياسي عن نفسها؛ ويروجها عنها بعض المحللين والمراقبين والخصوم الإيديولوجيين-بتوظيف مختلف- هذه الأطروحة التي تربط بين الإسلام كدين؛ وحركات الإسلام السياسي كحركات سياسية.
 إن الإسلام التاريخي المدون في النصوص المقدسة –حسب فرانسوا بورغا- ليس وحده المولد لظاهرة الإسلام السياسي؛ بل الظاهرة متولدة عن واقع مركب ومعقد. إن اعتماد شفرة الإسلام في خطاب الإسلام السياسي؛ هي عملية تتم على مستوى اللغة؛ لمناهضة شفرة أخرى غربية استعمارية أساسا؛ وهي شفرة قامت الأنظمة الحاكمة بإعادة إنتاجها في خطابها القومي العلماني. وإذا كان الصراع يدور على مستوى الشفرة –في مستوى الخطاب- لمناهضة الاستعمار الغربي من جهة؛ ولمناهضة القومية العلمانية التابعة له من جهة أخرى؛ فالإسلام في هذه الحالة مجرد هوية يتسلح بها الإسلام السياسي؛ هوية تتجاوز العقيدة وتعلوعليها. (5)
 ولكي يوضح (فرانسوا بورغا) صراع الشفرات هذا بشكل أوضح؛ فهويلجأ إلى رسم صورة موجزة عن المجال الثقافي والسياسي؛ الذي نشأت فيه ظاهرة الإسلام السياسي؛ وهومجال ارتبط بنموذج من التحديث المعاق؛ الذي مارسته الأنظمة السياسية التي تقلدت الحكم بعد انسحاب الاستعمار؛ فقد تطور نمط من التحديث بطريقة أسرع بكثير من ذلك التحديث الذي حاول أن يفرضه المستعمر من قبل؛ فقامت عدة أنظمة في اليوم التالي للاستقلال – معتمدة على قوتها النابعة من شرعيتها التي تستمدها من إنجازاتها في التحرير الوطني- بتبني مجموعة من التشريعات؛ زعزعت إلى حد كبير مكانة بعض المؤسسات (مثل القضاء والجامعات)؛ وهي مؤسسات لم يجرؤ الاستعمار نفسه على المساس بها. وهكذا لم يتورع بورقيبة عن إنهاء اثني عشر قرنا من التقاليد الجامعية عندما أغلق جامعة الزيتونة الشهيرة؛ ويضيف (فرانسوا بورغا) نماذج أخرى (كاريكاتورية) لهذا النموذج التحديثي المعاق والمدوخ ببخور إيديولوجيا الاغتراب؛ حينما يرسم صورة لأتاتورك وهويشنق أولئك الثائرين الذين يتشبثون بالطربوش؛ بينما يقوم عبد الناصر بمطاردة أمثالهم من الذين يرفضون التخلص من رموز وشفرات الثقافة التقليدية؛ ويطلب شاه إيران قص اللحى وحرق زي الحجاب!!! (6)
 ويفسر (فرانسوا بورغا) إقدام الأنظمة الحاكمة على هذه النماذج من التحديث الكاريكاتوري المعاق؛ برغبة الجنوب في الوصول بطريقة أسرع إلى "الوليمة التكنولوجية الكبرى" ولذلك فقد ألقى بقوانينه وعاداته ولغته وأغانيه؛ بل وبملابسه... وأكثر من أي وقت سبق أصبحت اللغات الأجنبية؛ الفرنسية في المغرب العربي؛ والإنجليزية في المشرق العربي؛ السلاح الذي يضطر أن يلجأ إليه كل من يريد أن يحقق صعودا مهنيا واجتماعيا. (7)
 ولعل هذا الوضع الثقافي والسياسي العربي المستلب من قوى الاغتراب داخليا وخارجيا؛ هوالذي كان يمهد الطريق لظهور حركات الإسلام السياسي؛ التي جاءت كرد فعل طبيعي؛ على العنف الرمزي الذي مارسته النخبة السياسية الحاكمة؛ على فئات عريضة من المجتمع؛ خصوصا وأن هذه النخبة التي تولت الحكم بعد الاستقلال؛ لم تدرج ضمن اهتماماتها معالجة ذلك التصدع الذي أصاب الذهنية الجماعية في المجتمعات العربية (..) وذلك عندما أصبحت الشفرات الثقافية لتلك المجتمعات تحتل مكانا هامشيا. قد عملت هذه النخبة؛ على العكس من ذلك؛ على تعميق الجرح أكثر؛ حينما عملت على تحقيق استمرارية المشروع الاستعماري؛ عبر رفع شعارات التحديث؛ وبذلك كرست تهميش الشفرات الثقافية الخاصة بالمجتمعات العربية؛ وفي المقابل فرضت شفرات ثقافية بديلة؛ تعتبر امتدادا للفكر الغربي؛ الذي لبس جبة الاستعمار؛ حينما عمل على اختراق البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات العربية.
 هكذا –إذن- يستخلص (فرانسوا بورغا) في آخر التحليل؛ أن الإسلام السياسي؛ تعبير عن رد فعل تجاه السيطرة الثقافية الغربية؛ فالمد الإسلامي من الخليج إلى المحيط؛ وفيما أبعد من ذلك؛ في المناطق التي انتشر فيها التوسع الغربي؛ تعبير-إذن- عن إدانة لطبيعة العلاقة الثقافية التي كانت سائدة أثناء المرحلة الاستعمارية. وبذلك تصبح أرضية الإيديولوجية والشفرات والرموز؛ هي الإطار الذي تتم فيه محاولة إعادة التوازن في العلاقة مع "الشمال" في مرحلة ما بعد القضاء على الاستعمار. (8)
 ولكي يفصل (بورغا) في هذه الخلاصة أكثر؛ فهويلجأ إلى تطبيق مقاربة استقرائية؛ يستنتج من خلالها؛ أن الدول التي تكون فيها تيار الإسلام السياسي؛ يجمعها قاسم مشترك؛ هوأنها عانت خلال القرن الماضي (يقصد القرن التاسع عشر) من مجموعة قيم فرضها الغرب أوصدرها إليها؛ وكانت درجة هذه المعاناة تزيد أوتقل حسب نوعية الاستعمار؛ فتتدرج من حالة؛ مثل حالة الجزائر؛ إلى درجات أقل حدة؛ نظرا لقصر المدة نسبيا؛ ولتواجد عدد أقل من المستعمرين(مثل المغرب الذي كان تحت نظام الحماية ). (9)
 وبناء على هذا التحليل؛ يؤكد (فرانسوا بورغا) بحدس علمي استشرافي عميق؛ قابلية الإسلام السياسي للتوازن؛ لأن بإمكانه أن يصل إلى استيعاب الشفرة الغربية التي يرفضها الآن؛ كرد فعل على محاولة طمس الشفرة الثقافية المحلية. (10) ولذلك فإن الإسلام السياسي –حسب بورغا- في تأسيس مشروعه الثقافي والسياسي؛ يحاول تحقيق التوازن للذات العربية؛ بعد أن نجح الاستعمار وأذنابه من الأنظمة السياسية المغتربة؛ في إفقاد الشعوب العربية لتوازنها الحضاري؛ عبر تحويل شفرتها الثقافية إلى الهامش؛ ومركزة شفرة ثقافية بديلة؛ تشوش على الأفق الثقافي المشترك للشعوب العربية/الإسلامية. ولعل مهمة إعادة التوازن إلى الذات الثقافية العربية؛ هي الكفيلة –حسب تصور بورغا- بتسهيل استيعاب الشفرة الثقافية الغربية؛ التي يمكنها أن تسهل مهمة التحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ لكن بأفق مغاير لما تم ترسيخه؛ خلال مرحلة التحديث الكاريكاتوري المعاق؛ بعد مرحلة الاستقلال.
