|
الثلاثاء, 13 ديسمبر 2011 23:34 |
|

د. نائل عبد الرحمن- في الإنعطافة الغريبة لتقلبات الأيام، والتحول الصادم من حال إلى حال، وتأكيدا على مبدأ "لا يبقى على ما هو إلا هو" انفرط العقد الناظم للتحالفات الدولية التقليدية، فأصبح الحبيب عدوا، وأصبح العدو حبيبا، وكأني بحديث الحبيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ماثلا "أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما ".
ولأن في شريعة التعاقدات البشرية مأثورة تفيد بأن " من يقدم السبت يجد الأحد " فإن الكثيرين ممن قدموا الأسبوع كله لأسيادهم لم ينعموا ولا حتى – باليوم الأسود- بأي لفتة توحي بأن هناك يد معترفة بالجميل تمتد إليهم، أو تعمل على جعل نهاياتهم أقل بؤسا وقساوة على أقل تقدير.
ولأن السياسة "بنت حرام" ولا دين لها كما يقال، فإن أولئك الذين أنعم الله عليهم بالرحمة من متعاطيها من الأولين والآخرين هم أولئك الذين تمكنوا من الفكاك منها، أو طلاقها وفق التزامات قطعوها على أنفسهم ونفذوها، أو مواثيق أخذت منهم واحترموها، أو أن الله قصّر آجالهم، فأحالهم ملك الموت إلى التقاعد الأبدي قبل أن تضطر شعوبهم إلى قلعهم كما يقلع الضرس الفاسد من مكانه؛ على شكل نهاية يشترك في وضع تفاصيلها الغوغاء والرعاع والأموات والأحياء والشجعان والجبناء والعقال والسفهاء...الخ بحيث تبدو اللوحة مريعة ومرعبة كتلك التي رسمها الشعب الليبي للقذافي وأبنائه، أو كتلك التي لم ينته الشعب اليمني من رسمها لـِ "زومبي" الذي عاد من جهنم بعد أن ابتلعته الجحيم ثم لفظته، إذ لم تستسغ مذاقه لشدة ما ارتكبته جوارحه من آثام وفظائع.
ولأن السياسة خبيثة كخبث أولئك الذين عاشروها بالحرام من طواغيتنا بعد أن اختطفوا حقوق الناس، واغتصبوا حريتهم وصادروا إراداتهم، وناموا على دم العفة الذي سفكوه من لحظة توليهم شؤون الناس، إلى لحظة توليهم عن الناس، فإن لعبة السياسة هذه؛ هي نفسها التي تتربص بهم، وتضيق الخناق عليهم، وتلتف حبالها شيئا فشيئا حول رقابهم، وبدل أن تفتح النهايات المرعبة لنظرائهم في المخزاة عيونهم وبصائرهم، فيحاولوا تجنب نفس المصائر، فإنهم يزدادون نزقا، وبؤسا، وفقرا في المخيال، وعمى في البصائر يقودهم إلى نفس المربع الذي وقف عليه الساقطون من قبلهم، سواء أولئك الذين ماتوا وهم يتوسلون النجاة، أو الذين يذوون في غياهب السجون، أو أولئك الذين يموتون فرارا، أو الذين غزّ الموت إصبعه في عيونهم فقلعها، ثم أحالهم إلى مبحلقين في اللاشيء بعد أن شويت جلودهم ولفحت وجوههم النار في الدنيا قبل الآخرة.
ولأن الإغفاءة لدى هؤلاء تحولت إلى إغماءة، فإنهم باتوا غائبين عن الوعي والواقع أو مغيبين، فما زالت في رؤوسهم مياه عتيقة تشل تفكيرهم، وتمدهم بالآمال الخادعة، حول التحالفات العقائدية مع أيديولوجيات مقهورة ستلد أساطيل لإمبراطوريات مدفونة في الثلج والصقيع، وستأتي من قلب المجهول المتحالف معهم لتبقيهم خشبا مسندة في كراسي الحكم إلى أبد الدهر؛ الدهر الذي أفنى آباءهم وأجدادهم، وأمثالهم من الطغاة والعصاة، والمقامرين بأرواح الخلق، ومصائر الشعوب، والمخدوعين بأبواق الناعقين بغير الحق من مزيّني السواد بألوان قوس قزح، من الكذابين والطفيليين وأبناء الحرام ومجهولي النسب من القتلة والمارقين.
ولأن الأيام والمقادير التي تقلبها تلك الأيام لها حسابات أخرى، فإنها قلبت لهم ظهر المجن، بعد أن استنفذوا رصيدهم من الأيام والليالي الحمراء، فلم يتبق في جعبتهم إلا بقية من عمر تحسب بالثواني السوداء، والدقائق البطيئة الثقيلة كتلك الدقيقتين الطويلتين جدا اللتين ختم القافي بهن حياته، التي أشك أنه تمكن من تذكر أي نعيم أصاب فيها، بينما كانت الأحذية تصفع وجهه الجامد المتجهم الذي غابت عنه في حينه إشراقة الحياة.
ولأن قلة من عقل كفيلة بان تمنع الأرنب من الوقوع عن الحافة، فإن الواقع يشكك بالقدرات العقلية لهؤلاء الغافين الغافلين، الذين يقودون سفنهم باتجاه الجبال الجليدية وسط البحار الجافة الباردة ثم يحلمون بانقلاب الأحوال الجوية لصالحهم دفئا وحرارة، ما ينبئ بانفصال تام عن الواقع، وغياب للفطنة والذكاء.
أما أولئك الذين يرفعون الشعارات القديمة، من ممانعة وثورجية وحربجية كاذبة، لم نرَ منها على مر السنين إلا القعقعة التي لم تنفرج إلا عن هزائم ومخازي أمام العدو، وعنتريات جوفاء حولتهم إلى غوَل ووحوش يأكلون شعوبهم، ويتربصون بها الدوائر غير مبالين إلا باستبقاء كراسيهم التي غرزت قوائمها بدماء الناس، وجللتها لحائف الذل والعار، والتبعية والتذلل على أعتاب الدول الاستعمارية، التي امتصت دماءهم ودماء شعوبهم ثم تخلت عنهم حينما بدأوا يذبلون، ويفقدون الوهج الكاذب الذي خدعوا الناس من خلاله.
ولأن المسألة مسألة وقت ليس إلا، فإن القذافي الذي كان قد استنفذ وقته، طار عقله نهائيا حين رأى الغرب يسلح الإسلاميين بمن فيهم المحسوبين على القاعدة، بينما كانت حجته في البقاء أمام الغرب قائمة على أساس استعداء الإسلاميين وحماية الغرب منهم، وإلا كيف نفسر الدهشة لدرجة البلاهة التي كانت تعتلي وجه ربيبة الأميركان حسني مبارك وهو يعلق على الطلب الأميركي بضرورة تنحيه عن الحكم؟ ثم كيف تركوه يتهاوى تحت ضربات الإخوان، العدو اللدود القادم من قلب القهر الطويل مدعوما بالتغير اللئيم والقاسي في السياسة الدولية، والتي لا مكان فيها للرحمة أو الإخلاص أو حتى للذكريات الجميلة.
لأجل ذلك؛ فإن لأولئك الغافين على كومة غابر الأيام، والمتمسكين بالأوهام المتبددة حول أدوارهم المركزية في السياسة الدولية، والمختزلين المنطقة كلها أو أقطارهم كلها بشخوصهم التي يعتقدونها ثابتا من ثوابت هذا الكون، لأولئك فقط تعتبر الخدمة الأجَل التي يمكن أن يقدمها وعي بازغ من باب الإعجاز، يتيح لهم الانتباه إلى أن الثابت في لعبة السياسة اليوم هو اللا ثابت، وإلى أن أنبوبة الصرف الصحي التي يقفون عند حافتها، يوجد لها فتحة أخرى، يمكن أن توصلهم إذا أفاقوا باكرا إلى مزبلة التاريخ، دون أن تتلوث بدمائهم أيدي الثوار.
د. نائل عبد الرحمن رئيس رابطة الأكاديميين في بيت لحم - فلسطين
|