من أوراق الأيام

News image

هل يمكن للهوية أن تضيع، وماذا أفعل إذا ضيّعت هويّتي؟

News image

الثقافة في المغرب: أي خصائص، ومقومات، وأصول؟

News image

أُسس التحدي: الفلسفة العربية الحديثة والزمن

News image

السوسيولوجيا من منظور فلسفي

News image

المهجة والمعرفة والواقع

News image

الذات بين التفكك والتحقق

News image

شعر الجهاد والمقاومة ضد الغزاة في المغرب

News image

ابن خلدون وتقنية الحدس المعرفي في كتابة التاريخ

News image

المثقف العربي: صراع الذات والهوية

News image

هل كان المعري براهمياً؟

News image

دلالات المتخيل الاجتماعي عند كاستورياديس

News image

أوراق في العلم والفلسفة والفن

News image

الغرب والفلسفة العربية الإسلامية

News image

كيف صنع القاضي المنصوري جسرا بين التقليد والحداثة؟

News image

الاجتهاد ليس تنويرا، أما التنوير فاجتهاد موسّع

بشار الأسد: مغفل أم متغافل؟ PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأربعاء, 14 ديسمبر 2011 00:10

سعيد لحدو - ألف مؤتمر صحفي لأفقه الفقهاء لن يستطيع أن يحشر ذرة من الحكمة والعقل في رأس من لايملك شيئاً منهما، حتى ولو كان من يعقد المؤتمر يتميز بإشراقة جهاد مقدسي أو بحجم وليد المعلم نفسه. ولن تنفع كل عمليات الماكياج والتظليل والتكحيل والترميز مما توفره التكنولوجيا الحديثة في تلميع أو تحسين صورة أو إعادة بصيص من الضوء لمن فقد البصر والبصيرة حتى ولو ادعى أنه طبيب عيون.
في مقابلة بشار مع الصحافية باربرا وولترز انكشف الذي أريد له أن يظل مستوراً، وبان ما كان معلوماً لكل السوريين إلا لمن انضم إلى جوقة التشبيح الإعلامي لتسويق لعبة المؤامرة الكونية على بشار وممانعته التي استخدمها عباءة للشعوذة وخداع السذج من الناس. وطوال خمسين سنة من المقارعة بالسيوف والتروس لم يُسقط هذا النظام شعرة من رأس هذه المؤامرة. وعندما تجلى الكذب والخداع ماثلاً أمام القاصي والداني وثار الشعب السوري ثأراً لكرامته وإنسانيته، حبلت المؤامرة في دهاليز وأدمغة النظام الأمني لتفرخ مندسين وعملاء وعصابات إرهابية، بعدما أوهن المثقفون وطلائع المعارضين السوريين عزيمة الأمة وأضعفوا نفسيتها ليقبعوا سنوات طويلة في زنازين النظام ويخرجوا بعزيمة أقوى وأمل أعظم في التغيير المنشود. لكن المؤامرة إياها بقيت ولم تتزحزح، ومازال النظام يصر بعناد غريب على استيلادها من رحم الثورة الشعبية.
إنها مفارقة تثير السخط والسخرية أن يتغافل رأس النظام عن وقائع وحقائق مفزعة ومقززة تحدث على الأرض السورية، وتنتشر مقاطع مصورة منها على أوسع مدى على شبكة الإنترنت، وبعضها وقع على مسافة بضعة مئات من الأمتار عن قصره الرئاسي، وأن ينذهل العالم كله وينشغل بها، لكن بشار الأسد لم يطلع عليها! ذلك لأن أجهزة مخابراته لم تقدمها له في تقريرها اليومي. ومع ذلك فإنه يستقبل والد الطفل حمزة الخطيب لينتزع منه تحت التهديد والوعيد والابتزاز اعترافاً بأن ابنه لم يُعذب وإنما أجله كان قد انتهى. وللمصادفة البحتة جاءت ساعة حمزة في أقبية المخابرات. فلا اقتلاع أجهزته التناسلية ولا تخريم جسمه بالمثاقب الكهربائية كانت سبباً لموته. أما حادث الاعتداء الوحشي على صديقه القديم الفنان العالمي علي فرزات فلم يسمع حتى به، ببساطة لأنه لم يكن في تلك اللحظة في ساحة الأمويين ليرى ما حدث لصديقه، ولهذا فهو معذور إذا لم يرفع سماعة الهاتف ليطمئن على صحة صديقه الذي انتقده برسمه الكاريكاتوري! وما على منتقديه الكثيرين في هذه الحالة إلا أن يشكروه لأنه لم يقتلهم جميعاً بحسب جوابه الحرفي؟ ولأنه كرئيس كرس كل وقته لخدمة الوطن والمواطن، لا يجد وقتاً للاستماع إلى كل المغنين، وبخاصة إذا كانوا من المنتقدين مثل ابراهيم قاشوش. فليس هو من اقتلع حنجرة هذا المغني لأنه لم يغادر القصر الرئاسي في ذلك اليوم؟ ولهذا أيضاً لم يأمر قضاءه (على علاته المخزية) بالتحقيق في هكذا حوادث فردية. وما قيمتها أمام المؤامرة الكونية التي اجتمعت فيها قوى الإنس والجان والعرب والأميركان لزحزحة عرش بشار ولو سنتيمترات قليلة عن تحالفه الاستراتيجي مع حزب الله وإيران.
بشار المفوَّه هذا ليس سوى مجرد رئيس لسورية. أي إنه لا يملكها. وورثته من أبيه تحولت ملكيتها في عهده مقربيه. أما هو فقد اكتفى بكرسي الرئاسة وأمين عام (المرحوم - الحي) حزب البعث قائد الدولة والمجتمع. وإضافة إلى ذلك فقد نصبوه قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة وحملوه أعلى رتبة عسكرية سورية. وبحكمته المعروفة أصبح رئيساً للجبهة الوطنية التقدمية (المرحومة أيضا مع كل أحزابها المسبقة الصنع). ورئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس الأمن القومي. وبالتالي فهو رئيس كل ما هو رأس في سورية. فكيف يمكنه أن يعطي أوامر، وبأي من هذه الصفات؟ إن مناصبه المتعددة ومشاغلها الأكثر تعدداً لاتمنحه الوقت للتفكير بإعطاء الأوامر. لهذا السبب ترى أن وحدات الجيش وبغيرتها الوطنية الصرفة انسحبت من مواقعها على جبهة الجولان لأنه لا معنى لوجودها هناك طالما أن الجبهة ساكنة مطمئنة. وذهبت لتنتشر في شوارع وأزقة المدن والأرياف السورية عندما سمع قادتها بوجود أبناء وأحفاد المؤامرة الكونية من المندسين والإرهابيين بين صفوف الشعب. وهناك ولصعوبة التمييز بين المندس والمواطن الصاغر، بدأوا (وأكاد أقسم) كلٌ من ذاته وبدون أية أوامر بإطلاق النار على كل من يتحرك في الشارع أو شرفات المنازل، (كما قال نهاد قلعي مرة: بيقصوا بعدين بيعدوا). وبعدها يجري فرز هؤلاء إلى شهداء ومجرمين! إذا توفر لبشار ونظامه وقت للفرز.
أما الأخبار التي تتوارد عن عمليات القتل اليومي للمواطنين فهي كاذبة وملفقة بالطبع! إذ، كيف لمواطنة مثل باربرا وهي تسكن في أميركا أن ترى أحداثاً ووقائع يقال أنها وقعت في سورية، وبشار وكل أجهزته التي تعد على المواطن أنفاسه لم يروها؟ أليست هذه جزءً من المؤامرة التي طالما تحدثنا عنها؟ فلابد أن تكون باربرا موجودة في حمص ودرعا وساحة الأمويين وفي دير الزور وإدلب وحلب والقامشلي وكل المناطق السورية لتشاهد ما يحدث. وبما أن ذلك غير ممكن بسبب رفض النظام إدخال أية وسيلة إعلامية مستقلة أو مراقبين محايدين إلى سورية، فإن كل تلك الصور ومقاطع الفيديو والأخبار التي يرويها شهود عيان وكل وسائل الإعلام التي توردها ما هي إلا جزء من المؤامرة التي ثقبوا آذاننا من كثرة ترديدها. فطبيب العيون نفسه لم يرَ شيئاً من هذا القبيل. فكيف تسنى لباربرا وهي في أميركا أن تشاهد ذلك؟ سؤال فيه من الغباء أكثر بكثير مما فيه من التغابي أو التشاطر. فهل يحاول بشار الأسد (بيع المية في حارة السقايين) كما يقول المثل المصري؟
قد يسكن بعض المجانين القصور الرئاسية كما كان حال (الواد المجنون بتاع ليبيا) بحسب وصف الرئيس السادات له يوماً. وربما لحسن حظ بشار أن القدر لم يمهل السادات لنرى ماذا كان سيقول فيه اليوم. لكن بشار عرف قدر نفسه دون أن يحتاج للسادات أو لبصارة لتقرأ له طالعه. فقد قال في مقابلته هذه: "لا توجد حكومة تقتل شعبها إلا إذا كان يقودها شخص مجنون". وهذه هي المقولة الوحيدة التي صدق فيها. وليس من مصادفات القدر أن يظل نظام بشار مدافعاً حتى آخر لحظة عن القذافي وأن تكون آخر مكالمة له يتلقاها من سورية قبل أن يلقى مصيره المحتوم.
لم يعد السؤال ذا جدوى الآن فيما إذا كان بشار الأسد مغفل أم متغافل. فقد بات السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو متى سيحل هذا النظام ورئيسه عن سما السوريين؟ لتعود سورية إلى شعبها ودورها الحضاري والريادي في المنطقة. وليتمكن السوريون من بناء مستقبلهم كما يرغبون.
 

سعيد لحدو، كاتب فلسطيني

 

المزيد من الأخبار

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب