|
السبت, 26 نوفمبر 2011 15:43 |
عزيز العصا - لا شك في أن العالم أصبح قرية صغيرة، وأن التكنولوجيا تتسارع باتجاه الأفضل، بل أفضل الأفضل، وما يعنيه ذلك من تسارع في التطور بما يخدم البشرية، وإن كان في هذا التطور ما يختزن في طياته عوامل الفناء لبني البشر إذا ما أسيء استعماله. أي أنه لم يعد هناك مجال لعزل حضارات الأمم والشعوب عن بعضها والمحافظة على استقلاليتها كسمة خاصة بشعب أو أمة. وبالتالي أصبح من المهم الالتزام بمصطلح الحضارة الإنسانية التي هي نتاج إسهامات الأمم والشعوب، مجتمعة، على هذا الكوكب.. من هنا، فلا بد أن تحدد كل أمة دورها، وأن تنافس الأمم الأخرى لكي تتبوأ المركز الذي ترغبه..
وفي محاولة جادة لتشخيص دورنا، كأمة، في الحضارة الإنسانية أرسل لي صديقي رسالة الكترونية تتطرق إلى مقارنة بين إنجازاتنا وإنجازات الأمم الأخرى (أميركا، أوروبا، الهند، اليابان... الخ) في التكنولوجيات المتقدمة، في البر والبحر والجو وفي جميع المجالات ذات الصلة بحياة بني البشر. فاستعرض صوراً تثير البهجة والسرور في النفس، وهي نماذج لأضخم وأحدث إنجازات العقل البشري في العالم، نعجز عن وصفها بالكلمات.
استشهد صديقي بطائرة مزودة بأحدث رادار، وسفينة، وقمر صناعي للتجسس، وأقمار صناعية للأبحاث العلمية، وأسرع قطار في العالم بإمكانه أن يقطع المسافة بين لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو في ساعتين ونصف، وأحدث كاميرا للتصوير الرقمي، وقرص مدمج صغير بسعة تزيد عن (2000) جيجا بايت؛ أي ما يعادل سعة أكثر من (500) حاسوب عادي من التي بين أيدينا الآن..
لم ينتهِ المشهد بعد.. فقد استمر بعرض الصور على مستوى العالم، فجاء دور إنجازاتنا التي نتغنى بها لأكبر كبسة (السعودية والطباخون هنود)، وأكبر كنافة (فلسطين)، وأكبر شاورما (سورية)، وأكبر صحن حمص (لبنان).. وتنتهي الرسالة بالتعليق "الافتراضي" على لسان النظام العربي الرسمي: "ما فائدة التكنولوجيا إذا كانت المعدة فارغة؟!"..
إن في الوصف أعلاه ما يثير الاشمئزاز بشأن الحال الذي آلت إليه أمة "إقرأ" التي أنارت للبشرية دروب العلم والمعرفة لقرونٍ خلت.. ولكي لا نصرف جهدنا ووقتنا في التغني بالماضي، ولكي نصحو من غفلتنا، فلا بد من التوقف عند واقعنا المؤلم بالتشخيص والمعالجة.. وتبدأ الخطوة الأولى، في هذا كله بالوقوف، بصلابة وثقة بالنفس، في وجه الحكام والأحزاب والجماعات والأفراد الذين بددوا خيرات الأمة وثرواتها وألقوا بأبنائها، من العلماء والعباقرة والمبدعين، على قارعة الطريق يموتون غيظاً وقهراً وهم عاجزون عن تحرير طاقاتهم وإبداعاتهم القادرة على وضع أمتهم في مكانة تليق بها بين الأمم.
لتفسير السبب في محاسبة أولئك جميعاً نستشهد بتعريف الحضارة، فهي: " نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وتتألف من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون؛ وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمِنَ الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها" (موسوعة ويكيبيديا).
يتضح لنا من هذا التعريف دور المذكورين أعلاه في الانحدار الذي تعاني منه الأمة على مستوى دورها في الحضارة الإنسانية. فلم تُكرس الموارد الاقتصادية بما يسد الرمق لصالح العلم والعلماء والمبدعين وأصحاب الأفكار الخلاقة، ولم يكرس منها ما يكفي لبناء نظم تربوية قادرة على صياغة المواطن القادر على الاستجابة لروح العصر. والنظم السياسية لم تكن -إلا من رحم ربك- في حالة تناغم مع احتياجات المخترعين والمبتكرين القادرين على رفع شأن الأمة وجعلها في مكانة مرموقة في سفر الحضارة الإنسانية.
كما أن واقعنا، المتخلف عن ركب الحضارة، لم ينبثق عن عجز في قدرة الفرد، وإنما هي نتاج طبيعي للاضطراب والقلق الذي يعيشه إنساننا، وأن الخوف الذي ينتابه في حله وترحاله، منذ كان نطفة وحتى مماته، وما تضمنه ذلك من تكميم للأفواه، واتساع مساحة الممنوعات حتى تشمل كل تفاصيل فكره وتفكيره، ويجري هذا كله في ظل نظام تعليمي-تربوي يسعى لصياغة إنسانٍ خانعٍ مغلوب على أمره همه الوحيد أن يرسم ابتسامة على شفاه الحاكم ومن يحيط به من "بلطجية" و"شبيحة" ونظم قمع بالأشكال والألوان كافة.. وعليه، تكون النتيجة "الاسمنتية" مواطن/ فرد يفتقر لدوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء..
لأن الشيء بالشيء يذكر.. ولأن مشاهد ما سمي بالربيع العربي تتحدث عن نفسها.. وبعد أن اشتعلت ليبيا بنيران أتت على نظام حكمٍ دخل العقد الخامس من عمره، والقاهرة التي نرجو الخالق القادر، جل شأنه، أن ينجي أهلها وحضارتها من السوء الذي يخططه لها أعداؤها، وسورية التي تغرق بدماء أبناء الشام الذي يقضون يومياً، بل في كل لحظة، بأيدي شبيحة-قتلة على مذبح مؤامرة داخلية-خارجية تستهدف وحدة سورية وأهلها، واليمن الذي تتربص به قوى ونظم محيطة تضمر له الشر ليذهب في مهب الريح، والعراق الذي مزقته هجمة استعمارية هدفت إلى إخراجه من المعادلة الجيوسياسية في المنطقة..
في ظل هذا كله نجد أنفسنا أمام السؤال الاستراتيجي التالي: هل سينتهي الأمر بنا إلى دور في الحضارة الإنسانية؟ وفي استطلاع لرأي أصدقائي من أصحاب الفكر، قال أحدهم: أخشى أننا في طريقنا للانتقال من "دلف" التخلف والجهل وقمع الأنظمة وسطوتها إلى "مزراب" توظيف طاقات الأمة وثرواتها وإمكاناتها الجغرافية والديموغرافية لخدمة استعمار جديد بلون جديد وثوب جديد؟ فقال آخر: عندئذ تكون فرصتنا، الوحيدة، في الانتعاش هي لحظة انتقالنا بين "الدلف" و"المزراب"!
وللمتحاوريْن من أصدقائي أقول: ننتظر من صانعي ربيع الأمة، في كل الأماكن، أن تتوج تضحيات شعبنا، من المحيط إلى الخليج، بتحقيق حالة تحرر حقيقية تطلق طاقات الأفراد والمجتمعات لتعيد للأمة أمجادها وتتبوأ المكانة التي لا تقل عن مكانة صانعي الطائرات والسفن والقطارات وأنظمة المعلوماتية.. وعندئذ فقط نزهو بانتمائنا إلى أمة "إقرأ" بعيداً عن انحسار التباهي بالمأكولات التي يتعامل معها البعض على أنها كافية للدور المطلوب للإسهام في الحضارة الإنسانية.
عزيز العصا، كاتب فلسطيني
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
|