من أوراق الأيام

News image

هل يمكن للهوية أن تضيع، وماذا أفعل إذا ضيّعت هويّتي؟

News image

الثقافة في المغرب: أي خصائص، ومقومات، وأصول؟

News image

أُسس التحدي: الفلسفة العربية الحديثة والزمن

News image

السوسيولوجيا من منظور فلسفي

News image

المهجة والمعرفة والواقع

News image

الذات بين التفكك والتحقق

News image

شعر الجهاد والمقاومة ضد الغزاة في المغرب

News image

ابن خلدون وتقنية الحدس المعرفي في كتابة التاريخ

News image

المثقف العربي: صراع الذات والهوية

News image

هل كان المعري براهمياً؟

News image

دلالات المتخيل الاجتماعي عند كاستورياديس

News image

أوراق في العلم والفلسفة والفن

News image

الغرب والفلسفة العربية الإسلامية

News image

كيف صنع القاضي المنصوري جسرا بين التقليد والحداثة؟

News image

الاجتهاد ليس تنويرا، أما التنوير فاجتهاد موسّع

"سوبر ماركت" غزة.. تحت الأرض PDF طباعة إرسال إلى صديق
السبت, 24 أكتوبر 2009 07:15

نفق حياة

المتوسط اونلاين - زفت فتاة أردنية من أصل فلسطيني إلى عريسها الفلسطيني المقيم في مدينة غزة بعد دخولها إلى القطاع بطريق غير متوقع على الإطلاق وذلك عبر أحد الأنفاق في حكاية أقرب إلى الخيال.

فالشابة تمكنت من العودة إلى موطنها الأصلي، بعد ارتباطها بشاب غزي، ولم تكن سبيل العودة سوى أحد الأنفاق الممتدة بين قطاع غزة ومصر، وقد بقي لها هذا الخيار الوحيد بعد أن أُغلقت كل الطرق في وجهها، لتكمل مسيرة حياتها مع زوجها في غزة المحاصرة مع علمها أنها قد لا تغادرها مرة أخرى وقد لا ترى عائلتها ثانية.

هذه الحادثة، هي واحدة من الوقائع والطرائف المؤلمة التي تقع تحت الأرض على الحدود بين قطاع غزة ومصر، كل يوم تقريبا، ومع أن إسرائيل والسلطات المصرية والقوى الغربية، كثيرا ما تصم هذه الأنفاق بأنها تستخدم للتهريب، فإن في الواقع الفلسطيني ما يبررها.

وعلى مدار التاريخ كانت الحروب حافزا قويا لبروز ظواهر عديدة اخترعها الإنسان لتسيير حياته في ظلّ هذه الظروف العصيبة، وفي الحرب الاسرائيلية على الاراضي الفلسطيننية تعتبر الأنفاق أحد أهم هذه الاختراعات التي تربط القطاع المحتلّ بالعالم.. وقد تطوّرت هذه الأنفاق واكتسبت أهدافا جديدا، فلم تعد مخبأ المقاومة فحسب، بل باتت سوقا نشيطة توجد فيها مختلف البضائع بدءا من السلاح مرورا بالمأكولات والبضائع العادية وصولا إلى تهريب البشر.

وتعد الأنفاق بين قطاع غزة ومصر قضية شائكة متعددة الأبعاد. ففي حين تعتبرها إسرائيل والولايات المتحدة وسيلة إمداد لوجيستي حيوية لحركة المقاومة الإسلامية حماس، والفصائل الفلسطينية الأخرى، فإن أهالي قطاع غزة المحاصر يعتبرونها منفذا مهما لتزويدهم بسلع أساسية يحتاجونها، وبين الرأي ونقيضه فإن الأنفاق هي بالنسبة لأصحابها ومن يعمل عليها مهنة ووسيلة لكسب عيش، ولكنها أيضا طريقة مناسبة للاغتناء ليس فقط باحتكار توريد السلع الاستهلاكية للمواطنين في القطاع.

