|
.jpg)
المتوسط اونلاين - إذا كان من نتيجة منطقية يمكن استنتاجها من الجولة الأخيرة للمبعوث الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشل فهي أن مشروع الرئيس باراك أوباما للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد فشل وأن الحمل الذي استغرق سبعة أشهر كان كاذبا ولم يؤد إلا إلى مزيد من الإفلاس.
فما الذي حققه المبعوث الأميركي بعد ست جولات أجراها في المنطقة؟ الجواب لا شيء، سوى مزيد من التطمينات للفلسطينيين بأن الدولة العظمى مازالت ملتزمة بإعادة أطراف الصراع إلى مائدة مفاوضات تكبر وتصغر حسب الحاجة، فهي تارة تجمع الفلسطينيين والإسرائيليين، وطورا تمتد لتشمل أطرافا أخرى مثل سوريا ولبنان والدول العربية الرافضة للتطبيع.
ومع كل ذلك، ترفض إدارة أوباما وممثلها ميتشل الاعتراف بالفشل، بل تزيد الأمر سوءا وتهدد بحركتين دبلوماسيتين الأولى هي اجتماع ثلاثي سيجمع في نيويورك هذا الشهر الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى جانب الرئيس أوباما، أما الحركة الثانية فهي جولة من المقررة أن تؤديها وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، التي جددت مطالبة أطراف الصراع تقديم مزيد من التنازلات للتوصل إلى أرضية مشتركة للمفاوضات.
لكن الجولة الأخيرة لجورج ميتشل أثبتت أن من بات يقدم التنازلات هو الراعي الأميركي لفائدة الجانب الإسرائيلي، وهذا لا يخرج من احتمالين إما أن هناك بالفعل تصادما حقيقيا بين تل أبيب وواشنطن أو أن هناك تصادما مفتعلا يكفي لابتزاز الجانب الفلسطيني.
لكن المثير في جولة ميتشل أن كل المباحثات التي أجراها مع كبار المسئولين في المنطقة ممن التقاهم لم تتركز على إحياء المفاوضات الميتة منذ سنوات، وإنما اقتصرت على بحث وقف الاستيطان، وأمام تشدد موقف بنيامين نتنياهو، أصبحت القضية كلها مختصرة في الاستيطان.
وركز المبعوث الأميركي للسلام منذ استلامه مهام منصبه منذ أكثر من سبعة اشهر، على التوصل الى مقايضة تقضي بتجميد الاستيطان تجميداً كاملاً، بما في ذلك النمو الطبيعي، كما ورد في التقرير الذي قدمه لإدارة جورج بوش السابقة عام 2001، وكما جاء في خارطة الطريق المطروحة منذ عام 2003، مقابل خطوات تطبيع عربية مع إسرائيل.
وتكشف المواقف والتصريحات المعلنة من اللقاءات التي أجراها المبعوث الأميركي أن سقف المفاوضات التي يفترض أن تنطلق لن تتجاوز البحث في إمكانية تجميد الاستيطان، ما يعني أن مفاوضات السلام ستكون أسوأ من سابقاتها، أي مفاوضات عبثية وبلا مرجعية بعدما تركت الأصل وهو الاحتلال إلى الفرع الاستيطان.
وحتى هذه المفاوضات لن تصل إلى نتيجة، ففي الوقت الذي يجري فيه الحديث على ضرورة التجميد المؤقت للاستيطان خصوصا في القدس المحتلة، تعمل الحكومة الإسرائيلية على توسيع بناء المستوطنات في المدينة، وتوازي ذلك بإصدار قرارات هدم تطاول مئات المنازل العربية في قلب مدينة القدس (البلدة القديمة ومحيطها)، تقابلها مشاريع بناء لمئات الوحدات الاستيطانية في هذه الأحياء مترافقة مع إنشاء آلاف الوحدات الاستيطانية في غلاف المدينة لتوسيع حدودها ، خصوصاً من ناحية الشرق ووصولاً إلى البحر الميت ونهر الأردن.
وكان قد جرى الحديث بداية الشهر عن أن الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية قد اتفقتا على مبدأ تجميد مؤقت للاستيطان، ولن يشمل التجميد المباني الحكومية ولا الأحياء الاستيطانية في القدس الشرقية المحتلة حيث يعيش نحو 200 ألف مستوطن.
وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن أنه "لن يكون هناك تجميد كامل للبناء الاستيطاني وأن البناء في القدس سيتواصل كالمعتاد"، بينما تقوم منظمات ومؤسسات أهلية وغير أهلية، أمريكية وأوروبية بتقديم دعم مقدر للاستيطان.
وعشية جولة ميتشل صادقت حكومة نتنياهو على إنشاء 455 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة، وتجاهلت تصريحات صدرت من الأمين العام للأمم المتحدة اعتبر فيها الاستيطان انتهاكا للقانون الدولي ولمبادئ خارطة الطريق.
وبينما كان ميتشل يلتقي المسئولين الفلسطينيين في رام الله، أعلن نتنياهو من القدس المحتلة أنه "آن الأوان لكي يظهر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الشجاعة، ويقول لشعبه بطريقة مباشرة، إن النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني قد انتهى".
وأضاف نتنياهو أنه "يجب على محمود عباس، أن يحذو بذلك حذو الرئيس المصري أنور السادات، والعاهل الأردني الملك حسين، اللذين قاما بمثل هذه الخطوة الشجاعة، عندما قررا وضع حد للنزاع، وتوقيع معاهدة سلام مع دولة إسرائيل".
وتعني نهاية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، حسب نتنياهو، القبول بيهودية الدولة العبرية، وتقبل النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، وإسقاط حق عودة اللاجئين.
ومن العاصمة الكرواتية زغرب، زعم وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان أن إسرائيل على استعداد لاستئناف مفاوضات السلام مع الفلسطينيين دون شروط مسبقة، متهما في الوقت نفسه الجانب الفلسطيني بأنه يتخذ من موضوع المستوطنات ذريعة لمخادعة الرأي العام والتهرب من المفاوضات.
ومن جانبهم يؤكد فريق التسوية من الجانب الفلسطيني أن السياسية التي تتبعها الحكومة المتطرفة في إسرائيل لم تترك ما يتفاوض عليه، وإن دخلوا في مفاوضات هذه المرة فإنهم لن يحصلوا إلا على نتيجة واحدة وهي الوعد بإطلاق مفاوضات جديدة.
واعتبرت حركة "حماس" التي ترى في المسار التفاوضي لن يؤدي إلى أي نتيجة أن مهمة المبعوث الأميركي قد فشلت بعد أن عجزت عن لجم الاحتلال ووقف الاستيطان، وأكدت أن الشعب الفلسطيني يدفع ثمن تراخي الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي مع إسرائيل.
ولا تلوح أي مؤشرات في الأفق على أن الموقفين الأميركي والإسرائيلي سيتغيران، وقد يقوم جورج ميتشل بعشرين جولة "مكوكية" في المنطقة ولكن الأوضاع لن تتغير، وربما ستكون أكثر تدهورا.
لكن ميتشل، وحتى يضع المبرر ليعود في جولة أخرى، يؤكد أن إدارة أوباما ملتزمة بمواصلة العمل للوصول إلى سلام شامل بالشرق الأوسط يجلب الأمن والاستقرار والازدهار للإسرائيليين والفلسطينيين، ويزيد على ذلك بالتأكيد أن الاسابيع المقبلة ستكون حاسمة.
ميتشل يقول كل ذلك وأكثر، وهو يعلم أن لا شيء سيتحقق، ولكن لكي تبدو أمريكا راعية وحيدة لعملية سلام عقيمة، عليها أن تؤدي هذا الدور ، دون أن تجيب عن سؤال جوهري هو إلى متى سيستمر هذا الدور؟
الجواب، مؤكد، أن ميتشل نفسه لا يملكه!
|