|
.jpg)
عودة الى الوطن
المتوسط اونلاين - تسعى مصر منذ مدة طويلة إلى استعادة آثارها التي استحوذت عليها كثير من متاحف العالم، وأشهرها متحفا اللوفر بباريس والمتحف المصري ببرلين. وفي سابقة لاسترجاع بعض من هذه الآثار أحرزت إدارة الآثار المصرية تقدّما مهما حين أجبرت متحف اللوفر في فرنسا على أن يعيد إليها خمس لوحات جدارية فرعونية يرجع تاريخها إلى أكثر من 3 آلاف عام.
ويأتي هذا التحرك على أمل أن تنجح القاهرة في استعادة قطع أثرية أخرى معروضة في متاحف كبيرة في العالم، من أهمها التمثال الشهير للمكلة نفرتيتي، والذي يعود تاريخه إلى 3400 عام، والموجود في برلين وتسعى مصر من دون جدوى لاستعادته منذ قرابة ثمانين عاما.
وكانت مصر قد هددت بعدم السماح بسفر أي آثار مصرية إلى ألمانيا ما لم توافق برلين على الأقل على عرض التمثال في مصر لفترة ثم إعادته مرة أخرى، ولكن هذه التهديدات لم تكن مجدية.
ويؤكد رئيس المجلس الأعلى للآثار زاهي حواس أنه بعد اكتشافه في العام 1912 من قبل عالم الآثار الألماني لودويج بوركهارت تم تهريبه إلى ألمانيا عبر البحر، لكن برلين تقول إنه تم الحصول على التمثال بشكل مشروع في العام 1913 وتشدد على خطر نقله لأنه "هش".
وبخصوص اللوحات الخمس، هدد المجلس الأعلى للآثار المصرية بتعليق التعاون مع متحف اللوفر الفرنسي ما لم يتم إعادة القطع الخمس "المسروقة" إلى مصر.
ويعد هذا القرار على درجة كبيرة من الأهمية إذ سبق لمصر أن قطعت علاقاتها في الماضي مع ثلاثة متاحف من بينها متحف سان لويس الأمريكي إلا أنها المرة الأولى التي تتخذ فيها هذا الإجراء مع مؤسسة كبرى مثل متحف اللوفر.
ويزخر متحف اللوفر بأكثر من خمسة آلاف قطعة أثرية مصرية، تعرض في 31 قاعة، وبفضلها تم تطوير المتحف بزيادة مساحات جديدة للعرض، بما يسمح بزيادة عدد القطع الأثرية المصرية المعروضة، إضافة إلى مئة ألف قطعة أخرى في مخازن اللوفر، وكثير من هذه المقتنيات ترجع سرقتها إلى عهد نابليون والحملة الفرنسية، إذ كان الملك شارل العاشر مغرماً بشراء التحف.
ومن أهم مقتنيات اللوفر تمثال الكاتب المصري الذي يعد من أهم أعمال فن النحت المصري، كذلك مجموعة آثار ترجع إلى عصر أخناتون، وتمثال الملكة حتشبسوت، وتمثال لعمدة طيبة «سن نفر»، ومجموعة توابيت ملونة ترجع للأسرتين 21 و22، ورأس تمثال الملك رع ابن الملك خوفو، وهو أول رأس ملكي يعطي ملامح شخصية الملك في تاريخ الفن.
كما يضم اللوفر تمثالا للملك خفرع، وهو أول تمثال ملكي في الحضارة المصرية، يجسد الملك وهو جالس على مقعد، وزوجته جالسة على يساره تطوق ساقه بذراعيها، وعلى يمين المقعد نقش يمثل اسم الملك داخل خرطوش.
يذكر أن فرنسا أقامت متحفا آخر يضم العديد من روائع الآثار المصرية، وهو متحف بولون، وهي المدينة التي ولد بها عالم الآثار الفرنسي ميريت والذي أسس المتحف المصري في القاهرة، وتم تأسيس متحف بولون العام 2004، وحتى يعيش الزائر الجو المصري، ضمت صالات المعرض بالصوت والصورة لوحات من أرض مصر والنيل، وتم تصميم موقع لأعمال التنقيب عن الآثار بأدوات التنقيب والخيام والعمال «مجسم»، وبه صوت لعمال الحفر المصريين خلال عمليات التنقيب أي أشبه بالصوت والضوء.
وتأمل مصر في استعادة حجر رشيد، الذي أتاح اكتشاف اللغة الهيروغليفية والمعروض في المتحف البريطاني في لندن. وحجر رشيد اكتشفه ضابط فرنسي في 19 يوليو عام 1799 إبان الحملة الفرنسية، وقد نقش عام 196 قبل الميلاد، وهذا الحجر مرسوم ملكي صدر في مدينة منف، وقد أصدره الكهان تخليدا لذكرى بطليموس الخامس، وعليه ثلاث لغات.
وكان وقت اكتشافه لغزا لغويا لا يفسر منذ مئات السنين، لأن اللغات الثلاث كانت وقتها من اللغات الميتة، حتى جاء العالم الفرنسي جيان فرانسوا شامبليون، وفسر هذه اللغات بعد مضاهاتها بالنص اليوناني، ونصوص هيروغليفية أخرى، وهذا يدل على أن هذه اللغات كانت سائدة إبان حكم البطالمة الإغريق لمصر لأكثر من 150 عاما.
كما تريد استرجاع القبة السموية التي كانت موجودة في دندرة (صعيد مصر) وهي الآن في اللوفر وتمثال نصفي لأحد النبلاء وهو أحد مهندسي أهرامات الجيزة موجود الآن في متحف "فاين ارتس" )الفن الراقي) في بوسطن وتمثال لمهندس هرم خوفو موجود في أحد متاحف ألمانيا.
وتستند المتاحف في رفضها إعادة الآثار المصرية إلى اتفاقية اليونسكو لعام 1970 التي تكافح التهريب غير المشروع للآثار، ولكنها تنصّ على أنها لا تطبق بمفعول رجعي قبل هذا التاريخ.
ولا يقتصر أمر الآثار التي تزخر بها أشهر متاحف العالم على الآثار المصرية والفرعونية فحسب، بل تشمل عديد الآثار من مختلف الدول العربية، وأشهرها بوابة عشتار الموجودة في متحف بيرجامون في برلين، وهي تحفة فنية بديعة تعكس عظمة الحضارة الشرقية.
وأيضا، يزخر المتحف الوطني البريطاني بأنفس الآثار العربية وأثمنها من اليمن ومصر والعراق وغيرها، فهو يحتكم على أكثر من 15 ألف مخطوطة عربية، هي أكبر المجاميع الإسلامية وأكبر ما يعرف من نوعها من المجاميع النفيسة في أوروبا وشمال أميركا، كما أنها جزء من بين أكثر من عشرين مليون مادة تحويها المكتبة البريطانية في خزائنها في المبنى الجديد في سانت بانكرس في لندن.
هذه المجموعة من المخطوطات العربية تسميها المكتبة بدار خزانة كنوز التراث العربي والإسلامي، وتشتمل على حوالي 7 آلاف مخطوطة فارسية وألفي مخطوطة أوردية، و400 مخطوطة من ماليزيا الإسلامية و120 مخطوطة تركية إلى جانب مجموعات أصغر من الصين الإسلامية ومن المغرب العربي ومن اسبانيا.
وتشمل هذه المجموعة، القرآن الكريم (321) نسخة نفيسة والعلوم القرآنية (721) مخطوطة والحديث (905) والصلوات والأدعية (467) وعلم الكلام (1442) والفقه (1652) مخطوطة والتصوف والورع الديني (741) مخطوطة والسير (666) وعلم الفلسفة (889) وتأليف المعاجم وفقه اللغة (886) وقواعد اللغة العربية والصرف والنحو (886) والمعاجم (299) والشعر والأدب العربي (764) والنثر العربي (330) علم البلاغة (764) والتاريخ (516) والجغرافيا (94) ومعاجم الفنون والآداب (96) والموسيقى والفنون الأخرى وعلوم والطب (383) وعلم الفلك (295) العلوم الأخرى (60) ونصوص تتعلق بالدروز والبهائيين والأدب المسيحي العربي (998) والسحر والرماية وفن تدريب البزاة وتفسير الأحلام.
ومن بين 6 ملايين مخطوطة عربية في متاحف ومكتبات في الغرب، تأتي المخطوطات اليمنية في الصدارة لتحتل أرفف مكتبة الأسكوريال بأسبانيا ومكتبة لايدن بهولندا ومكتبة المتحف البريطاني ومكتبة سانت بترسبورغ في روسيا ومكتبة الكونغرس في واشنطن ومكتبة الفاتيكان والمكتبة الوطنية في باريس ومكتبة البودليان بالولايات المتحدة الأميركية.
ويقدر عدد المخطوطات العربية والإسلامية الأصيلة المنتشرة في مكتبات العالم بأربعة ملايين مخطوط. وهذا العدد الهائل من المخطوطات الذي يمثل إذا كان مجتمعا ربع عدد الكتب الموجودة في المكتبة البريطانية مثلا، مما حدا بأحد العلماء المسلمين إلى القول بأنه لو جمعت الكتب التي صنفها العرب والمسلمون لاستطعنا تغطية الكرة الأرضية بأوراقها.
ويعد التراث العربي المخطوط في الوقت الحالي أهم تراث مكتوب، بل لعله التراث الإنساني الوحيد الذي قاوم عوامل الزمن، وبقى محفوظا بصورة كبيرة قياسا بالتراث في الحضارات الإنسانية الأخرى غير الإسلامية التي اندثرت وزالت معالمها.
ويأمل الخبراء أن تكون استعادة مصر للوحات الموجودة في اللوفر درسا للمتاحف الأخرى، وخطوة ناجحة نحو استرجاع تاريخ العرب المسروق. الدول الغربية تبحث عن مصالحها قبل كل شيء، فحقوق الإنسان والملكية الفكرية، وغير ذلك من الشعارات تختفي حين يتعلّق الأمر بمصلحتها، ويجب أن تتبع الحكومات العربية نفس النهج وتكون حريصة على مصالحها، وهنا تتأكد الحاجة لاستعادة ممتلكاتها الأثرية وحقوقها التاريخية. فيكفي العرب أنهم يرون كرامتهم تهدر دون حساب، وعروبتهم تداس بغير احترام، حتى يتجرّعوا مرارة سرقة تاريخهم على الملأ ودونما رادع يجبر هذه المتاحف على إعادة صفحات التاريخ إلى كتابها الأصلي.
|