وتتراوح الأنفاق في طولها ما بين 100 متر وكيلو متر، وينتشر العشرات منها على كامل القطاع المحاصر، ومثلما يصعب تحديد عددها  يصعب تحديد مواقعها، فهي تبدأ وتنتهي في أماكن غير اعتيادية تحت بلاط الارضيات في المطابخ وداخل خزانات غرف النوم او في حظائر الماشية او زوايا البنايات المهجورة. والأشخاص الذين يسمحون بأن يتم استخدام مساكنهم للأنفاق يتقاضون مقابلا ذلك.

وإذا كانت الغاية من بناء الأنفاق في البداية سياسية عسكرية فإنها باتت ذات أهمية قصوى بالنسبة لسكان غزة الذين لا تعنيهم تجارة الأسلحة بقدر ما يبحثون عما تستمر به الحياة، لاسيما بعد أن أصبحت منطقة الحدود مغلقة منذ أن تولت حركة حماس السلطة في حزيران- يونيو عام 2007، فكانت الأنفاق السبيل الوحيد للحياة وتوفير الغذاء والدواء، وحتى طريقا للبعثات السياسية.

وتشبه منظمة الأمم المتحدة في تقرير لها الأنفاق التي تربط بين مصر وقطاع غزة بمثابة شريان الحياة لنحو مليون ونصف من السكان الفلسطينيين، بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض عليه. وأضافت المنظمة الدولية أن هذه الأنفاق قد ازدهرت وتحولت إلى قطاع اقتصادي قائم بحد ذاته. وأشار التقرير إلى أن الأنفاق باتت تشكّل مصدر رزق لآلاف الفلسطينيين، بعضهم يشارك في أعمال البناء والبعض الآخر يعمل في بيع السلع وشرائها.. وبسبب هذا التوسّع الهائل في وظيفة الأنفاق اضطرّت حكومة حماس إلى إصدار تعليمات لتنظيم هذه التجارة وضبطها.

وبدأ سكان غزة حفر الأنفاق في أوائل الثمانينات لتهريب سلع من مصر، واستغلتها الفصائل الفلسطينية لجلب أسلحة في التسعينات للتصدي للاحتلال الإسرائيلي وإرساء قاعدة قوتها. وفي السنوات السابقة على الانسحاب من غزة في عام 2005 فجر الجيش الإسرائيلي عشرات الأنفاق ولكن لم يستطع القضاء عليها كليا.

وفي الوقت الذي تمنع فيه إسرائيل دخول سلع كثيرة إلى القطاع المحتل، تعتبر الأنفاق ملجأ هاما لدخول هذه السلع التي تتعدد أشكالها وصورها حسب الحجم والكمية المراد دخولها ولم تعد المواد مقتصرة على السلع الغذائية بل توسعت حتى وصل الأمر إلى دخول آلاف رؤوس الماشية من أغنام وأبقار ودراجات نارية وأسمنت والوقود. وقد تطوّرت العمليات التجارية فشملت حتى السيارات. ويتم دخول السيارات إلى قطاع غزة المحتل عبر تقطيعها إلى نصفين في الغالب، ثم يتمّ إعادة تركيبها في ورش خاصة وإعادتها من جديد، فتباع بضعف المبلغ الذي دفعت مقابلها. ويصل أحيانا سعر تسريب السيارة عبر النفق حوالي 2000 دولار.

والمشاكل التي تواجه الأنفاق كثيرة فهي ملاحقة بالتفجير والإغلاق والتفتيش وممنوعة من قبل الحكومة المصرية التي تعمل على تمشيط الشريط الحدودي بمعاونة أجهزة أميركية حديثة الصنع يمكن أن تحدد أماكن الأنفاق بسهولة ويسر، فيما يواجه مرتادو هذه الأنفاق احتمال انهيار النفق أو إطلاق الغازات السامة من قبل الجانب المصري وفتح صهاريج المياه التي تغمر الأنفاق بغرض ردمها، إلا أن مرارة الحياة وشدة الحصار جعلت كل الصعوبات هينة.

تحوّلت الأنفاق من مجرد حفرة إلى ثقافة شعب صنعتها ظروف الاحتلال القاهرة، وحوّلتها إلى "سوبر ماركت" تنشط فيه التجارة بكثرة.. هي صداع يدق في رأس إسرائيل بل وكابوس مخيف يقض نوم القائمين على حكومتها،  فيما سكان الأرض المحتلّة يعتبرها شريان الحياة.

 

 

 

المزيد من التقارير

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب