من أوراق الأيام

News image

هل يمكن للهوية أن تضيع، وماذا أفعل إذا ضيّعت هويّتي؟

News image

الثقافة في المغرب: أي خصائص، ومقومات، وأصول؟

News image

أُسس التحدي: الفلسفة العربية الحديثة والزمن

News image

السوسيولوجيا من منظور فلسفي

News image

المهجة والمعرفة والواقع

News image

الذات بين التفكك والتحقق

News image

شعر الجهاد والمقاومة ضد الغزاة في المغرب

News image

ابن خلدون وتقنية الحدس المعرفي في كتابة التاريخ

News image

المثقف العربي: صراع الذات والهوية

News image

هل كان المعري براهمياً؟

News image

دلالات المتخيل الاجتماعي عند كاستورياديس

News image

أوراق في العلم والفلسفة والفن

News image

الغرب والفلسفة العربية الإسلامية

News image

كيف صنع القاضي المنصوري جسرا بين التقليد والحداثة؟

News image

الاجتهاد ليس تنويرا، أما التنوير فاجتهاد موسّع

طباعة إرسال إلى صديق
بقلم: د. مصطفى يوسف اللداوي   
الجمعة, 04 نوفمبر 2011 00:12

فلسطين كلمة حق أمام سلطانٍ جائر

لم تستطع سطوة الولايات المتحدة الأميركية بكل جبروتها وكبريائها وظلمها وتعديها، وبما ملكت من قوةٍ غاشمة، وسلاحٍ غادرٍ قاتل، ونفوذٍ واسع، وسيطرة وهيمنة على الكثير من حكومات دول العالم،... ومعها كيان الظلم والاستبداد، ودولة القهر والإذلال، التي قامت على القتل والتهجير، والمذابح والمجازر والدماء، ومعهما دولٌ قليلة افتأتت على الحق، وعاشت على الظلم، واستمرأت الفساد، وعاثت في الأرض الخراب، ورضيت أن تكون تبعاً وذيلاً، تتقرب من الولايات المتحدة الأميركية وتخطب ودها، وتحرص على حبها والوفاء لها، وقد كانت هي السبب في تعاسة أمة، وتشتت شعب، وتمزق دولة، وضياع حلم، أن تمنع دولاً أخرى، وحكوماتٍ كثيرة من أن تقول كلمة الحق، بلا خوفٍ ولا جبن، وبلا ترددٍ أو إكراه، دون أن تحسب حساباً لقوة أميركا ونفوذها، ودون أن تصغي السمع لتهديداتها ووعيدها، فلم تبالِ بالغضب الأميركي الذي سينصب عليها، وربما بالعقوبات التي ستفرضها عليها، كما لم تهتم بوعود الإغراء، ومنح الرشوة، ومساعدات السراب إن هي سكتت عن الظلم، وامتنعت عن شهادة الحق، وأيدت الجلاد وتخلت عن الضحية، وتنكبت للقيم وانقلبت على معايير العدل والمساواة، ولكن هذه الحكومات قالت كلمتها بلا خوف، وأعلنت تأييدها للحق الفلسطيني في أن تكون له دولة ووطن، وأن تتمتع كغيرها من دول العالم بعضويتها الكاملة غير المنقوصة في كل المؤسسات الدولية، ففلسطين دولةٌ لشعبٍ عريق يضرب بجذوره في عمق الأرض والزمن معاً، ولا يمكن لقوةٍ أن تجتثه، ولا لقهرٍ أن يشطبه، ولا لدولةٍ مهما علا سلطانها، واشتد بأسها، وامتد نفوذها أن تحرم فلسطين وشعبها من أن تكون له دولته على الأرض كلها، بكامل سيادتها وبكل حريتها، فكان اعتراف منظمة التربية والعلوم والثقافة بحق فلسطين في دولتها ووطنها شهادةُ حقٍ أمام دولةٍ جائرة.
وبغض النظر عن تأييد بعض الفلسطينيين لهذا الاعتراف الرمزي أو رفضهم وإنكارهم له بحجة عدم الأهمية، وفقدان القيمة، وأنه لا يقدم شيئاً حقيقياً للشعب الفلسطيني، فما الذي سيعنيه هذا الاعتراف، هل سيطرد الاحتلال الإسرائيلي، أم أنه سيمكن الفلسطينيين من رفع علم دولتهم فوق تراب فلسطين، وهل سيجبر هذا الاعتراف الحكومة الإسرائيلية على الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، والانسحاب من أرضه، والتسليم له بحقوقه كاملةً في أرضه ووطنه وتاريخه ومقدساته، أم أن هذا الاعتراف سيمهد الطريق أمام مجلس الأمن الدولي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وسيشجع دول العالم في الجمعية العمومية للأمم المتحدة لتتخذ ذات الخطوة، وتؤيد ذات الطلب، وترفض الفيتو الأميركي، وتتجاوز الرفض الإسرائيلي وتعترف بفلسطين عضواً كامل السيادة إلى جانب جميع دول العالم الأخرى.
بعيداً عن هذا الجدل المحلي المؤيد والرافض، والمرحب والمستخف، فإن تأييد دول العالم لحق فلسطين في أن تكون لها دولة ووطن، وصوتٌ ومقعدٌ وسيادة، إنما هو ثورة على الظلم، ورفضٌ للهيمنة الأميركية والسيطرة الغربية، وبداية تحول لسياساتٍ دولية ترفض الهيمنة الأميركية، وتعارض سياسات التبعية لها، وتستنكر تهديداتها ومحاولات الضغط التي تستخدمها ضد دول العالم ومؤسساته، ترغيباً وترهيباً، عطاءاً وحرماناً، هذا الاعتراف إيذانٌ عملي وحقيقي بأن الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها لن يستطيعوا أن يمضوا في سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، وترهيب الآخرين بالفوضى والحرمان، وتهديدهم بالضياع والرحيل وفقدان الأمن والاستقرار، فقد قالت دولُ العالم كلمتها بوضوحٍ جلي، وصراحةٍ مدوية، دونَ خوفٍ على مستقبل، أو قلقٍ على حاضر، ولعل الإدارة الأميركية أحسنت قراءتها، وأصغت السمع لتداعياتها، وأدركت مفاعيلها ومدى التغيير الحادث في المزاج الدولي العام، فعلمت أن الزمن الذي كانت تضع فيه السياسات الدولية وحدها قد ولى، وأن الوقت الذي كان مندوبو دول العالم ينتظرون كلمة السر من المندوب الأميركي في مجلس الأمن والأمم المتحدة لم يعد موجوداً، فكل دولة لها سيادتها وقرارها المستقل، والعقل الإنساني أصبح يدرك الظلم وينقلب عليه، ويعرف الحق ويتمسك به، فهذا زمنٌ آخر وعالمٌ مختلف، لن تكون فيه السيادة للظلم، ولا الكلمة للسلطان الجائر.
اعتراف دول العالم في منظمة التربية والعلوم والثقافة هو اعترافٌ بقيم والحق ومبادئ العدل والمساواة، وهو انتصارٌ للحق على الباطل، وثورةٌ للمظلوم على الظالم، وهو إيذانٌ ببدء عهدٍ جديد تنتصر فيه الشعوب المقهورة على الحكومات القاهرة، وتعلو قيم العدل على معايير الظلم، وتسود معاني المحبة على أدران الكراهية والحقد، وهو اعترافٌ يضع العالم كله أمام مسؤولياته الإنسانية والأخلاقية، ويذكرهم بواجبهم حيال الشعب الذي تسبب الكيان الإسرائيلي في شتات شعبه، وتمزيق أرضه ووطنه، وهو اعترافٌ يدفع عقلاء العالم وعلمائه ومثقفيه لأن تكون لهم كلمة ورأي، وأن يثوروا على معاني الاستعباد والإذلال، وأن يرفضوا مفاهيم التبعية ومصادرة حرية الدول والشعوب في أن تقول كلمتها بحق، وأن ترفع صوتها بلا خوف، وهي دعوة لمثقفي العالم لأن يمارسوا دورهم العلمي المهني المنصف الشفاف في بيان حق الشعوب، وتسليط الضوء على حقهم في النضال من أجل استعادة الأرض والحقوق، ونيل الحرية والسيادة، اعتراف منظمة التربية والعلوم والثقافة بالدولة الفلسطينية هو اعترافٌ بالهوية والثقافة الفلسطينية، وبالموروثات الحضارية التاريخية والدينية الفلسطينية.
لعل ما قامت به دول العالم في منظمة اليونسكو واعترافها بحق فلسطين التاريخي والثقافي والديني والحضاري، هو انتصارٌ للضعفاء على الأقوياء، وهو انتصارٌ لأصحاب الحق على المتغولين عليه والغاصبين له، وهو تحالفٌ لحملة العلم والقلم على مالكي الدبابة والصاروخ وصناع الموت والخراب، وهو تأكيدٌ على تزاوج الثقافة والعدل، وافتراقها عن الظلم والبغي، وهو درسٌ بالغ الأهمية إلى الإدارة الأميركية وحلفائها أن أدواتهم في التغيير أصبحت بالية، ووسائلهم في تغيير المواقف لم تعد سارية، وأصوات الشعوب لم تعد مرهونة، وإرادة الدول لم تعد مكبلة، وأن عليها هي أن تؤوب إلى الحق، وأن تقلع عن الظلم، وأن تتوقف عن مساندة دولة البغي والطغيان، وأن تدرك أن إسرائيل تضرب بسيفها، وتقتل بسلاحها، وتعتدي بجبروتها، وترهب الآخرين بتحالفها معها، فهل تحسن الإدارة الأميركية قراءة هذه الرسالة والاستفادة منها، أم أنها ستأخذها العزة بالإثم، وستمضي في غيها، وستبقى سادرةً في تيهها وضلالها، لا يردها حقٌ ولا يوقظ ضميرها عدلٌ.
 

د. مصطفى يوسف اللداوي، كاتب واحث فلسطيني
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
 

 

المزيد من آراء وأفكار

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب