|
بقلم: د. عماد الدين الجبوري
|
|
الأربعاء, 23 نوفمبر 2011 22:38 |
|
العراق ومرحلة الحسم القادمة
في الأسابيع القليلة القادمة ستنتهي الفصول الأربعة من عام 2011، ومعها سيشهد العراق خروج معظم القوات الأميركية المحتلة منذ العام 2003.
وحسب قراءتنا لسلسلة الأحداث والوقائع وما صاحبها من معطيات ومستجدات على أرض الواقع، نستطيع أن نستنبط مرحلة الزمن القادم ونقول بأن عام 2012 سيكون بداية لمرحلة الحسم النهائي بين حكومة الاحتلال المدعومة بكل قوة من النظام الصفوي الإيراني والتأييد الأميركي، وبين المقاومة العراقية بشقيها المسلحة والمدنية. ولكي نوضح الأمر أكثر نشير إلى ما يلي:
أولاً: حتمية خروج المحتل
من الحقائق الثابتة في التاريخ أن مصير المحتل نهايته الزوال مهما كانت له قوة بطش دموية. كما وأن هذه النهاية للمحتل الغازي لا تأتي من تلقاء نفسها، بل عبر قوة مضادة تدافع عن الأرض والعرض. وهكذا كانت حتمية المحتل الأميركي بوضع جدول زمني يلتزم بخروج قواته من العراق رسمياً. فلولا ضراوة وبسالة المقاومة العراقية التي حطمت عنجهية الجيش الأميركي وحطت من عليائه ومرغت أنوف جنوده بوحل الرافدين، ما كان لهكذا إنكسار عسكري يأتي علناً وفق إنسحاب مجدول يكتمل في غضون 18 شهراً، ليسجل التاريخ مرحلة جديدة تدخلها المقاومة الوطنية العراقية المظفرة بنصر ملحوظ.
أن نظرية التاريخ التي تنص على زوال الدولة، أو المحتل أو الحضارة، فأن إنهيارها لا يقترن بزمن وقوعها، وإنما تعود إلى زمن ماضٍ يمتد لسنوات أو عقود أو حتى قرون حدث فيه سبب الإنهيار الذي يستمر لحين حصول الوقوع النهائي. مثلاً على ذلك، أن الحضارة العباسية (132-656ه/ 750-1258م) التي مرت في ثلاث عصور، فأن إنهيارها بدأ في العصر الثاني (847-1055م) عندما أزداد الإعتماد على العنصر التركي، ومن قبله العنصر الفارسي، فأضعفت القوة العربية التي هي صلب المجتمع والدين والسلطة. وهكذا لم تستطيع مجابهة الهجوم المغولي التتري الذي قضى عليها بوحشية فتاكة قل نظيرها. ومنذ ذلك التاريخ والعرب يفتقدون إلى قوة وحدوية فعالة تعيد لهم شأنهم الحضاري والقيادي عالمياً.
وإستناداً إلى هذه النظرية، نستطيع أن نصل إلى هذا الإستنتاج: أن بداية الفترة الزمنية لجدولة الإنسحاب الرسمي للقوات الأميركية من العراق تعتبر إنطلاقة الإنهيار العسكري التدريجي للمحتل. وأن فشل فرض الحل العسكري هو دليل واقعي وحقيقي على المصير الحتمي لزوال المحتل. وهذا بدوره يدل بكل وضوح على حتمية إنتصار المقاومة العراقية مستقبلاً.
ثانياً: حتمية إنتصار المقاومة
عندما وضع أبن خلدون نظرية التنبوء العلمي بالمستقبل، فأن علم الاجتماع الحديث قد أعتمد هذه النظرية لِما لها من حقائق تاريخية. إذ يشير مؤسس فلسفة التاريخ بأن: الوقائع والأحداث التي تجري في الزمن الماضي والتي لها ما يشابهها بالمكان في الزمن الحاضر، فإنه يمكننا أن نتنبأ بالمستقبل علمياً.
ومن هنا نستطيع القول بأن الاحتلال البريطاني للعراق الذي إكتمل بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918) فإن ثورة الشعب الكبرى في عام 1920 كانت بداية الإنتصار الحتمي ضد المحتل الغازي؛ وأن ثورة 14-تموز/يوليو 1958 هي نهاية قلع جذور المحتل البريطاني، وتحقيق النصر الكلي على وجوده. وبما أن الزمن الحاضر في العراق تجري فيه أحداث ووقائع مشابهة لِما جرت له في الزمن الماضي، إذن فإن التنبوء بالمستقبل يكون جلياً حيث زوال المحتل الأميركي الغازي، وأن إنسحاب قواته تعني بشكل مؤكد على هزيمته عسكرياً وإنتصاراً ثميناً للمقاومة العراقية البطلة.
أن التركيز على حتمية إنتصار المقاومة بالقدر الذي نستعرض فيه شواهد وحقائق التاريخ، فأن لكل مقاومة خصائصها ومميزاتها. ولعل من أهم ما تنفرد فيه المقاومة العراقية هي أعتمادها على خبراتها وقدراتها الذاتية عسكرياً وأمنياً وفنياً ومالياً وإعلامياً الخ. حيث لا معين لها إلا الله والإعتماد على النفس. إذ لا تجرأ أية دول بمساعدة المقاومة العراقية لكيلا تدخول في مواجهة ما مع الإدارة الأميركية المهيمنة على أصقاع الأرض؛ بينما أبطال المقاومة ثابتون على عزيمتهم وإرادتهم في تحقيق إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.
أن المجاهدين هم الذين يؤمنون بأن النصر صبر ساعة، وهذه الساعة لا يفقه زمنها من تعلق بماديات الحياة الفانية، بل الذين يرون الجنة على مرمى العين. ولذلك تجد أشاوس المقاومة ماضون بنهجهم الجهادي، وأن حتمية إنتصارهم، بعون الله تعالى، تزداد قرباً أكثر مما مضى.
ثالثاً: مرحلة الحسم
مع إطلالة العام القادم يكون العراق على مدخل العقد الأول من الاحتلال. وإذا كانت هناك مراحل قد مرت فيها فصائل المقاومة العراقية، سوى في تكويناتها وتشكيلاتها، أو في إستجابتها للتحدي حيث إنبثاقها في جبهات متعددة في النصف الثاني من عام 2007. فأن المرحلة القادمة من عام 2012 ستكون هي بداية مرحلة الحسم النهائي بين المقاومة وحكومة الاحتلال، وأن الأخيرة هي التي ستنكسر، مثلما إنكسر قبلها جيش الاحتلال الأميركي نفسه. أما ما تراهن عليه حكومة المالكي بأتباعها النهج التالي:
1- الإستمرار بالقمع الوحشي اليومي عبر الاعتقالات التعسفية والعشوائية، وزج المواطنين الأبرياء من مختلف الأعمار في غياهب السجون والمعتقلات السرية والعلنية.
2- الإزدياد بدمج القتلة من الميليشيات الطائفية داخل صفوف وحدات الجيش والأجهزة الأمنية وقوات الشرطة، ظناً منها بمد أذرع تقوي سلطتها وتمد في بقائها.
3- الإعتماد على العنصر الفارسي الذي تحول من إحتلال سياسي إلى إحتلال مُسلح عبر الميليشيات من جهة، والجمعيات والشركات التي تحمل أهدافاً مغايرة عما تعمل فيه من جهة أخرى. ناهيك عن الخلايا النائمة والكل يعمل تحت إشراف فيلق القدس الإرهابي.
4- التمادي بتصفية وقتل كل عراقي وطني يقف على الضد من الاحتلالين الأميركي والإيراني والمتحالفين معهم من العراقيين الخونة.
أن سياسة الإضطهاد العلنية التي تمارسها حكومة نوري المالكي إنما تتجه نحو حتفها عاجلاً أو آجلاً. وأن فلسفة القتل التي يطبقها المالكي وفق التنظير الصفوي بحق العرب، لن تنجيه من عقاب الشعب مستقبلاً. فالأمر طالما يرتبط بالمد الخارجي، فأن واشنطن وطهران لا تستمران على وتيرتهما بسياسة القبضة الحديدية على العراق. فما حققته المقاومة العراقية من ثبات وتقدم على الساحة الجهادية قد فرضت على الكثير بأن يعيدوا حساباتهم الداخلية والخارجية.
علاوة على ذلك، أن الوضع الإقتصادي الأميركي الذي أنهكته سياسة الحروب على الشعوب وخسائرها المريرة والباهظة ستفرض على حملة الإنتخابات الرئاسية، في العام القادم، أن تغير من إستراتيجيتها تجاه المنطقة. لا سيما وأن الربيع العربي له روافد تعود بشكل أو آخر لِما قدمته المقاومة العربية في العراق خصوصاً وفلسطين عموماً، فضلاً عن الأحواز.
أما حكومة الملالي فهي الأخرى تعاني من إقتصاد متردي نتيجةً للميزانية الهائلة التي تنفقها على التسليح النووي. وكذلك بالنسبة إلى الإضطهاد الذي تمارسه بحق الشعوب التي طالت حتى القومية الفارسية بعد الإنتخابات الأخيرة. وهذا يعني هناك غلياناً شعبياً وجوعاً وفقراً متفاقماً سيؤدي، لا محالة، إلى إنفجار مدوي قد يقلب الحسابات الصفوية رأساً على عقب.
وعليه فأن المرحلة القادمة في العراق ستشهد صراعاً حاسماً، مهما أستغرق فيه الوقت، فأن نهايته ستكون بعونه تعالى لصالح المقاومة العراقية. إذ أن طريقة البناء الفاشلة لحكومة المالكي التي أقصت حتى المتحالفين معها في العملية السياسية، وإنفردت في صنع القرار المجحف وتطبيقه، فأن ذلك من سمات هزيمة هذه الحكومة التي لا مناصر لها إلا الطائفيين والصفويين. بينما رجال وشباب المقاومة الذين كسروا شوكة الجيش الأميركي لقادرين كل الإقتدار على مواجهة هكذا حكومة فاشلة وقطع الأذرع الإيرانية الداعمة لها، وتحقيق التحرير للبلاد والعباد. وأن غداً لناظره قريب.
د. عماد الدين الجبوري، كاتب وأكاديمي عراقي |