 إن رفض حركات الإسلام السياسي للفكر الديمقراطي –حسب فرانسوا بورغا- يرجع إلى الظروف التاريخية التي أدت إلى ظهوره أكثر مما يرجع إلى مضمونه؛ لأن المفارقة الحقيقية - فيما يتعلق بالمعارضة الثقافية الإسلامية- تكمن في أنها قد تنجح في تحقيق؛ ما فشل في تحقيقه العنف الاستعماري والعنف المضاد القومي؛ إذ أن العودة إلى استخدام ثقافة الأجداد قد تتمكن من التوصل –بطريقة متناقضة للغاية- إلى المصالحة بين شفرات ورموز المجتمعات التي كانت مستعمرة؛ وبين المضمون الأساسي لهذه القيم الغربية؛ تلك القيم التي لم يستطع كل من الاستعمار والنخبة التي استوعبت ثقافته؛ والتي تولت الحكم بعد الاستقلال؛ توفير الظروف الملائمة لتوظيف هذه المفردات "الغربية" وبالتالي توفير ظروف فاعليتها. (11) هكذا يفاجئنا (فرانسوا بورغا) بقراءة استشرافية؛ لا يمكن للتلقي المؤدلج والمغترب أن يستوعبها؛ وهي أن حركات الإسلام السياسي؛ تعتبر مرحلة أساسية في تاريخ الأمة العربية/الإسلامية؛ لتحقيق التوازن المفقود؛ ومن دون تحقيق التوازن للذات العربية/الإسلامية؛ عبر رد الاعتبار للخصوصية الحضارية؛ التي عمل الاستعمار وأذنابه على تهميشها؛ من دون تحقيق هذا التوازن؛ لا يمكن للعالم العربي/الإسلامي أن ينجح في استيعاب مقومات الحداثة الغربية؛ لأن ذاتا لا تؤمن بقوتها وتماسكها النابعين من خصوصيتها الحضارية؛ لا يمكنها أن تدخل في تثاقف بناء ومثمر مع الآخر؛ وخصوصا إذا كان هذا الآخر يسعى إلى استلابها واستغلالها.

الحركات الإسلامية صوت الربيع العربي..
في البحث عن الخصوصية الحضارية المفقودة

 إن القراءة الاستشرافية التي قدمها (فرانسوا بورغا) في وقت مبكر؛ لمشروع الحركات الإسلامية؛ هذه القراءة هي التي تتحكم؛ اليوم؛ في أحداث الربيع العربي؛ التي فرضت الإسلام السياسي كلاعب أساسي ومحوري في المعادلة السياسية الجديدة؛ ومن منظور الفكر السياسي الحديث؛ القائم على أساس الديمقراطية والدولة المدنية؛ هذه القيم السياسية الحديثة التي أصبحت بمثابة البوصلة التي تقود اتجاهات الحركات الإسلامية؛ سواء بخصوص النموذج الإسلامي التركي سابقا؛ أوبخصوص النموذج الإسلامي العربي؛ الذي بدأ يتخلص من اتجاهاته السلفية النصية؛ التي تحكمت في رؤيته الفكرية والسياسية؛ لعقود؛ وبالمقابل بدأ يستفيد؛ من التجربة الإسلامية التركية؛ التي يمكن اعتبارها؛ اليوم؛ بمثابة النموذج المثالي؛ الذي يمكن أن يقتدى به في العالم العربي.
 وإذا نجحت الحركات الإسلامية العربية في هذا الرهان؛ فإنها ستؤسس في العالم العربي؛ لمرحلة جديدة/قديمة مجهضة. هي مرحلة جديدة لأنها ستنجح –بالتأكيد- في حل إشكال التراث والحداثة؛ على مستوى الممارسة السياسية؛ على شاكلة التجربة الإسلامية التركية؛ وهي مرحلة قديمة مجهضة؛ لأنها ستجدد الوصل مع تراث عصر النهضة؛ الذي تم إجهاضه على يد الانقلابيين؛ الذين استبدلوه بإيديولوجية عسكرتارية؛ مطعمة ببهارات (قومية/يساروية/علمانوية)؛ لم يجن من ورائها العالم العربي؛ سوى الخراب على جميع المستويات؛ سياسيا عبر صناعة أنظمة استبدادية تسلطية؛ واقتصاديا عبر هيمنة اقتصاد الريع غير المنتج؛ وثقافيا عبر ممارسة عنف رمزي غير مسبوق؛ حتى مع الاستعمار؛ على الذات الثقافية العربية الإسلامية؛ ونفس هذا الخراب هوالذي عم جميع المجالات الأخرى؛ لنستفيق أخيرا على كوابيس مرعبة؛ أصبحت تشكل تهديدا وجوديا على امتدادنا الحضاري؛ خصوصا مع دخول النيوكولونيالية على الخط؛ محاولة ضخ دماء جديدة في هذه الأنساق السياسية والاقتصادية والثقافية المتهالكة؛ طبعا لأنها تخدم أجندتها؛ بشكل يفوق بكثير؛ ما كانت تحصل عليه خلال المرحلة الاستعمارية ذاتها.
 وهنا؛ لابد أن نتوقف قليلا لمناقشة؛ ما يروج داخليا قبل الخارج؛ حول نجاح التجربة الإسلامية؛ وخصوصا ما يتعلق ببعض الأصوات الشاردة؛ التي لا يمكن تصنيفها بالمعنى الإيديولوجي –الخاضع لمرجعيات فلسفية- وذلك لأنها تخدم بشكل لا واع الأجندة الغربية؛ حينما تروج للإسلاموفوبيا؛ التي ترفضها نخبة الغرب المتنورة نفسها؛ بينما تعتبر رهان اليمين المسيحي-اليهودي المتطرف؛ الذي يتعامل مع جميع تمظهرات الإسلام –بشكل عام- كمنافس جدي؛ لابد من وضع حد له؛ حتى ولوتطلب الأمر إعلان حرب صليبية؛ كتلك التي أعلنها اليمين المتطرف الأميركي مع جورج بوش.
 إنه ليس من حق أي كان؛ أن يحاكم النوايا؛ فيزعم أن حركات الإسلام السياسي تمارس التقية فقط؛ وأنها تتعامل مع الديمقراطية كسلم يوصلها إلى الحكم؛ لتحطمه فيما بعد؛ وأن الفكر الإسلامي يتعارض مع الديمقراطية والحداثة... إن ما يجب على القراءة الموضوعية أن تأخذ به؛ هوالممارسة على أرض الواقع؛ ولذلك سيكون من حقنا أن نصدر هذه الأحكام في حينها؛ بعدما تؤكد لنا الممارسة صدقية هذا المنحى.
 وفي هذا الصدد؛ لابد أن نذكر بأن نفس الخطاب؛ هوالذي كان رائجا منذ سنة 2002 بعد وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى الحكم في تركيا؛ فقد كانت جميع الأصوات ترتفع من الداخل والخارج؛ شرقا وغربا؛ محذرة من خطورة الوضع السياسي في تركيا؛ ومشككة في نوايا الإسلاميين؛ الذين قيل عنهم كذلك؛ أنهم يتعاملون مع الديمقراطية كسلم؛ سيحطمونه مباشرة بعد الوصول إلى الحكم. لكن الممارسة الواقعية تنفي بقوة جميع هذه الادعاءات؛ وتؤكد بالملموس أنها جزء من الإسلاموفوبيا التي انتشرت غربا وشرقا؛ محذرة من الخطر الإسلامي الداهم؛ الذي سيعود بالعالم الإسلامي إلى القرون الوسطى. فتركيا؛ اليوم؛ وبعد عقد من ممارسة الإسلاميين للسلطة؛ تبدوفي التقارير الدولة وقد أحدثت ثورة كوبرنيكية؛ في جميع المجالات؛ من السياسة إلى الاقتصاد والمجتمع؛ كما أن استمرارية التجربة الإسلامية في تركيا؛ يخضع للمنهجية الديمقراطية؛ التي تبوؤه في الانتخابات كمعبر عن الإرادة الشعبية.
 إن المدخل الذي اعتمده (فرانسوا بورغا) في تعامله مع حركات الإسلام السياسي؛ باعتبارها صوت الجنوب؛ في مقابل صوت الشمال (الغرب) الذي حضر إما عبر الاستعمار؛ وإما عبر الأنظمة السياسية الحاكمة التي تعتبر امتدادا للوجود الاستعماري؛ هذا المدخل هوالذي مكن الباحث؛ من تقويم الأطروحة الغربية (التي تم استنساخها في العالم العربي)؛ والتي تربط بشكل ميكانيكي بين الحركات الإسلامية كحركات سياسية والإسلام كدين متعال؛ وهذا الربط هوالذي كان جوهر الإشكال؛ فقد تم رسم صورة لحركات الإسلام السياسي؛ كحركات دينية؛ تسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة؛ وهذه الصورة تم تكريسها؛ من طرف بعض الحركات السلفية؛ التي اتخذت منهجا راديكاليا؛ في ربطها بين الدين والدولة؛ بينما حقيقة الأمر أن هذه الحركات هي تعبير عن وضع فكري وسياسي واجتماعي؛ عاشه العالم العربي خلال المرحلة الاستعمارية؛ واستمر مع الأنظمة السياسية التي وصلت إلى الحكم بعد الاستقلال الشكلي؛ نتيجة توافقات مصلحيه بينها وبين قوى الاستعمار الغربي. وسواء اتخذت هذه الأنظمة طابعا قوميا أوعلمانويا أويسارويا؛ فإنها كانت تشترك في ارتباطها بالنموذج الغربي؛ مع اشتراكها كذلك في محاولة استئصال الجذور الثقافية والدينية للمجتمعات العربية؛ لكن بشكل كاريكاتوري –على حد وصف الأستاذ محمد أركون للعلمانوية الأتاتوركية-.
 وبناء على هذا التحليل؛ فإن حركات الإسلام السياسي؛ باعتبارها حركات سياسية وليست حركات دينية؛ تعتبر نبتا أصيلا وليس طارئا أودخيلا –بتعبير حامد أبي زيد- فقد خصص (فرانسوا بورغا) فصلا كاملا من الكتاب (الفصل الثاني) للكشف عن أسباب ميلاد الظاهرة ونموها في صيرورة المجتمع العربي؛ حال انتقاله من تقليديته إلى خضوعه للاستعمار والتقائه بأوربا؛ ثم نضاله ضد هذا الوجود الاستعماري بما يمثله من قيم ورموز؛ ثم ميلاد الدولة القومية وفشل المشروع القومي؛ وبعد ذلك ميلاد الإسلام السياسي مشروعا بديلا.

الحركات الإسلامية وإشكالية الدولة المدنية في العالم العربي.. في الحاجة إلى علمانية محافظة
 يعتبر مفهوم العلمانية؛ من بين المفاهيم الفكرية الحديثة التي أثارت نقاشات طويلة في الفكر العربي الإسلامي؛ ما بين مدافع عن المفهوم؛ باعتباره الخيار الوحيد أمام الثقافة العربية؛ للخروج من سيطرة النص الديني؛ وما بين معارض يعتبر أن الإسلام دين ودنيا/دولة؛ ولذلك فهويختلف جوهريا عن المسيحية التي ولدت تجربة العلمانية.
 لكن النقاش انزاح في أحيان كثيرة عن المقاربة العلمية؛ كما هوشأن جميع النقاشات الفكرية التي عرفتها الثقافة العربية؛ وتحول إلى صراع؛ غذته أكثر الإيديولوجيات المتصارعة؛ بحيث اتخذ مفهوم العلمانية في المفهوم اليساروي/الليبرالوي؛ صفة معاداة الدين؛ باعتباره أفيون الشعوب؛ وباعتباره يمثل مرحلة سابقة من مراحل تطور البشرية؛ وبذلك تحولت العلمانية إلى إيديولوجية ذات بعد مذهبي؛ أكثر مما هي منهج في الفصل بين السلطتين الروحية والمادية؛ من دون معاداة بينهما؛ مع المحافظة على استقلالية كل سلطة عن الأخرى. وهذا ما فتح الباب أمام رد فعل الحركات الإسلامية؛ التي اعتبرت العلمانية خطرا على الإسلام؛ وربطتها بالكفر والإلحاد؛ ولذلك خاضت حربا شرسة ضدها؛ بل وركبت هذه الحرب من أجل تحقيق مكاسب سياسية؛ مكنتها من احتلال مكانة التيارين اليساري والعلماني القومي؛ بعد انهيار مشروعهما السياسي والثقافي؛ لأنه لم ينجح في تحقيق الانسجام مع بنية المجتمعات العربية.
 وهنا؛ لا بد من إثارة مجموعة من الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة على الباحث؛ من قبيل: هل العلمانية بمفهومها العلمي تعادي الدين؛ وتسعى إلى استئصاله؟ هل يمكن اعتبار التجارب العلمانوية؛ الفرنسية والشيوعية والتركية؛ التجسيد الوحيد الممكن لمفهوم العلمانية؟ أم إن هناك مقاربات أخرى للمفهوم؟
 قبل أن نخوض في نقاشنا حول مفهوم العلمانية؛ وحول حضوره في الثقافة العربية؛ لابد من التوقف أولا عند الدلالات التي يحملها المفهوم؛ "فحسب الإيتمولوجيا فإن كلمة laïcos اليونانية؛ تعني الشعب ككل ما عدا رجال الدين؛ وفي لاتينية القرن الثالث عشر؛ نجد أن كلمة laïcus تعني الحياة المدنية أوالنظامية ". (12) وباعتماد الدلالتين معا؛ لا نقف على ما يرتبط بنفي البعد الديني؛ بل نلمس توجها نحوالفصل بين البعد ين الديني والدنيوي؛ ليرتبط كل مكون بوظيفته الخاصة؛ كما يحيل مفهوم العلمانية بطريقة مباشرة على الحياة المدنية والنظامية. ولعل هذه الدلالات لتؤكد بالملموس؛ على أن مفهوم العلمانية ليس إيديولوجية معادية للمكون الديني؛ بل إن وظيفتها هي حصر هذا المكون ضمن مجاله الخاص.
 وهذه الدلالات؛ هي ما يغيب عن علمانية النموذج الفرنسي؛ التي يطلق عليها الأستاذ محمد أركون؛ مصطلح العلمانوية laïcisme؛ باعتبارها تجربة ارتبطت بالثورة على الإكليروس؛ الذين كانوا يوظفون سلطة الكنيسة لفرض هيمنتهم على الدولة والمجتمع؛ ولذلك كان رد الفعل ضد الدين عنيفا؛ بحيث تم تهميشه في الحياة المدنية؛ عبر قرارات صارمة فرضتها الدولة على المواطنين وعلى المؤسسات.
 وبالإضافة إلى التجربة الفرنسية؛ اتخذ مفهوم العلمانية بعدا إيديولوجيا في الأدبيات الماركسية؛ التي نهلت منها مجموع دول المعسكر الشرقي؛ من الاتحاد السوفييتي؛ إلى أوروبا الشرقية؛ إلى أميركا اللاتينية؛ وبعض الأحزاب الشيوعية العربية؛ وقد تم التعامل مع العلمانية في هذه الأدبيات باعتبارها نفيا للمكون الديني؛ الذي اعتبر بلغة ماركسية مصكوكة؛ أفيون الشعوب الذي يخدرها ويمنعها من النضال ضد الاستغلال والعبودية! كما حضرت العلمانية في التجربة الإسلامية؛ بشكل لا يختلف عن سابقيه؛ فقد عمل أتاتورك في تركيا على تجسيد العلمانوية الفرنسية؛ باعتبارها معاداة للدين؛ وبذلك فرض على المجتمع التركي إيديولوجية؛ تتناقض مع مرجعيته الثقافية؛ وهذا ما أدى؛ على المدى القريب بله البعيد؛ إلى نتائج معاكسة تماما لطموحات أب الأتراك.
 ولذلك؛ نجد الأستاذ محمد أركون؛ يؤكد على أن تجربة تركيا العلمانوية قد ذهبت بعيدا في جرأتها؛ لكنها لم تكن في الواقع إلا (كاريكاتيرا) للعلمنة؛ رافقته بعض التطرفات؛ كما حدث في فرنسا سابقا؛ لكن الشعب التركي لم يستجب لهذه التجربة التي دوخته؛ مما يفسر العودة الدينية العنيفة". (13)
 ومن خلال عرضنا لهذه الأشكال الأيديولوجية؛ التي حضر من خلالها مفهوم العلمانية؛ باعتبارها ثورة ضد المكون الديني (العلمانوية laïcisme )؛ يمكن أن نفهم بوضوح عمق الظاهرة الدينية؛ التي لا يمكن مقاربتها من منظور إيديولوجي ضيق؛ بل تتطلب مجهودا فكريا؛ يرتبط بتاريخ الأديان المقارن؛ بالإضافة إلى الأنطروبولوجيا الثقافية وسوسيولوجيا الدين؛ وكلها تخصصات علمية؛ تسعى إلى مقاربة الدين كظاهرة؛ تتطلب مقاربة علمية لا تقل قيمة عن مقاربة مختلف الظواهر الإنسانية الأخرى. ولعل ما يؤكد هذه الرؤية؛ هوالفشل الذريع الذي منيت به هذه التجارب العلمانوية؛ سواء في التجربة الفرنسية؛ أوفي التجربة الأتاتوركية؛ أوفي الإيديولوجية اليسارية الشيوعية؛ حيث كانت النتيجة دائما؛ انفجار المكبوت الديني بشكل أعنف لا يمكن مقاومته.
 ولعل أبرز مثال على ذلك؛ هوما يقع في تركيا الآن؛ حيث يوضع التراث العلمانوي الأتاتوركي في مهب الريح؛ ويتحدث المراقبون؛ اليوم؛ عن ظاهرة ثقافية جديدة يطلقون عليها اسم "العثمانيون الجدد" والتي يتزعمها حزب العدالة والتنمية؛ الذي يسيطر على السلطتين التشريعية والتنفيذية في الدولة التركية؛ ويقود ثورة صامتة ضد العلمانويين الأتراك. ويقدم هذا النموذج دروسا عميقة؛ لبعض النخب العربية المؤدلجة؛ والتي تقود حربا دونكشوطية ضد الدين الإسلامي؛ من منظور سياسوي يفتقد أبسط شروط التفكير العلمي الحديث؛ بحيث لا تنتج إلا خطابات فارغة من أي مضمون علمي؛ يقارب الدين كظاهرة تستحق الدراسة والتحليل.
التجربة الإسلامية التركية.. من العلمانوية الأتاتوركية والسلفية النصية إلى العلمانية المحافظة
 يحضر الإسلام السياسي/الحركي؛ مجسدا في حزب العدالة والتنمية؛ كقائد لمجموع التحولات الحاصلة داخل المجتمع التركي؛ سياسيا واجتماعيا وثقافيا. فمنذ وصوله إلى الحكم بأغلبية ساحقة سنة 2002؛ دشن الحزب لمرحلة جديدة في تاريخ تركيا؛ تقوم على محورين أساسيين:
يرتبط المحور الأول بالمنحى الفكري والثقافي العام؛ حيث يعمل الحزب على محاولة تصفية الإرث العلمانوي الاتاتوركي؛ الذي فرض على المجتمع التركي نموذجا ثقافيا؛ لا يستجيب لانتمائه الحضاري الإسلامي؛ وفي نفس الآن لا يستجيب لأبسط مقومات الفصل العلمي بين السلطتين الروحية والمادية. ولذلك فقد كان صورة مشوهة من العلمانوية الفرنسية؛ التي قامت على أساس استئصال كل الامتدادات الروحية في المجتمع الفرنسي؛ ونظرا لهذا الطابع الإيديولوجي الفج للعلمانوية الأتاتوركية؛ فقد أدت تركيا الثمن غاليا؛ من استقرارها الاجتماعي والثقافي؛ كما أدت ثمنا أغلى من عمقها الاستراتيجي. وما يبدوواضحا لحدود الآن؛ فإن حزب العدالة والتنمية من خلال نخبه الأكاديمية المؤهلة؛ قد نجح إلى حد بعيد في إعادة تشكيل النسق الاجتماعي والثقافي في تركيا؛ وتقود هذا التحول كبرى الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني؛ كما تقوده النخبة المثقفة عبر الصحافة؛ ومختلف الأندية الثقافية.
 يرتبط المحور الثاني بالمنحى السياسي؛ وعلى هذا المنحى يقود حزب العدالة والتنمية صراعا مريرا ضد المؤسسة العسكرية؛ التي حكمت تركيا طوال عقود تحت القبضة الحديدية؛ كما أنها كانت طوال فترات حكمها حامية التراث العلمانوي الأتاتوركي؛ في السياسة والثقافة؛ وفي الامتداد الاجتماعي؛ وسنت لذلك قوانين خاصة؛ تمنحها مشروعية التدخل لحماية القيم الأتاتوركية؛ التي تتخذ أشكالا متعددة ترتبط بحرية التأويل التي يمتلكها العسكر. وعلى هذا المستوى تقود النخب السياسية الإسلامية صراعا دستوريا؛ بهدف الحد من السلطات اللامحدودة؛ التي خولها الدستور للمؤسسة العسكرية.
وسواء على المستوى الثقافي أوعلى المستوى السياسي؛ فإن حزب العدالة والتنمية بتأسيسه لهذا النموذج الإسلامي الجديد؛ يكون قد نجح إلى أبعد الحدود؛ في التقريب بين نموذجين متناقضين فكريا وسياسيا؛ في الفكر الإسلامي:
 يقوم النموذج الأول على التأويل السلفي للنصوص الدينية؛ محاولا تقييد الواقع المتحرك بالنص الثابت. وهذا النموذج تجسده الكثير من الحركات السلفية في العالم العربي؛ والتي تعتبر إما امتدادا للنموذج السلفي الوهابي؛ أوامتدادا لنموذج الإخوان المسلمين (14)
ويقوم النموذج الثاني؛ على أساس علمانوي (15) يرفض كل ما يمت بصلة إلى مجال الدين؛ وهذا النموذج إما يحضر بامتدادات يسارية/ماركسية وإما يحضر بامتدادات ليبرالية؛ ترتبط بنموذج الثورة الفرنسية؛ التي كرست الصراع والعداء بين المكون الروحي (الدين) والمكون المادي (الدولة).
 إن الصراع القائم بين هذين النموذجين؛ في الفكر الإسلامي؛ منذ انفتاحه على الغرب؛ إبان مرحلة القرن التاسع عشر؛ وهذا الصراع والتناقض القائم لا يتجسد حزبيا فقط؛ بل يتجاوز ذلك لخلق نفس الصراع والتناقض على مستوى المجتمع ككل؛ والذي انقسم على نفسه منذ الانفتاح المتحقق على الغرب؛ إلى تيارين متصارعين؛ لكل تيار أجندته ورهاناته الخاصة؛ التي يسعى إلى فرضها على الجميع. إنه الصراع بين ما هوأصيل (سلفي غالبا) ومعاصر ( يساري-ليبرالي غالبا).
 لكن النموذج الذي يؤسس له حزب العدالة والتنمية في تركيا؛ يسعى إلى ردم هذه الهوة القائمة بين النموذجين؛ ويقدم الدليل في كل مرة؛ على أن الصراع الحاصل في الفكر الإسلامي؛ بين النموذجين طوال قرن من الزمن؛ لا يتجاوز الطابع النفسي؛ بحيث ترسخ لكل طرف عداء نفسي غير مبرر للطرف الثاني؛ يمنعه من مد جسور الحوار والتواصل الفكري نحوه.
 ومن هذا المنظور؛ فإن كل ما قيل وكتب حول مسألة رفض الإسلام للحداثة؛ بما تجسده من ديمقراطية سياسية وليبرالية فكرية وحرية سوق اقتصادية؛ كل ما قيل وكتب حول الرفض الإسلامي للحداثة؛ يوضع الآن مع التجربة الإسلامية الجديدة في تركيا؛ على محك النقد التفكيكي الصارم الذي لا يدع مجالا لتدخل النزعات الإيديولوجية الفجة.
