|
الأحد, 05 فبراير 2012 04:05 |
محمد علي الحلبي - معروف لغوياً أن كلمة الطالح تعني نقيض وعكس كلمة الصالح، فكيف تلاقت الكلمتان في هذا المجال؟!.....
إنها حكاية مأساة عاشها الشعب العربي في اليمن لمدة33عاماً، أي منذ17تموز- يوليو-1978بعد أن انتخب مجلس الرئاسة اليمني علي عبد الله الصالح بالإجماع ليكون الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وبقي في منصبه حتى غادر اليمن يوم22/1/2012، وقد سبقت الرحلة دموع غزيرة منه قبل يوم من سفره أثناء لقائه بقادة قبيلة (سنحان) الذين شاركوه في السلطة طيلة ثلاثة عقود.
يومها اكتشف مؤخراً، وبعد زمن طال أمده وبقدرة " خارقة " عرف أعداءه وعرف الذين غرروا به طالباً منهم العفو والمسامحة، وقبل ذلك بأيام بكى رئيس الوزراء لحكومة الوفاق الوطني " باسندوة " أمام النواب مناشدهم التصويت على منح الحصانة للرئيس، وقد نبهت دموعه الحضور إلى أن منح الحصانة...هو البند الهام الذي يُجنب البلاد نذير الشؤم على الأمن والسلم الوطني.
لقد وقع في خيار قاس كان بين إقامة الحق، وبين أن يُجنب بلده استمرار الحرب الداخلية التي استمرت لأكثر من عام، فكان قرار منح الحصانة الكاملة للرئيس السابق بينما مُنح مساعدوه الحصانة السياسية والتي لا تستثني من ارتكب عملا ًإرهابياً، أو ثبتت عليه قضايا جنائية , وبالمقابل مازال الشارع الغاص بالثوار رافضاً منح أية حصانة للجميع، ومن غرائب الأمور والمشاهد، ورغم التمديد المستمر لرئاسة الصالح من خلال الأغلبية لحزبه حزب المؤتمر إلا أن بعضهم وقبل أيام من اندلاع الثورة تقدم لمجلس النواب باقتراح ليكون رئيساً مدى الحياة، إنما اشتداد الاحتجاجات جعله يسرع يطلب سحب المشروع مع أن آخرين كانت لديهم نوايا ومساع ليخلفه ابنه «أحمد علي عبد الصالح» قائد الحرس الجمهوري والقوات الخاصة، وعضو مجلس النواب.
آثام الحكم تعددت مناحيها، وشملت جوانب عدة تجسدت في:
بنية نظام الحكم:
رغم مدة حكم الرئيس التي طالت، ونُزع منها كل ما تآلفت عليه شعوب العالم من مبادئ للنظام الجمهوري , فقائد النظام كان شديد الحرص أن يولي أسرته المناصب لتثبيت وضعه، واستفادتهم من الميزات التي تُمنح لهم، ودراسة ذَكرت أن عددهم بلغ42مسؤولا ًتوزعوا في مفاصل الدولة , كانت لأقرب المقربين منه المناصب الحساسة في الجيش، الأمن المركزي، الأمن القومي، قيادة القوى الجوية، وحتى قيادة المنطقة الشمالية بينما توزّع الباقي على مؤسسات الدولة، ولم ينس أصهاره من الغنيمة، ولا حتى أشقاء زوجاته الأربع فلقد عيّن ستة أشقاء لزوجاته الثلاث، ولم تحظ الزوجة الأولى فقط بهذا الكسب، بل توسع أكثر في تعيين أخ لزوج إحدى بناته محافظاًُ.
وللمزيد من تشويه الصور الجميلة للأنظمة الجمهورية، ولتعزيز حكم الأسرة والعائلة والقبيلة، ورغم كل العيوب التي طالت وأثرت تأثيراً عميقاً على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية فقد أجريت تعديلات متتابعة على قوانين الانتخابات، وعلى قوانين تنصيب اللجان المشرفة عليها جعلت الحزب الحاكم يتزايد عدد أعضائه في مجلس النواب لتكون نسبتهم عام 1993 - 41 % لتقفز بعدها في عام1995إلى74%ثم لترتفع عام1997إلى75%، وكان العديد يتوقعون لو استمر الرئيس وأعوانه في مواقعهم لوصلت النسبة إلى99,9%لتكون كما اعتدنا مثيلة للاستفتاءات الرائجة في عالمنا العربي.
في ربوع هذا البلد بعيش شعب عربي أصيل أطلق تاريخياً على بلده لقب (اليمن السعيد) لكنها حوّلت في الظروف الحالية وتمشياً مع التناقضات والتضاد بالمعاني ليصبح (اليمن التعيس).
قديماً قال أحد الأعراب عنهم أمام الخليفة:«إن أهل اليمن هم العرب الذين دانت لهم الدنيا، ولم يزالوا ملوكاً، وورثوا الملك كابراً عن كابر، وآخراً عن أول، منهم النعمان والمنذر، ومنهم عاصي صاحب البحرين، ومنهم من كان يأخذ سفينة غصباً، وليس من شيء له خطر إلا إليهم ينسب...إن سئلوا أعفوا، وإن نزل بهم ضيف قروه....منهم العرب العاربة وغيرهم المستعربة» من كتاب (المستطرف في كل مستظرف) للأبشهي، وفي كتاب (النهاية في غريب الأثر)لأبي السعادات مبارك بن محمد الجذري يقول فيه: «أتاكم أهل اليمن هم أرق قلوباً، وأنجع طاعة أي أبلغ وأفصح في الطاعة من غيرهم , كأنهم بالغوا في نجع أنفسهم أي قهرها وإذلالها بالطاعة».
في إطار البحث الموضوعي تقتضي الأمانة الفكرية أن نسجل للرئيس «صالح» دوره في تحقيق الوحدة بين شطري اليمن الجنوبي والشمالي في7/7/1994بالرغم من أن ذلك تمّ بقوة السلاح لكن بعدها عاد النظام إلى عشائريته وحكم الأسرة، فسحبت السلطة مبالغ الضمان الاجتماعي لموظفي القطاع العام من دولة الجنوب إلى بنوك حكامها، والمُقدرة قبل الوحدة بحوالي3,5مليار ريالا ًيمنياً أي مايعادل3,9مليار دولار، بعدها لم يعد نظام الضمان الاجتماعي معمولا ً به أبداً في الجمهورية العربية اليمنية، كما ومارست عمليات الإقصاء والتسريح القسري بحق الجنوبيين، وبتعطيل قانون التقاعد أتيح المجال لمرتكبي الآثام لإحلال الشماليين محل أبناء الجنوب وبخاصة في الوظائف والمراتب العليا والقيادية على الرغم من أن الغالبية لا تتوفر فيهم المؤهلات العلمية، ولا الكفاءة العملية....لقد أحيل حوالي566,161عاملاً وموظفاً للتقاعد الإجباري وغير القانوني معظمهم في أوج المراحل العمرية، و لحق غبن كبير بشريحة العاملين والموظفين في دولة الجنوب سيما في القطاع العسكري، ووزارة الداخلية، ووزارة أمن الدولة، فقد كشف تقرير برلماني بأن عدد المتقاعدين، والمسرّحين، والمنقطعين عن العمل بعد حرب1994بلغ عددهم حوالي113,000ضابطاً، وصف ضباط، وجندي لم تتم معالجة أوضاع سوى7253ضابطأ وجندياً أي ما نسبته6,4% فقط من إجمالي المسرّحين.
" انتشار الفساد، وانعدام التخطيط الصحيح لمعالجة الأوضاع الاقتصادية ألقيا بثقلهما على البلاد، فازدادت المديونية وارتفعت بشكل كبير، ونسبة البطالة قُدرت بنحو35%
و43%من السكان يعملون في وظائف دنيا، أو بالنظام الجزئي بقصد تأمين لقمة العيش، والتقارير الدولية تحدثت أن نسبة45%من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر، وارتفاع الغلاء بنسبة11%، ومنظمة الشفافية الدولية المعنية بالتصنيف التدرجي للدول بحسب مدركات الفساد فيها صنفت اليمن في المرتبة146من بين178بلداً، وهكذا تراجعت الاستثمارات المحلية والدولية عن القيام بدورها في الإنعاش الاقتصادي " .....من دراسة للدكتور جاسم حسين.
الأوضاع المتردية منذ زمن دفعت بالحكومة وفي نهاية آذار-مارس-1995لإعداد برنامج تصحيح مع صندوق النقد والبنك الدوليين، وذلك على مرحلتين:
الأولى: من آذار-مارس-1995وحتى تشرين الأول-أكتوبر-2000.
الثانية: من2001-2005في إطار استراتيجية تخفيف الفقر.
لكن الإجراءات التي اتخذت بفعل الخلل الدائم في البنية التركيبية للنظام كانت بمجملها فاشلة، ولم تحقق أية نجاحات، وعقدت مؤتمرات عدة شبه دولية تحت مسمى الدول المانحة لتقديم العون والمساعدة لكن على العكس فالأوضاع المعيشية ازدادت سوءاً، ومنطق الحياة وبحتمية مطلقة يترك للجانب الاقتصادي انعكاساته الكبيرة على الواقع الاجتماعي للبلد، فالتنمية المستديمة تضع بصماتها المشرفة عليه، وعلى العكس فالتدهور يرمي بظلاله على ذلك المجتمع لهذا " فليس غريباً أن نلمس نتائج التراجعات الاقتصادية في ارتفاع نسبة الأميين إلى49%وترتفع في أوساط النساء إلى75%بينما في عام1985حرر اليمن الجنوبي أهله من الأمية، كما أن تقرير منظمة اليونيسيف يتعرض لجانب الرعاية الاجتماعية المتدهورة، ومدى الاستهتار الحكومي في تقديم الخدمات الطبية والرعاية الصحية للمرأة الأم، وللمواليد حديثي الولادة، فــ65%من النساء الحوامل لا تتوفر لهن الرعاية الصحية " .....من دراسة للدكتور حسين مثنى العاقل.
أمام ما عرضناه من آلام سيطرت على حياة المواطن العربي اليمني كان من الطبيعي أن يبدأ ما سُمي بالحراك الجنوبي مطالباً بالانفصال عن الشمال- وإن كنا ضد هذا الرأي والحل لا يكمن في ذلك " وفي مناطق الشمال ثار الحوثيون ضد السلطة مرات ومرات، والثورة امتدت وعمّت جميع المحافظات، وكانت أعداد ثوارها تتزايد أسبوعاً إثر أسبوع منادية بالحقوق وبإسقاط النظام، ورافضة منح الحصانة لأي من أركان النظام، ومطالبة بمحاسبة المسؤولين عن جميع الارتكابات بعد أن عرف الكثيرون أن الرئيس السابق يمتلك ثروة خيالية مثل بعض باقي الحكام العرب، فلم تعد تكفهم الآلاف ولا الملايين، بل وصلوا إلى المليارات، فمجلة(فورين بوليسي) تُقدر ثروته بــ11مليار دولار، بينما يرفع باحث اقتصادي يمني الرقم إلى أكثر من ذلك بكثير.
أمام كل ذلك، وللعودة إلى«اليمن السعيد» نرى:
الإصرار على العمل من أجل تحقيق الحكم الرشيد عن طريق تعزيز الديمقراطية، وحرية الرأي، وبناء المجتمع المدني بكل مؤسساته، فذلك هو الطريق الصحيح من أجل التنمية، فهي جهد وعمل الجميع....لقد ثبت فشل كل النظريات التي تحصرها في أفراد، أو مجموعة بل لابد من إعمال وتطبيق لنظرية المجتمع الخلية، والحكمة الكونية تجلت في أبسط صورها، فالشهد والعسل والخلية كلٌ متكامل.
نبذ الخلافات بين مكونات المجتمع الواحد تحت أي مسمى، أو أية شعارات خاطئة، فالخلاف لم يكن بين الأهل، بل بين السلطة والشعب.
الإسراع في الانتقال إلى المجتمع الديمقراطي، وتعزيز الحريات على كافة مستوياتها، والبدء بالعودة إلى علاقات عربية متنامية أملا ًفي تحقيق ما يصبو إليه كل فرد عربي.
البدء بإيقاف العنف والقتل للمواطنين الأبرياء ومحاسبة المسؤولين عن ارتكاب الجرائم بكل أنواعها وصنوفها.
الغد المشرق لاحت بشائره، والنظام السابق لفظ أنفاسه الأخيرة رغم كل التصريحات، والمناورات، والمراوغات.
محمد علي الحلبي، كاتب سوري |