|
الثلاثاء, 31 يناير 2012 17:51 |
د. نائل عبد الرحمن - يقال إن الذي يوقع الفأر في المصيدة هو جشع الفأر وليس قطعة الجبن المعلقة فيها، وهذا أشبه بحال النظام السوري مع الموقف الروسي الذي وفر له الغطاء الذي يحتاجه حتى هذه اللحظة، ليغطي على جرائمه المتواصلة بحق أبناء الشعب السوري العظيم.
فذلك الدعم يدغدغ غرائزية النظام وجموحه الدموي في سبيل الحفاظ على سيطرته المطلقة على مقاليد الأمور في هذا البلد الذي عانى الأمرين على يد النظام الممتد تاريخه على متواصل شهدت كل محطاته دما وجوعا وانتهاكا للحرمات وتمزيقا للعفة واستباحة للكرامات.
وكصنيعة للانقلاب على كل القيم الأصيلة التي مثلها تاريخيا انحياز الناس الطيبين إلى كل أولئك الذين رفعوا شعارات الثورية والممانعة ورفض الأمر الواقع، فقد كشف رأس النظام السوري بشار الأسد عن الوجه الأشد بشاعة لممتهني العمل السياسي في بلادنا العربية، وأدار ظهره للالتزامات الأخلاقية التي تفرضها عليه واجباته الرئاسية كحارس لمصالح الشعب وأمنه وطموحه وحتى أحلام أطفاله.
فبدل أن يقدم الطبيب ذو التعليم الراقي نموذجا متميزا وراقيا عن الجيل الجديد من الحكام المثقفين القادمين من بلاد الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، أظهر بشار الأسد أفعالا انعكاسية أشد غرائزية من كثير من المخلوقات الأقل رقيا من الإنسان في سلسلة الحياة العضوية، وأظهر قصرا في الرؤيا، وعجزا في البصيرة جعله غير قادر على التمييز بين أن ما تقدمه له روسيا اليوم في المحافل الدولية إنما يشبه قطعة الجبن التي توضع للفأرة في المصيدة، فيدفعه سلوكه الغرائزي إلى الوقوع في الفخ دون أن يتمكن من إدراك العناصر المختلفة للموقف، والتي لا يمكن لعين مبصرة إلا أن ترى كيف أن قطعة الجبن لا تشكل إلا عنصرا صغيرا أصبح جزء من الشرك الأكبر الذي يتم تجهيزه للطريدة الأقل حظا والأشد غباء.
ولأن كرسي السلطة يمثل بالنسبة لبشار الأسد وأركان نظامه قطعة الجبن التي أوقعت مئات آلاف الفئران كالضحايا على مدار الأزمنة، فإن الموقف الروسي الذي يبدو وكأنه يقدم للنظام ضمانة الحفاظ على هذا الكرسي يشبه قطعة الجبن في مصيدة الفئران، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار اشتداد الثورة الداخلية، وانكفاء المبادرات العربية، وازدياد القناعة لدى الدول الغربية بمجملها تقريبا بضرورة نقل الملف السوري إلى الأمم المتحدة، ما يشي بتضييق حلقة الحبل الملفوف على رقبة النظام شيئا فشيئا بينما يمده الموقف الروسي الذي لا يستطيع الصمود طويلا أمام الإجماع العالمي بالبريق الخادع.
فالموقف الروسي، الباحث عن دور ما على الساحة السياسية الدولية، واللاهث وراء مصالحه في المنطقة عبر الثغرات التي توفرها له الخلافات الأميركية الإيرانية، يلعب لعبته الخاصة مستخدما المتاح من الأدوات بما فيها موقفه من الحالة السورية، التي سيخضع موقفه منها لما سيحققه من مكاسب بعيدا عن المواقف الايدولوجية التي اتسمت بها مواقفها حتى ما قبل انهيار الاتحاد السوفييتي السابق الذي ورثت روسيا الاتحادية كل ما فيه إلا أيدولوجيته القديمة. ولأن التاريخ الحديث للسياسة الروسية يفصح عن وهن لا يمكن التعويل عليه، خاصة حين يتعلق الأمر بمنطقة الشرق الأوسط، وبالوضع العربي على وجه الخصوص، فقد رأينا سلبيتها المخزية إزاء الاجتياح الأميركي للعراق الذي ربطته بروسيا علاقات صداقة ذات جذور ضاربة في العمق، ورأينا كيف صمتت على تجاوز حلف النيتو للتخويل الممنوح له بموافقة روسية على حماية المدنيين، ما يؤشر
إلى واحد من احتمالين لا ثالث لهما:
الأول: أن حالة الوهن الروسية بلغت حدا لا يمكنها معه الوقوف بوجه القرار الأميركي الحازم.
الثاني: أن الموقف الروسي موضع مساومة وقابل للبيع والشراء.
ما يعني أن النظام السوري الذي ينحو شيئا فشيئا نحو وضع بيضه كله في السلة الروسية، إنما يراهن بشكل أعمى على هذا الحليف الوهمي المستعد للبيع في أي وقت، ويغمض عينيه عن الخيارات الأخرى المتوفرة أمامه والتي باتت حلقاتها تضيق شيئا فشيئا حول رقبته.
وبالنظر إلى الخيارات التي عرضتها النماذج السابقة للأنظمة المقبورة في مواجهتها مع الشعوب فإنها لم تتجاوز الأربعة، فإما الهروب غير المحسوب والمحفوف بالمخاطر كما حدث مع الزين، وإما الخلع والإذلال والتقديم للمحاكمة التي يمكن أن تنتهي بالإعدام كما هو حاصل مع مبارك، وإما القتل والتنكيل بشكل مرعب ومخيف كما حدث مع القذافي وعائلته، وإما النموذج اليمني الذي أتاح الفرصة للرئيس وأعوانه بالانسحاب من السلطة دون ملاحقة، مع الحفاظ على بقاء الحزب الحاكم ورموزه كجزء من اللعبة السياسية في البلد.
ولأن أي صاحب بصيرة ما كان يمكن أن يعول إلا على المعجزات في تغيير مسار مصائر تلك الأنظمة، ولأن أصحاب البصائر يعلمون أيضا أن زمن المعجزات ولى إلى غير رجعة، فإن نجاح النظام السوري في الحصول على خيار شبيه بالحل اليمني، يمكن أن يعد من قبل ذوي العقول كواحدة من المعجزات التي يمكن أن تحصل من باب الحظ الطيب لا أكثر.
د. نائل عبد الرحمن، رئيس رابطة الأكاديميين /بيت لحم |