|
بقلم: معتصم حمادة
|
|
الاثنين, 16 يناير 2012 07:52 |
|
من اتخذ القرار بالذهاب إلى عمان؟
قرار استئناف المفاوضات في عمان دون وقف الاستيطان شكل طعنة لأجواء التقارب السياسي التي بدت واضحة في حوارات القاهرة، ويطرح في السياق مصير الهيئات الشرعية في ظل تغول سياسة التفرد بالقرار.
لقاءات عمان بين صائب عريقات واسحق مولخو أثارت ردود فعل عاصفة لدى الصف الأوسع من القوى السياسية والرأي العام الفلسطيني.
* فهي تمت تحت رعاية «اللجنة الرباعية» الراعية للعملية التفاوضية في المنطقة، كما حضر الاجتماعات توني بلير مبعوث الشرق الأوسط.
* وهي تمت بين رئيس دائرة المفاوضات في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس وفدها التقليدي إلى المفاوضات، صائب عريقات، من جهة، وبين المحامي الإسرائيلي اسحق مولخو، المستشار السياسي لرئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، والمسؤول عن الملف التفاوضي مع الفلسطينيين.
* كما بحثت ملفا شديد الخطورة والأهمية هو ملف «الحدود والأمن» [تحتاج مسألة الربط بين الحدود والأمن إلى معالجة خاصة بالضرورة]. وهو واحد من ملفات قضايا الحل الدائم بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
* شكلت خرقاً حتى لمواقف الجناح المعتدل في حركة فتح، والتي جاءت على لسان الدكتور نبيل شعت، الذي أكد في غزة [قبل لقاءات عمان] أن لا لقاءات على الإطلاق مع الإسرائيليين قبل وقف الاستيطان وتجميده بشكل كامل في الضفة كما في القدس المحتلة. لقاءات عمان انعقدت والاستيطان لا يتواصل فحسب، بل يزداد خطورة من خلال الإعلان عن مشاريع خيالية لإقامة آلاف الشقق السكنية في أنحاء مختلفة من القدس المحتلة والضفة الفلسطينية. علماً أن إقامة هذه المشاريع يستدعي، وفقاً لمخططاتها، هدم أحياء فلسطينية بأكملها، وتهجير أصحابها، وإضافتهم إلى فئة اللاجئين من أبناء الشعب الفلسطيني.
المفاوضات، إذن، استؤنفت، في ظل تواصل الاستيطان، ودون الاعتراف الإسرائيلي بخطوط حزيران مرجعية للعملية التفاوضية. ما يعني بلغة أخرى أن المفاوض الفلسطيني تخلى عن آخر سلاح بين يديه واستسلم لإرادة المفاوض الإسرائيلي.
في أيلول من العام الماضي، أطلقت اللجنة الرباعية مشروعاً لاستئناف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بعد أن أوصل التعنت الليكودي هذه العملية إلى الطريق المسدود، حين رفض تجميد الاستيطان، ولو لفترة زمنية محدودة. واستقال المبعوث الأميركي جورج ميتشل من مهمته.
مشروع الرباعية فيه التفاف على الوضع وتحايل على الذات، ومحاولة مستميتة لملء الفراغ الذي خلفه تعطل العملية التفاوضية وجمودها. ولو تعطلت المفاوضات لفترة أطول، لبات من الضروري عندئذ، أن يطرح على بساط البحث مصير «الرباعية» نفسها، ما يعني انهيار تام للمسار التفاوضي.
نص اقتراح «الرباعية» على منح الطرفين فترة زمنية يقدمان خلالها رؤية كل منهما للحل، على أن تدرس، وتكون مادة المفاوضات التي يفترض أن تعقد في 26/1/2012.
الجانب الفلسطيني رحب باقتراحات الرباعية، وعمل بموجبها، ورأى في ذلك فرصة لإخراج المفاوضات من مأزقها. شكل اقتراح «الرباعية» خشبة إنقاذ للجانب الفلسطيني، خاصة وأنه لا يتردد في التأكيد أن خياره الوحيد للتسوية هو المفاوضات. وأن تعطل المفاوضات وانهيارها سوف يدفعان بالحالة الفلسطينية نحو البديل الواقعي والعملي الوحيد متمثلا بالمقاومة الشعبية بكل أشكالها.
الجانب الإسرائيلي رفض الاقتراح «الرباعية» وأصر على أن تكون طاولة المفاوضات هي المكان الوحيد لتبادل مشاريع الحلول والاقتراحات بين الطرفين.
في البدء تمسك الجانب الفلسطيني بموقفه مؤكداً أن لا لقاءات دون وقف الاستيطان. لكن، وكما يبدو، فإن الضغوط العربية ـ الأردنية بشكل خاص ـ والأميركية، وتهافت موقف المفاوض الفلسطيني، كلها عوامل دفعت به نحو الإنزلاق إلى لقاءات عمان، حيث تدور مفاوضات بين الطرفين.
يعتقد المفاوض الفلسطيني أنه في عمان طوق الموقف الإسرائيلي وأعاد الحياة إلى المسار التفاوضي. لكنه تجاهل أمرين كبيرين ومهمين جداً:
* الأمر الأول أنه رضي باستئناف المفاوضات دون وقف الاستيطان. وسجل بذلك سابقة خطيرة سوف تنتصب أمامه بقوة حين يدعى إلى مفاوضات 26/1/2012. إذ سيقال له كما فاوضت مطلع الشهر الجاري في عمان دون وقف الاستيطان بإمكانك أن تواصل. وبالتالي، وخلافاً لذلك، سوف يتحمل وحده مسؤولية تعطيل المفاوضات إن هو أصر على الربط بينها وبين تجميد الاستيطان. لقد حقق الجانب الإسرائيلي فوزاً، وألحق هزيمة بالفريق الفلسطيني. الأمر الثاني أن الفريق الفلسطيني المفاوض انتهك موقفاً وطنياً تشكل حوله إجماع. صحيح أن شرط وقف المفاوضات، وشرعية خطوط حزيران، هما المتطلبان، الحد الأدنى، اللذان طرحهما الرئيس عباس، مقابل استئناف العملية التفاوضية، لكن الصحيح أيضاً أن الحالة الفلسطينية في القاهرة (يومي 20 و22/12/2012) تبنت موقف عباس باعتباره موقف الحد الأدنى الذي لا تراجع عنه. وبالتالي، وللمرة الأولى، يتوفر للعملية التفاوضية، وفقاً لمتطلباتها كما يراها الفلسطينيون، إجماع وطني، لم يسبق أن توفر له مثيل في هذا السياق. ولعل هذا الإجماع هو الذي أسهم في توفير الأجواء والمناخات الضرورية للدخول في رسم آليات تطبيق اتفاقات إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة. وبدلاً من أن يصون المفاوض الفلسطيني هذا الإجماع، ويتمسك به، ويستقوي به على الطرف الآخر، بادر إلى تجاوزه وانتهاكه، وذهب بقرار منفرد إلى المفاوضات، متجاوزاً حتى الشروط التي كان هو نفسه وضعها. من هنا كانت ردود الفعل الصاخبة على الذهاب إلى لقاءات عمان، ومن هنا أيضا ضرورة أن تطرح الأسئلة الواجب طرحها وبوضوح. وفي مقدمها من هو المعني باتخاذ القرار التفاوضي وما هو دور اللجنة التنفيذية، واللجنة السياسية التي تشكلت عشية الذهاب إلى نيويورك، ولجنة التوجيه العليا المعنية برسم الخط والتكتيك التفاوضيين؟
لجان كثيرة، تصدر بها مراسيم، تتشكل على الورق لكن القرار يبقى، وكما كان منذ ما قبل أوسلو وحتى الآن، يطبخ في مطبخ مصغر، يشكله الطرف الممسك بزمام القرار، خارج إطار الهيئات الشرعية، يتخذ من القرارات المنفردة ما يخدم توجهاته السياسية، متجاهلاً أن الحالة الفلسطينية تقوم على الائتلاف الوطني، وأن قرار الذهاب إلى عمان وجه طعنة إلى هذا الائتلاف الوطني.
ونعتقد أن على «الهيئة الوطنية العليا» المفترض اجتماعها مطلع الشهر القادم، أن تضع، في مقدمة واجباتها التوقف أمام هذه الظاهرة الخطيرة. وكذلك بات على اللجنة التنفيذية أن تتحمل مسؤولياتها كهيئة قيادية، وأن تخوض المعركة لوضع حد لسياسة التسيب في اتخاذ القرار.
المرحلة شديدة الحساسية وشديدة الخطورة. فإلى متى يبقى القرار حكراً على أفراد، وخارج إطار الهيئات الشرعية؟ |