 إن قادة ومنظري الحزب الإسلامي التركي يستثمرون كل منجزات الحداثة (سياسيا واقتصاديا واجتماعيا) من أجل ترسيخ النموذج الإسلامي في تركيا؛ وهم يقودون عملية بناء هادئة؛ لنموذج علماني أصيل؛ يقوم على الفصل بين السلطتين الروحية والمادية؛ فصلا علميا؛ يتناقض مع النموذج العلمانوي الأتاتوركي؛ ذي النزعات الإيديولوجية الفرنسية. وهم بذلك لا يؤسسون فقط لمرحلة جديدة في تركيا؛ ولكنهم يؤسسون لمرحلة جديدة في العالم الإسلامي ككل؛ تقوم على أساس التصالح؛ بين الأصيل والمعاصر؛ بين الدين والدولة؛ بين الإسلام والحداثة بتعبير أشمل. (16)
 ولتجسيد هذه الرؤية فكريا وسياسيا واجتماعيا؛ فقد تبنى مؤسسوالحزب آلية "الديمقراطية المحافظة " وهي نظام سياسي واجتماعي توفيقي؛ تنسجم فيه الحداثة والتراث من جانب؛ والقيم الإنسانية والعقلانية من جانب ثان؛ فهي تقبل الجديد ولا ترفض القديم والمحلي؛ وتحترم الآخر وتؤمن بخصوصية الذات؛ وترفض الخطاب السياسي القائم على الثنائيات؛ التي تفرض رؤية سياسية أوعرقية أوإيديولوجية أودينية... واحدة تلغي ما سواها؛ وتؤكد أن الدولة يجب أن يتوقف دورها عند تسيير الأمور؛ من خلال الحد من التناقض؛ عبر التوفيق بين مختلف الاتجاهات؛ بتحقيق التفاعل الإيجابي في المجتمع؛ بما يساهم في إيجاد بيئة يتعايش فيها الجميع دون استقطاب أواستئثار. وتتعدى ديمقراطية الحزب؛ الانتخابات ونزاهتها؛ والبرلمانات وقدسيتها؛ إلى تنشيط دور المجتمع المدني واحترام الحريات؛ وضمان الحق في الاختلاف والمشاركة؛ وتوزيع واستقلال السلطات؛ وهي المبادئ العامة للديمقراطية المحافظة؛ والتي يسعى الحزب إلى تحقيقها في الحياة السياسية التركية. (17)
 وتتأطر هذه الديمقراطية المحافظة؛ التي يسعى الحزب الإسلامي إلى ترسيخها في الدولة وفي المجتمع التركي؛ تتأطر من خلال رؤية علمانية (محافظة)؛ تسعى إلى التوفيق بين حضور الدين في الدولة وفي الحياة العامة من جهة؛ ومن جهة أخرى إلى تقنين هذا الحضور من منظور مؤسساتي واضح؛ يقوم على أساس نموذج سياسي تركي أصيل؛ تجسد منذ الإمبراطورية العثمانية؛ يؤمن بان " الدولة تسبق الدين بخطوة " (18). وهذا هوما يجسده قادة الحزب؛ سواء على مستوى التنظير؛ أوعلى مستوى الممارسة. الدين هوشيء مهم بالنسبة لي على المستوى الفردي –يؤكد أردوغان- لكنه لن يكون كذلك في الفضاء العام الاجتماعي والسياسي؛ حيث يجب أن تتنافس البرامج والأفكار والخطط؛ ويكون الاختيار بينها والتصويت عليها؛ عبر العملية الديمقراطية (19) ومن هذا المنظور؛ يرفض (أردوغان) مفهوم (الحزب الإسلامي) مفضلا أن يكون الحزب (سياسيا)؛ وذلك لأن تسمية الحزب بالإسلامي؛ في دولة أغلبية ساكنتها من المسلمين؛ يكون قوة انقسام في المجتمع؛ بينما الدين هوقوة توحيد.
 كلها مؤشرات تؤكد بالملموس أننا بصدد ظاهرة سياسية غير مسبوقة في العالم الإسلامي؛ حيث تم اعتماد روح العلمانية؛ التي تقتضي الفصل بين السلطتين الروحية والمادية؛ من دون خلط بينهما؛ فلكل سلطة مجال تدخلها الخاص. ولعل هذا؛ هوما يمثل روح الإصلاح الديني في أوربا مع الحركة البروتستانتية؛ حيث تم انتزاع السلطة المادية من قبضة الكنيسة؛ وتم تفويضها للشعب؛ الذي يختار ممثليه عبر صناديق الاقتراع؛ ومن ثم أصبح الشعب يمارس السلطة عبر ممثليه؛ بدلا من ممارسة الكنيسة للسلطتين الروحية والمادية؛ بادعاء التفويض الإلهي.
 إن هذا النموذج الذي يجسده حزب العدالة والتنمية في تركيا؛ والذي يقوم على أساس (ديمقراطية محافظة) تفضي إلى (علمانية محافظة)؛ هونموذج أصيل في الفكر الإسلامي؛ قبل إعادة صياغته من طرف السلطة السياسية لخدمة مصالحها؛ فالعلمانية التي هي أساس الدولة المدنية؛ تمتلك في التاريخ الإسلامي مشروعية تاريخية كبيرة؛ تنهل من معين النص الديني المؤسس؛ قبل أن ترتبط بالممارسة العملية؛ ولعل هذا؛ هوما سعى تراث عصر النهضة الفكري إلى ترسيخه؛ وخصوصا مع المفكر النهضوي والشيخ الجليل (علي عبد الرزق) في كتابه (الإسلام وأصول الحكم)؛ الذي دحض فيه بالدليل والحجة الدينية؛ نموذج الخلافة (الدولة الدينية)؛ واعتبرها منتوجا تاريخيا؛ كغيره من منتوجات الفكر والسياسة...
الإسلام السياسي في العالم العربي.. في الحاجة إلى إحياء النموذج النهضوي الموؤود
 نجح المد الثوري الذي يعيشه العالم العربي؛ في نقل حركات الإسلام السياسي إلى الواجهة؛ باعتبارها الصوت السياسي الذي استطاع الحصول على الشرعية الشعبية؛ وقد كان ذلك؛ تجسيدا لرغبة الشعوب العربية؛ في تحقيق تحولات جذرية؛ على مستوى الاقتصاد والسياسة والثقافة والمجتمع؛ وهذا النجاح الذي حققه الخيار الإسلامي في العالم العربي؛ يفرض مسؤوليات تاريخية على قيادات الحركات الإسلامية؛ التي تجد نفسها اليوم؛ في مواجهة اختبار سياسي حقيقي؛ يحدد مصيرها حاضرا ومستقبلا. وذلك لأن الشعوب العربية غير مستعدة؛ اليوم؛ لتقبل نموذج الدولة الدينية؛ التي تعتمد القراءة النصية الجامدة للنص الديني؛ لبرمجة الواقع وفرملة الديناميكية؛ التي يعيشها العالم العربي على إيقاعات الحداثة والعولمة.
 إن أول ما يجب أن يدركه قادة المشروع الإسلامي؛ هوأن الخيار السلفي النصي؛ على الطريقة الوهابية أوعلى الطريقة الإخوانية (الإسلام هوالحل) لن ينجح البتة؛ في إقامة مشروع سياسي واجتماعي وثقافي حديث في العالم العربي؛ ولعل أول من سيواجه هذا الخيار هوالشعوب العربية نفسها؛ التي وضعت ثقتها في الخيار الإسلامي؛ وهي تحلم بالنموذج التركي؛ الذي ركب التحدي؛ ونجح في المزاوجة بين القيم الروحية الإسلامية؛ وبين قيم الحداثة في المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
 ومن هنا؛ يجب على الحركات الإسلامية؛ أن تضع كل ما راكمته من تراث على المحك؛ وأن تلتزم الشجاعة الأدبية؛ في تقويم الكثير من الرؤى التي بلورتها؛ خلال مراحل الصراع مع الأنظمة الحاكمة؛ وهي رؤى يمكن فهمها في سياق ردود الفعل الطبيعية؛ على الاستلاب والاغتراب الحضاري الذي فرضته الأنظمة الحاكمة؛ في سعيها إلى بناء نموذج يقوم على أساس تحديث معاق؛ يتخذ العنف الرمزي والمادي كمنهج لترويض المجتمع. لكن بعد حصول الخيار الإسلامي على الشرعية الشعبية؛ ليس هناك أي مبرر للاستمرار في إصدار ردود الفعل؛ بل يجب الانتقال إلى مستوى الفعل العقلاني والمدروس؛ الذي يسعى إلى خدمة المجتمع وتطويره؛ ضمن سياق من التواصل والحوار المتبادل؛ في منأى عن أية ثنائيات إيديولوجية مقرفة (مؤمن/كافر- متدين/غير متدين...) لأن العمل على تقسيم المجتمع إلى فئتين؛ فئة ناجية وأخرى ساقطة في الجحيم؛ هذا التقسيم سيرسخ من جديد المنهجية القديمة؛ وسنتحدث يوما؛ عن رد الفعل العلماني ضد الدولة الدينية؛ كما كنا نتحدث لوقت قريب؛ عن رد الفعل الديني ضد الدولة العلمانية. وذلك لأن التطرف واحد؛ في الأخير؛ لا لون ولا جنس له.
 لقد أصبح من اللازم؛ اليوم؛ أن يعبر المشروع الإسلامي في العالم العربي؛ عن نضجه الفكري والسياسي؛ وهذا الرهان لن يتحقق –طبعا- مع استمرارية القراءة النصية/السلفية للنص الديني؛ والتي ميزت الكثير من أدبيات الحركة الإسلامية؛ في مجال الثقافة والسياسة والمجتمع؛ وهي أدبيات لا تستقيم مع الحركية التي تعيشها المجتمعات العربية؛ التي اندمجت في السياق العولمي/الحداثي؛ ولا يمكن لأي قوة سياسية أن تعود بها القهقرى؛ وإلا سنعيش صدامات من نوع جديد؛ ستهدد بالضرورة المشروع الإسلامي؛ بدعوى فشله في ترشيد العلاقة بين الإسلام (الخصوصية) والحداثة (الكونية). وفي هذا السياق؛ لا يمكن للمشروع الحركي الإسلامي أن ينجح في مهمته؛ من دون الاسترشاد بإنجازات الفكر النهضوي؛ والتي كانت سباقة (القرن 19) إلى طرح الإشكاليات الحقيقية؛ التي يمكنها أن تعيق تقدم المشروع الإسلامي.
 وإذا عدنا إلى المنطلقات الأساسية للفكر النهضوي العربي؛ فإننا نجدها ترتكز على أن الإسلام تجربة دينية؛ وليست البتة تجربة سياسية؛ والقرآن الكريم يؤكد ذلك (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)؛ والعالمين هنا تأكيد على كونية الدين الإسلامي؛ لا على ربطه بنظام سياسي معين؛ لأن رسول الإسلام عليه السلام؛ لم يكن رئيس دولة أوملكا ولكن كان نبيا؛ أما الدولة التي تأسست في عهده فلم تكن غاية بل وسيلة فقط؛ فلا يرببنك هذا الذي ترى أحيانا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيبدولك كأنه عمل حكومي؛ ومظهر للملك والدولة؛ فإنك إذا تأملت لم تجده كذلك؛ بل هولم يكن إلا وسيلة من الوسائل التي كان صلى الله عليه وسلم يلجأ إليها؛ تثبيتا للدين وتأييدا للدعوة " (20) ويضيف العالم الإسلامي الجليل (علي عبد الرازق): والحق أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون؛ وبريء من كل ما هيؤوا حولها من رغبة ورهبة؛ ومن عزة وقوة. والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية؛ كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة؛ وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة. (21)
 إن مفهوم الدولة الدينية التي تحتكر السلطتين المادية والروحية غير قائم في الأدبيات السياسية الإسلامية الأولى؛ بل هي نتيجة للعصور التالية؛ التي اعتمد خلالها النص الديني كوسيلة في الصراع السياسي؛ عبر تأويله لخدمة مصالح المتصارعين. ولعل هذا هوما جعل الثقافة الإسلامية من بين الثقافات المؤهلة للفصل بين السلطتين الروحية والمادية؛ وبالتالي التأسيس للدولة المدنية في مقابل الدولة الدينية.
 إن هذا المدخل؛ هوالذي ينطلق منه حزب العدالة والتنمية؛ في التأسيس للنهضة التركية؛ على أساس اعتماد روح العلمانية؛ بعد تخليصها من الإيديولوجية؛ وهذا المدخل –في الحقيقة- هونفسه الذي انطلقت منه النهضة العربية؛ إبان مرحلة القرن التاسع عشر؛ قبل وأدها على يد التيار السلفي النصي؛ الذي اعتلى المنصة مدعوما بأموال البترودولار.
 ولعل إطلالة خاطفة على ما تركه جيل النهضة؛ من المشرق العربي ومغربه؛ لتجعلنا ندرك قيمة المنجز الفكري والسياسي؛ الذي خلفه الفكر النهضوي؛ سواء مع محمد عبده وعلي عبد الرازق؛ أومع علال الفاسي ومحمد بن الحسن الحجوي... وكلها أسماء فكرية رائدة؛ ساهمت بقوة في التأسيس للنهضة العربية؛ من منظور إصلاحي؛ يقوم على أساس الاجتهاد في قراءة النص الديني؛ ليستجيب لحركية الواقع.
 وقد خلف هذا الجيل أعمال فكرية رائدة؛ تسعى إلى ترجمة روح الإسلام؛ من منظور علمي رصين؛ يستفيد من منجزات علم أصول الفقه؛ وخصوصا ما ارتبط منه بالفكر المقاصدي الذي أسسه الشاطبي. وقد ترجم العالم الأزهري الرائد (علي عبد الرازق) هذه التطلعات النهضوية؛ القائمة على الاجتهاد في قراءة النص الديني؛ ترجمها بقوة في كتابه الذي قلب الموازين الفكرية والسياسية السائدة في الفكر الإسلامي (الإسلام وأصول الحكم )؛ والذي كان ما بعده مخالفا تماما لما قبله؛ وذلك لأن الكتاب قد تناول مبحث الخلافة والإمامة في الفكر والتاريخ الإسلامي؛ ثم خلص إلى نتيجة مفادها أن هذا النظام غريب عن الإسلام؛ ولا أساس له في الأصول والمصادر المعتمدة للدين عند المسلمين؛ من كتاب وسنة وإجماع.(22)
 إننا ونحن ندعوإلى ضرورة إحياء النموذج النهضوي؛ لقيادة المشروع الإسلامي إلى بر الأمان؛ ندرك تمام الإدراك؛ أن الفرصة مواتية للعالم العربي؛ كي يؤسس لنهضة فكرية وسياسية؛ لا تلغي المنجز الحضاري الإسلامي الذي يؤسس لخصوصيتنا؛ وفي الوقت ذاته لا تلغي المنجز الفكري والسياسي الحديث الذي يربطنا بالعالم من حولنا؛ ويفتح أمامنا المجال للمساهمة في تطوير الفكر الإنساني. وهذا يتطلب من قادة الحركات الإسلامية؛ حكمة عند التقدير وجرأة أثناء الممارسة وتواضعا عند التقييم؛ لأن التحولات الجذرية التي يعيشها العالم العربي؛ تفرض –أكثر من أي وقت مضى- التزام هذه المقومات المنهجية؛ لإنجاح المشروع الإسلامي؛ الذي يجب أن يتجاوز كونه مواقع سياسية؛ تنفيذيا وتشريعيا؛ إلى ارتقائه لمستوى مشروع حضاري عربي-إسلامي متكامل؛ يكون قادرا على إحياء أمجاد أمتنا حاضرا ومستقبلا.

عود على بدء
 نقرأ على الغلاف الخارجي الخلفي؛ من كتاب فرانسوا بورغا (الإسلام السياسي صوت الجنوب): على مدى عدة سنوات؛ انشغل الكاتب بتحري الأوضاع في دول شمال إفريقيا وفي دول الشرق الأوسط؛ وهويؤكد أن القوى النابعة من تيار الإسلام السياسي؛ هي إلى حد كبير القوى المرشحة؛ في مختلف أنحاء العالم العربي؛ لتحل محل أنظمة حكم ما بعد الاستقلال. وهذا الاستشراف العلمي؛ يعود إلى سنة 1988؛ ولذلك فإننا نستبعد أن تكون قد تحكمت في المؤلف أية خلفيات إيديولوجية؛ غير التزامه منهج البحث السوسيولوجي والسياسي؛ الذي أفضى به؛ في الأخير؛ إلى استنتاج هذه الخلاصة.
 ما يهمنا من هذا الاستشراف؛ هوالتأكيد مرة أخرى؛ على أن الإسلام السياسي في العالم العربي؛ ليس ظاهرة جديدة؛ وليس بضاعة مستوردة؛ لقد ولد ولادة شرعية في فضاء حضاري عربي إسلامي؛ ظل لعقود مستعصيا عن الانقياد خلف المشاريع الاستعمارية؛ التي كانت تسعى إلى استئصال كل مقومات الحضارة العربية الإسلامية؛ بادعاء التحديث.
 وإذا كان المشروع الإسلامي قد نجح في التصدي للأجندة الاستعمارية التغريبية؛ في مرحلة أولى؛ فإن التحدي الذي يواجهه اليوم؛ هواكبر من التحدي السابق؛ إن الجهاد الأكبر الذي ينتظر قادة المشروع الإسلامي؛ هوالجهاد من أجل ترسيخ القيم الفكرية والسياسية الحديثة؛ التي لا يمكن للمشروع الإسلامي أن يتقدم من دونها؛ خصوصا وأنه مدين في صعوده؛ للقوى الشعبية التي ناضلت وثارت؛ من أجل ترسيخ قيم الديمقراطية؛ ضدا على قيم الاستبداد والتسلط. ولا يمكن ترسيخ هذه القيم الحديثة؛ إلا من خلال الإيمان بنموذج الدولة المدنية؛ التي توفر حقوق المواطنة لجميع مواطنيها؛ باختلاف أجناسهم وأديانهم ولغاتهم؛ دولة تحافظ على خصوصية الدين وتعمل على حمايته؛ وفي نفس الآن تحافظ على خصوصية الدولة؛ وتعمل على حمايتها.


د. إدريس جنداري، كاتب وباحث أكاديمي مغربي

الهوامش:
François burgat- L’islamisme au Maghreb : la voix du اsud, Edition Karthala 1988.
فرانسوا بورغا – الإسلام السياسي صوت الجنوب- ترجمة: د. لورين زكرى – نشر: دار العالم الثالث – ط: 2 – 2001.
نفس المرجع – ص: 7
 نفسه – ص: 7
 نفسه- ص: 10
نفسه- ص: 83
نفسه – ص: 83
نفسه- ص: 85-86
نفسه – ص: 86
نفسه- ص: 10
نفسه ص: 99
محمد أركون – تاريخية الفكر العربي الإسلامي – ترجمة: هاشم صالح – المركز الثقافي العربي – ط: 2 – 1996 – ص: 291
 نفس المرجع – ص: 278
لمكر الصدف؛ فقد التقى النموذجان معا في ساحة الجهاد الأفغاني؛ وشكلا معا الفكر القاعدي (أسامة بلادن- أيمن الظواهري)
أطلق الأستاذ محمد أركون اسم العلمانوية Laïcisme/ على النموذجين الإيديولوجيين الفرنسي والتركي -أنظر: تاريخية الفكر العربي الإسلامي – مرجع سابق.
هذا المصطلح مأثور عند الأستاذ محمد سبيلا؛ الذي كتب كثيرا عن العلاقة بين الإسلام والحداثة – أنظر في هذا الصدد كتابه: الحداثة وما بعد الحداثة.
كمال السعيد حبيب- الإسلاميون الأتراك من الهامش إلى المركز-ضمن كتاب: تركيا بين تحديات الداخل ورهانات الخارج - الدار العربية للعلوم- ط: 1 – 2009 ص: 116.
مصطفى محمد – الحركة الإسلامية الحديثة في تركيا (ألمانيا الغربية – ط:1- 1984 ) ص: 171.
نفس المرجع
علي عبد الرازق- الإسلام وأصول الحكم – الهيئة المصرية العامة للكتاب- ص: 79
نفسه- ص: 103.
علي عبد الرازق – الإسلام وأصول الحكم- دراسة ووثائق بقلم: د. محمد عمارة – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – ص: 7.

 

 

المزيد من قضايا

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب