|
الاثنين, 09 يناير 2012 17:25 |
د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب - هناك اسئلة محرضة عديدة على الدولة المرتجاة ما بعد ثورات الربيع العربي لان اهداف الثورة هو التغيير وليس التهريج والتغيير بحاجة الى غرف وورش عمل مضنية.
في هذا السياق ياتي على الالسن ترديد مصطلحات عديدة مثل الشارع العام التي تعتبر كلمة مطاطية وخطيرة وهناك البعض يرى بان كلمة الراي العام هي افضل المهم ان ثورات الربيع العربي انتزعت الاغطية عن الانظمة الاستبدادية والخوف من بروز سلطات جديدة واهمها هي سلطة الشارع الذي يجب عدم اغفاله بعد اليوم والا ستدخل أي سلطة في صراع.
واي سلطة جديدة ستكون منفذة للشارع عبر مؤسسات الدولة لان الدولة الدستورية هي نتاج ديمقراطية وحديثة ودائما ما يكون العمل السياسي هو تفاعل بين ثلاثة مرتكزات التنظيم والفكر والجماهير حتى ينتج سلطة فعالة.
ولكن الخوف ان يتحول الشارع العام الى رهينة والى ثقافة العبودية التي تنتج في العادة عبادة الشخصية او يتحول الشارع او الراي العام ايا كانت التسمية ولكن الفارق بينهما كبير جدا وسنتحدث عنه فيما بعد قد يؤدي الى استبداد الشارع او الراي العام وهي مرحلة لاحقة بعد استبداد الحكام.
فعواطف الشارع العام قد تختطفهم الشعارات او الشخصيات الكارزمية خصوصا حينما تستطيع مثل هذه الشخصيات اللعب على الوتر الحساس لدى الشارع العام مثل البحث عن مخلص من ظلم اليهود او تخليصهم من الفقر والقهر والظلم الذي يعانون منه طيلة السنوات الماضية.
فمثلا هتلر اراد تخليص المانيا من معاهدات ما بعد الحرب العالمية الاولى هضمت فيها حقوق المانيا بحكم المنتصر فتسبب هتلر لالمانيا اكثر ما تسبب فيه العدو لالمانيا،ولا ننسى ان الثورة الخمينية استطاعت تجيش الشارع العربي والاسلامي تحت اغطية عديدة منها المقاومة والممانعة زادها تعبئة صمود حزب الله امام اسرائيل عام 2006 وكان الشارع العربي نسي انتصار العرب عام 1973 على اسرائيل ونسي ان الانتصار بحاجة الى اعداد وتنمية وبناء قوة .
فتاليه استبداد الشارع لا يقل عن تاليه الحاكم المستبد بسبب العواطف الجياشة والانفعال والبحث عن مخلص الذي يجعل المخلص يتخلص منهم،لان الشارع العام بعيدا عن الفكرة العقلية التي تنتقل بالاقناع والاقناع بحكم طبيعته فردية وليست جماعية ولكن يجب ان تكون بعيدة هي الاخرى عن الاستبداد الفكري.
ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم سن لنا منهجا وسطيا، فحينما طلب منه الصحابة ان يقتل عبد الله بن ابي رفض احتراما لراي الجماعة فقال ماذا يقول الناس امحمد يقتل اصحابة وفي نفس الوقت ارسى منهج المحاسبة وفق الظاهر وليس وفق الباطن لكن حينما تعلق الامر بتوحيد الله سبحانه وتعالى صمد في مكة ثلاثة عشر عاما حتى تتحقق كلمة التوحيد وتتكون جماعة سميت بالانصار انضمت الى جماعة المهاجرين كونت نواة امة الاسلام.
والدين الاسلامي يركز على لزوم الجماعة وفي احاديث كثيرة يد الله مع الجماعة بل ان الاسلام نهى الفرد عن ترك الجماعة وفي الحديث ان الغنم تاكل من الغنم القاصية، ما عدى زمن الفتن اذ امر الرسول صلى الله عليه وسلم المسلم تجنب مثل هذه الفتن.
واطاعة اوامر الجماعة ليس دائما بالصحيح (وان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله) (وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) (ولقد ضل قبلهم اكثر الاولين) وفي نفس الوقت ليس مطلوبا تطويع الجماعة بل ارشادهم وتوعيتهم وهنا ياتي دور العلماء والخبراء والمتخصصين (يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اتو العلم درجات) (فاسال به خبيرا) (فاسالوا اهل العلم ان كنتم لا تعلمون) بل ان الله سبحانه وتعالى امر الجماعة بالعودة ليس فقط الى اهل العلم بل الى الراسخين في العلم والمتخصصين خصوصا في الامور الامنية الخطيرة والمصيرية ( واذا جاءهم امر من الامن او الخوف اذاعوا به ولو ردوه الى الرسول والى اولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم لا تبعتم الشيطان الا قليلا) لذلك حذر الاسلام الجماعة من اتباع الامور المتشابه التي لا يقدرون على الخوض فيها وتركها للمتخصصين (ويتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الا الله والراسخون في العلم).
فالحق والصواب لا يبتغى من العامة ولا من الشارع بل من أهل الرأي وأهل الاختصاص (ولو اتبع اهل الحق اهواءهم لفسدت السموات والارض) حتى لا تنتج ثقافة الاكراه والكراهية ثقافة احادية طائفية منغلقة متعصبة والتحول نحو ثقافة العبودية الفكرية والطائفية التي تنتج عبادة الشخص مثل الخميني واية الله خامنئ ونصر الله وغيرهم كثيرون يتحدثون الى العامة بلغة شعبوية يتخذون من العامة رهينة لهم يقبعون في قوقعة مغلقة يستخدمونهم ادوات.
فالانقسام على الهويات والانتماءات المختلفة والمتناحرة هو بسبب عدم قدرتها على قراءة الواقع الجديد والمعادلات والمتغيرات التي غيرت قواعد اللعبة في كيفية المشاركة في صياغة مرحلة جديدة بدلا من النزوع الى هيمنة الاغلبية وتمسك الاقلية بمفاهيم عفى عليها الزمن مما تضيف الى الطائفية الاجتماعية طابعا مذهبيا دينيا يدخل الوطن في انقسامات خطيرة بسبب عدم وجود مشروع وطني لبناء الوطن والدولة من جديد متجاوزا الواقع التاريخي المرير.
د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب، استاذ بجامعة ام القرى بمكة
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
|