|
الثلاثاء, 07 فبراير 2012 22:48 |
الخمالي بدرالدين - في إطار الذكرى الأربعينية لرحيل المناضل الحقوقي والفاعل الجمعوي الأستاذ المحامي عبد الخالق الدغاي رحمه الله، نظمت عدة فعاليات جمعوية يوم الجمعة 3 فبراير 2012 بمدينة القصر الكبير ( شمال المغرب) ندوة سياسية تحت عنوان (الراهن السياسي ومستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان بالمغرب)، بحضور كل من المفكر الكبير الدكتور محمد سبيلا والدكتور جمال فزة أستاذ السوسيولوجيا بجامعة محمد الخامس بالرباط والأستاذ عبد السلام البقيوي رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب وبتأطير الأستاذ عبد الإله المويسي مدير تحرير مجلة بلاغات
وبعد قراءة الفاتحة ترحما على روح الفقيد، تناول الكلمة الأستاذ عبد الإله المويسي الذي اعتبر أن الراحل عبد الخالق الدغاي ابن مدينة القصر الكبير كان مثالا للمناضل الحقوقي والسياسي وللفاعل الجمعوي النشيط في الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية ونموذجا يحتذى في التضحيات التي قدمها من أجل الرقي بالفعل الثقافي والمعرفي في المدينة من خلال انخراطه المبدئي في المجال الحقوقي كمحامي بهيئة طنجة وكمناضل تقدمي.
ثم تناول الكلمة الدكتور محمد سبيلا الذي قدم عرضا فكريا لإشكال التحديث والديمقراطية بالمغرب من خلال المقاربتين التاريخية والسياسية والعوامل السوسيولوجية المؤثرة في دينامية الفعل الاحتجاجي منذ بواكر الحركة الوطنية وصولا إلى منعطف الربيع العربي، الذي اعتبره ظاهرة معقدة ليس من السهل الإحاطة بجميع جوانبها، إلا أنه يمكن التمييز من وجهة نظره بين مظهرين أساسيين لما يسمى حسب قوله بالحراك الجماهيري العربي الحالي بدل كلمة ثورة، وهما ربيع أخضر يتم فيه الانتقال السلمي إلى الديمقراطية وتداول السلطة بشكل سلس وربيع أحمر موسوم بالدموية والعنف وسقوط الضحايا.
كما يمكننا أن نرصد حسب الدكتور محمد سبيلا نوعين من الخطاب بخصوص الربيع العربي، أولهما الخطاب النضالي الذي يعتبر الربيع العربي نتاجاً للحراك الشعبي والشبابي وهوخطاب يتضمن حسب الدكتور سبيلا كثيراً من المبالغة خصوصا مع وجود عدد من القنوات التحريضية التي تؤججه وتدعمه، وخطاب تشكيكي يعتمد على التحليل الإشكالي للأحداث من زاوية العلوم الإنسانية التي تتضمن البعد الاجتماعي والسياسي والتاريخي.
وبهذا الصدد يضع الدكتور سبيلا خطاطة للفاعلين في صناعة التحديث من خلال الحراك الشعبي يأتي في مقدمتها الشباب عبر استعمالهم لأدوات التواصل الاجتماعي واستغلالهم لمساحات الحرية التي يوفرها المجال الافتراضي وتكنولوجيا الاتصالات التي شكلت مجالا جديدا وخصبا للفعل السياسي ، يتجاوز الأحزاب والإيديولوجيات التقليدية نحودمقرطة الحياة السياسية، معتبر بأن الدمقرطة ما هي إلا التصريف السياسي لعملية التحديث
ورغم أن ظاهرة الاحتجاج الشعبي ليست هي الحل السحري للمشاكل الاجتماعية، إلا أنها تساءلنا فلسفيا باعتبارها آلية تاريخية تفرض نفسها من أجل تحقيق مزيد من الحرية، كما أنها حركية تتجه نحوعقلنة المجتمعات العربية بتأثير التقنية في توجيه الرأي العام والشباب خصوصا، ولها جدة لكونها تشكل احتجاجا حيويا للأجسام المقهورة في الساحات العربية، أي الفئات الاجتماعية المعوزة التي تأتي ثانيا في الخطاطة الاحتجاجية، لأنها خرجت مطالبة بحقها في الحياة والخبز والكرامة بمعناها البيولوجي.
ثم بعد ذلك النخب التي يجب أن تحذر كل الحذر من مكر التاريخ الذي دائما ما يؤدي إلى خلخلة الأنظمة والتنظيرات والتوازنات الاجتماعية والسياسية من خلال ثنائية الظاهر والباطن، خاصة وأن هذه النخب أظهرت عدم قدرتها على إدراك التحولات السياسية وفهمها فهما علميا عميقا، حيث يبدوذلك بشكل جلي في التذبذب الذي يكتسيه تعريفها للحراك ما بين ثورة وتمرد وهوما يفضي في النهاية إلى الوهم بحسب تعبير حسنين هيكل
وبخصوص الانتخابات الأخيرة في العالم العربي وفوز الأحزاب الإسلامية، اعتبر الدكتور محمد سبيلا بأن الانتخابات ما هي إلا تمرين سياسي وأنه على الحركات الإسلامية قبول الديمقراطية في مفهومها الكلي باعتبارها مجموعة آليات وقوانين وضوابط وليست مجرد سلم إلى السلطة يتخلى عنه بعد بلوغها
مشيرا إلا أنه في ظل الربيع العربي وجب التمييز بين المنتصرين في الحراك الشعبي والمنتصرين في الصناديق لأنهما عنصران مختلفان من حيث الأهداف والمنطلقات وهذا يفضي بنا كذلك إلى التمييز بين الوليمة الانتخابية والولائم الديمقراطية والرهانات التاريخية، في سياق دينامية الحراك الشعبي نحوالتحديث
مؤكدا على أن المغرب ينتمى إلى هذه الدينامية في إطار سياق إقليمي يطرح تحديات كبرى على مجتمعنا ( المجتمع ـ الدولة ـ النخب ) من أجل تحقيق المشروع التاريخي الكبير الذي حملته الحركة التقدمية والحركة الوطنية من أجل التحديث
في حين تناول عرض الأستاذ النقيب عبد السلام البقيوي رئيس هيئة المحامين بالمغرب التطورات التي عرفها المغرب منذ 20 فبراير 2011 والإصلاحات السياسية والدستورية التي أعقبتها مع الخطاب الملكي ل 9 مارس 2011، والوضع المتقدم الذي عرفه حقل النضال الحقوقي بالمغرب سواء في المنظومة المؤسساتية أوفي النص الدستوري الذي أولى حقوق الإنسان مكانة مهمة في هندسته القانونية.
أما الدكتور جمال فزة فقد أثار في مداخلته مجموعة من القضايا المتعلقة بالرصد السوسيولوجي لعدد من الظواهر التي عرفها العالمين العربي والإسلامي في سياق الربيع العربي، الذي اعتبره الدكتور جمال فزة بمثابة هزة الحادي عشر من سبتمبر ولكن في فهمه الانقلابي، حيث سجل التقارب الواضح بين الحركات والأحزاب الإسلامية والولايات المتحدة والتصالح النسبي بين الغرب والإسلام السياسي بعدما شكلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001القطيعة بينهما، وذلك كنتيجة للثورات العربية التي أفرزت الإسلاميين كطرف وازن في المعادلة السياسية الجديدة من خلال الإجابة عن سؤال مركب لا يخلومن طابع المفارقة: "لماذا أسفر الحراك الشعبي العربي من أجل الحرية والكرامة عن صعود قوى تقليدية؟ ولم يكن الهدف من المقاربة حسب الدكتور فزة كشف الأسباب بقدر ما تمثل في جرد عدد من العناصر التي تشكل مجتمعة البيئة الطبيعية لصعود قوى تقليدية، وذلك في إطار إيكولوجيا سياسية من المنتظر أن تسهم في رفع المفارقة عن السؤال أعلاه.
وقد تراوحت عناصر الجواب بين الشرطين العالمي والمحلي، فأما الشرط العالمي فيتمثل في نضج الحوار بين الغرب والعالم العربي على قاعدة "حضارة واحدة ثقافات متعددة". مما سمح بخلق جومن الثقة أسفر على بناء استراتيجيا تتمحور حول شعار تغريب الإسلام (l’occidentalisation de l’Islam) الذي يعني فك الارتباط مع تأويلات قدرية جبرية ذات صلة مع الشرق الفارسي، وإثبات أن الإسلام في روحه لا يتعارض مع مفهوم الحرية كما عرفها الغرب. وتجدر الإشارة إلى أن الصعود الاقتصادي والثقافي للصين، باعتبارها حضارة مختلفة عن حضارة البحر الأبيض المتوسط وبلاد الرافدين، شكل عامل تسريع لوتيرة الحوار بين الغرب والإسلام، هذا فضلا عن صعود قناعة لدى الغربيين أنفسهم بفك الارتباط بين الحداثة والعلمانية مما يعني أن التحديث ممكن مع الدين وليس ضده.
وأما على المستوى المحلي، فالوضعية تنتظم حول شعار كبير يتمثل في نهاية "نمط دولة" واستنفاده مشروعيته ومهامه؛ يتعلق الأمر بلعبة "قصر/حركة وطنية" التي كانت تطبع السياسة بمبدأ التريث (la resignation politique) وهي نهاية من المفروض أن تفضي إلى تحرير مطلب التغيير من أي ضرب من ضروب الانتظارية باسم الاحتماء من الأطماع الأجنبية سواء على مستوى حماية الثروة أوحماية الهوية.
وبخصوص حقوق الإنسان في المغرب فقد ذهب الدكتور جمال فزة إلى أنها لازالت تعتبر بالنسبة للدولة شأنا لمجموعات ذات مصالح معينة بحيث لا تفهم إلا في إطار سياسة تكيف الدولة مع السياق العام، مسجلا أنه من المستحيل أن تصبح حقوق الإنسان فلسفة للدولة، رغم التقدم الذي تسجله المؤشرات الرسمية حول احترام حقوق الإنسان. |