حيرة التيار الصدري
وهذه ليلة جديدة طازجة من ليالي الحيرة والمعمعة التي يخلقها ويصنعها، التيار الصدري ورئيسه السيد مقتدى الصدر، ويؤقتها توقيتاَ على ساعة جسام الأحداث التي أشهرها اليوم، مسألة انسحاب وكنس الغزاة الأميركان من بلاد ما بين القهرين الطاهرة.
ألفرمان أو الفتوى الصدرية الجديدة، قالت بالموافقة على بقاء مدربين أميركيين لتدريب جند العراق وشرطته، مشفوعة بثلاثة شروط، هي كما سمعناها وقرأناها، وأولها، أن يتم الأمر بعقد جديد، وثانيها أن يكون التدريب والتعليم بصورة غير مباشرة، أما الثالث فهو بتعويض العراقيين، خسائرهم التي تسببت بها أميركا في باب البنية التحتية - دون البنية الفوقية والدم والحجر والخراب والكرامة وسواها - . هذه الثلاثية اللطيفة، تبعها قول للمفوه بأسم السيد مقتدى، هو أن فرنسا والصين وروسيا كانت على جهوزية واستعداد لتدريب وتمرين العسكرة العراقية، لكن الحكومة ببغداد، قد أعطت المسألة "ألأذن الطرشة" أما أنا، الباحث عن المشاكل والمعامع ودوخة الرأس المزروعة في دفتر الحق، حتى لو كان نائماَ ببطن حوت، فلقد وجدت أن الأمر لا يخلو من طرافة ولطافة، ولم أدخ كثيراَ في الشرط الصدري المتصل بالتعويض في باب البنى التحتية، وفككت شفرته واسترحت وأرحت، لكنني - والحق يقال حتى لو كان يثلم من الهيبة - لم أقدر حتى اللحظة، على فك وفل طلسم ولغز مشروطية التدريب غير المباشر. بمعنى هل أن المقصد منه هو قيام المدربين الأميركان، بتعليم العسكر العراقيين والقاء المحاضرات، وثردها على موائد التلاميذ، من وراء ستارة أو طوف من فلين أو أي نوع من ستر تستتر خلفه الناس اذا ابتلت ببلوى؟ أم أن المقترح - بعد شرحه وتفسيره واضاءته - سينص على دائرة تلفزيونية مغلقة على شاشة عملاقة، صافية وملونة، سيلقي الأميركان من فوقها، علومهم ونصحهم؟ السيد مقتدى - وان كنا على خلاف في هذه وتضاد في تلك - لكن تحيتنا فيها سلام :
كنتم قبل هذه الموقعة، قد أجهضتم حلم مظاهرة مليونية مملينة، حانت ونضجت وأستوت، لكنكم - أنجاكم ألله من الزلل والخطل والخلل - قد شمرتم على السامعين، ثلاثة شروط، لا أرى أنها قد لبّت حتى الآن، وفي هذا، لا أظنك سعيداَ بمشهد مظاهرة قام بها أهل البحرين، وهوس فيها نحو ربع مليون آدمي وآدمية، في نفس الوقت الذي خرجت فيه مظاهرة بساحة التحرير ببغداد المحتلة، قامت على أكتاف وصدحات، أنقص من خمسمائة نفر ونفرة، وأنت تعلم أن عدد سكنة دلمون، هو المليون فقط، وعدد أهل الرافدين، هو أزيد من ثلاثين مليوناَ، فهل يعجبك - هديت وهدينا - هذا المنظر الخربان غير العادل، وقد جرى على أهل العراق وأرضه وزرعه وضرعه، ما لم يجر مثله على أحد؟
أخي أو نظيري أو مجادلي، أو أي صفة تريدها بيني وبينك :
ان كنت والأتباع والمريدون، لها وعلى قدرها، فلا تأخذك بالهمج الأميركان رحمة ورأفة. تسع سنوات، كانت كافية لبناء البلد على احدث الطرز. تسع كافيات لخلق أعظم جيش. تسع يكفين لشد جروح النازفين وجبر خواطر المكلومين المهانين المذلين. لكن أميركا الوغدة - وهي الآن تعيش ثورة غير مغطاة، ضد الرأسمالية العرجاء والجشع - لم تفعل عشر هذا، وأنصب جهدها فقط، على تأمين وتسييل نفط الوطن في أنابيب النهيبة، ومن الآن، وحتى ميعاد انسحابهم - هم وشواذ بلاك ووتر ومقترباتها ودولة السفارة - سيثرمون ويشوون ويفكككون ويهينون الناس، بالمفخخات والأحزمة الناسفة، وأيضاَ بالفتنة وبالتجهيل وبالتضليل، وقد قلنا الأسبوع الفائت والذي قبله، والليلة كذلك، أن الأميركان اذا دخلوا قرية، أفسدوها، فأفعلها، يؤتك الرحمن الرحيم البديع العالم القوي الجميل الجبار، حسنات غير معدودات، ويغفر لك - ولنا أجمعين - ما تأخر من ذنب وما تقدم. قل كلمتك الحق الحق - من دون ولاية الفقيه - وأمش، فنحن فانون ذاهبون، لكن التأريخ باق.
علي السوداني، كاتب وصحافي عراقي. والمقال مقتبس من صحيفة "الزمان"
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته