|
.jpg)
احمد الحاج - كل شيء في عراق ما بعد 2003 اصبح قابلا للتزوير بدءاً بشهادات الوزراء والسفراء ومرورا بالعملة النقدية، وجوازات السفر، والبطاقة التموينية، وهوية الاحوال المدنية، وشهادة الجنسية، والشهادات العلمية، والصكوك المصرفية، وانتهاءً باصوات الناخبين. بل كل شيء بلا استثناء اكراما لعيون فلان.. وعلان!
وللولوج في دهاليز التزوير ودياجيره المظلمة، اجرينا لقاءات مع عدد من المتخصصين وذوي العلاقة.
فكان لقاؤنا الاول مع الخبير المصرفي حسين الياسين، فسألناه عن العملة وكيف يتم تزييفها فاجابنا قائلا:
- العملة هي وسيلة للتبادل التجاري والنفعي، وتخزين للقيم وأداة للادخار، وهي حلقة الوصل بين اقتصاد بلد وآخر، وهي اداة للتبادل والتحاسب.
وتزييف العملات يشكل نوعا من أخطر انواع الغش والخديعة وأخطرها على الاطلاق، ويتم بطرق متعددة لعل من اشهرها (الكاميرا)، و(السكنر) و(الكويك كوبي) و(النك جيت)، علما بأن تزييف العملة له آثار خطيرة مدمرة في الاقتصاد وفي سيادة الدول النامية مما يجعلها زبونا دائما ومستهلكا دائما من دون الانتاج والصناعة والتطور، والى هذا تسعى اجهزة المخابرات العالمية والاقليمية حين تعبث باستمرار باقتصاديات الدول.
تزوير العملات.. نبذة تاريخية
× نود ان تعطينا نبذة موجزة عن تأريخ تزوير العملات من خلال اطلاعكم الطويل وخبرتكم في هذا المضمار؟
- الياسين: "في بغداد سنة 319 هـ ظهر اول مزور للعملات باسلوب فني لا يرقى اليه شك ولم يكتف هذا المزور بالعملة فحسب وانما تجاوزها الى تزوير الوثائق حتى تبدو كأنها قديمة وذات قيمة، وذلك بتعتيق الورق، والخط وكان له دور في احداث البلبلة في عهد المقتدر بالله في بغداد العباسية، وهذا المزور المسمى (الدانيالي) قد كان اول من سلك هذا الدرب في بغداد فاتحا الباب لمن خلفه للمضي قدما على خطاه الشائنة، آخذين بنظر الاعتبار ان المسلمين كانوا يتعاملون في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وزمن الصحابة الكرام والتابعين بدراهم العجم وقد ظهر في بعضها الغش والزيف، وكان عبد الله بن مسعود يقوم بكسر الدراهم أو الدنانير اذا ما رأى فيها زيفا أو غشا، واستمر الحال حتى بداية عهد عبدالملك بن مروان حين اتخذت دار لضرب النقود، وكانت عقوبة مزور العملة هي قطع اليد اسوة بالسارق، أو بالضرب 30 جلدة تعزيزا، وقد حرم العلماء والفقهاء ضرب الدراهم المغشوشة لأن هذا يعد نوعا من ابشع انواع الاحتيال واكل الحرام، إضافة الى غمط حقوق الناس، وغلاء الاسعار وغياب الثقة المتبادلة في التعاملات التجارية، وزرع بذور الشك وسوء الظن والفتنة بين الناس، وحرّم العلماء بشكل قاطع التعامل بالعملة المزورة أو بسكها أو تزييفها، وأشهر قانون عالمي ينظم تداول الاموال هو قانون "غربشام" الذي ينص على "ان النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة".
* ما هي انواع التزييف؟
- الياسين: التزييف انواع فهناك التزييف بالرسوم اليدوية، والتزييف باستخدام امكانيات التصوير الملونة، والتزييف بالطباعة، والتزييف بالكومبيوتر، وقد يكون التزييف جزئياً، أو كلياً.
وبخصوص الترويج للعملات المزيفة سألنا المصرفي سعد علوان عن الكيفية التي يتم فيها ترويج العملات فاجابنا قائلا:
- هنا تسكب العبرات فلكي يتم ترويج العملة المزيفة لا بد من الاستعانة ببعض أمناء الصناديق او العاملين في الشركات التي تصرف الرواتب والنفقات أو النوادي، مع استخدام سمعة بعض التجار، وكبار المتعاملين مع البنوك ممن يمتلكون ارصدة كبيرة تجعلهم فوق مستوى الشبهات، فضلا على استخدام اسلوب الاحتيال جراء صفقات كبيرة، أو اصطياد المغفلين والعامة من الناس لتمرير العملة المزيفة وترويجها وهذا ما يحدث في عراق ما بعد الاحتلال تماما حيث عصابات الجريمة المنظمة في كل مكان، مع وجود قليلي الخبرة والكفاءة فضلا على ضعاف النفوس في مواقع المسؤولية كأمناء للصناديق أو المصارف والبنوك، والمرافىء والموانئ والنقاط الحدودية الأمر الذي يسهل دخول العملة المزيفة مع المخدرات والمواد الغذائية التالفة التي تحمل تواريخ صنع مزورة، وكذلك الأدوية "الاكسباير" والمواد الصناعية والتجارية التالفة والبضائع المغشوشة التي اخضعت للتزوير والغش الصناعي وتغيير لمواعيد النفاذ والانتاج، الامر الذي تسبب في مقتل وهلاك الالوف من الأبرياء في عملية ابادة جماعية لا تقل سوءاً عن السيارات المفخخة التي تحصد ارواح الابرياء في الاسواق الشعبية والتجمعات السكانية!..
* ما هي انواع التزوير؟
- علوان: من أنواع التزوير التي شاعت في العراق عملية تزوير جوازات السفر وتزوير هوية الاحوال الشخصية وشهادات الجنسية ومنحها لأناس من خارج العراق ليصبحوا بقدرة قادر من ابناء الرافدين ومن اصحاب العقارات والاملاك في ذات الوقت الذي وصلت فيه اعداد المهاجرين العراقيين الاصلاء بحدود الـ 4 ملايين مهاجر بمعدل 3 الاف يومياً في مرحلة ما!، ومن اشكال التزوير في العراق تزوير النسب السكانية لتغيير التوازن الديمغرافي بدوافع عرقية أو مذهبية.
ولا يغيب عن بالنا تزوير السيطرات الحقيقية الى سيطرات وهمية، والتي تسببت في وقت ما في قتل الالاف من الضحايا الابرياء!
اما بخصوص الرشا التي لعنها الله تعالى، ورسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال: لعن الله الراشي والمرتشي والرائش قد اصبحت عرفا في جميع دوائر ومؤسسات الدولة بدءاً بالاستعلامات وانتهاءً بالمدير وعلى عينك .. يا تاجر من دون حياء أو خجل.
وبشأن ظاهرة الصكوك المزورة تحدث رجل الاعمال حارث العزاوي عن رأيه في تصريحات مدير عام مصرف الرافدين عبدالحسين الياسري بخصوص تنامي استخدام الصكوك المزورة، قائلا: "الحقيقة ان ما صرح به الياسري، بشأن تصاعد استخدام هذا النوع من الصكوك يشكل خطراً يهدد الاقتصاد العراقي برمته وخصوصا.
واشار الياسري الى تورط بعض الدوائر الرسمية بهذه الصكوك والحصول على مبالغ كبيرة جداً وصلت في بعض الاحيان الى مليارات الدنانير، باستخدام اساليب تقنية متطورة يصعب اكتشافها وتمييزها من موظفي المصرف انفسهم.
وقال العزاوي: "ان حصول بعضهم على صكوك معتمدة عائدة الى دوائر رسمية تحمل ارقاما واسماء مؤسسات عراقية قد سبب لنا نحن رجال الاعمال واعضاء غرف التجارة هلعا حقيقياً خوفا على مدخراتنا في المصارف العراقية سواء الجاري منها او التوفير".
* من خلال اجتماعاتكم ولقاءاتكم كرجال اعمال، ماذا تقـترحون لتجاوز مثل هذه الأزمات والحـد من خطورتها؟
- نقترح ان تسرع الحكومة باستخدام الصكوك الممغنطة، التي تحد من عمليات التزوير مع حث الخطى، جدياً لمطاردة مزوري الهويات الشخصية. فغالبا ما يستخدم اصحاب الصكوك المزورة، هويات مزورة ايضا تحمل اسماء وهمية ايضا لمساعدة بعض الموظفين من ضعاف النفوس داخل المصارف وهم قلة على ما نعتقد.
وبخصوص الشهادات المزورة التي اعلن اكتشافها مؤخرا في تقرير مكتب المفتش العام لوزارة التعليم العالي نشرت تفاصيله في الصحف الرسمية واشار الى وجود 3165 وثيقة دراسية مزورة ، التقينا بالاستاذ مازن محمد، وسألناه بشأن الموضوع، فاجابنا قائلاً: "ما اعلنه المفتش العام لم يكن غريبا علينا في ظل غياب الرقابة والاشراف على المؤسسات التعليمية التربوية، اضافة الى اغتيال الكفاءات وتهجير الكثير منها الى خارج العراق، هذه الامور مجتمعة أدت الى اكتشاف ما يزيد على 4000 وثيقة دراسية وشهادة علمية مزورة، تعود لطلبة وموظفين ومتقدمين للتعليم في مختلف، التشكيلات الوزارية.
واكدت هذه المعلومات تصريحات للناطقة باسم وزارة التعليم العالي د.سهام الشجيري جاءت متزامنة مع تقرير المفتش العام الذي قال ان عددا من المقيمين في هولندا والمانيا حصلوا على شهادات من "جامعات مفتوحة" تمنح شهادات مقابل مبلغ مالي من دون بذل اي مجهود علمي وباختصاصات غاية في الحساسية والاهمية كالفيزياء النووية، إضافة الى وجود مؤسسات وهمية تعمل على تسهيل حصول الطلبة العراقيين على مقاعد دراسية في الهند واوكرانيا، ووجود 12 كلية أهلية تعمل من دون موافقة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي".
وشملت فضائح الرشا أجهزة الدولة جميعها من دون استثناء حتى ان المواطن العراقي المغلوب على أمره اذا ما أرغمته الظروف الى متابعة معاملاته في أية وزارة او دائرة حكومية فانه يعلم مسبقا بأن عليه أن يصطحب معه بالاضافة الى البطاقة التموينية والصور الشخصية وهوية الأحوال مبلغا من المال "لدهن السير" كما يطلق عليها محليا والا فان المعاملة ستذهب ادراج الرياح، تماما كما ذهب الوطن وأثاره، وحضارته، وثرواته، وكفاءاته وكل ما هو جميل في بلاد الرافدين دون استئذان. ولله در الشاعر القائل:
ترى ورقق الفتيان فيها كأنهم
دراهم منها زاكيات وزيف
واخيرا ما طال ثروات العراق بأجمعها من تزوير بشع من قبل المسؤولين عن اعادة اعمار العراق في الادارة الاميركية أسفرت عن سرقة مئات المليارات كما كشفت مؤخرا صحيفة الاندبندنت، البريطانية: "أن الموظفين الأميركيين المسؤولين عن إعادة إعمار العراق اختلسوا أكثر من 125 مليار دولار من الأموال المخصصة لإعادة الإعمار".
وأضافت الاندبندنت: "إن الاختلاسات طالت أيضاً أموال المساعدات التي حصل عليها مسؤولون أميركيون تحت مسمى تقديم الإغاثة للعراقيين، فضلاً عن السرقات المكشوفة للنفط العراقي".
وقالت: "أن اعترافات الأميركيين بدأت تتوالي في التحقيقات التي يقوم بها محققون فيدراليون أميركيون مع مسؤولين عسكريين"، مشيرة إلى: "إن هذه السرقات هي جزء من سرقات منظمة ليس فقط لأموال إعادة الأعمار بل أيضا للنفط العراقي".
وذكرت: "أن السرقات الأميركية لم تقتصر علي النفط والأموال بل تعدتها إلي سرقة الآثار العراقية خصوصاً من متحـف العراق الوطني والتي قام بها مسؤولون أميركيون منهم رئيس المجلس السابق للسياسات الدفاعية في البنتاغون وأحد مهندسي الحرب على العراق ريتشارد بيرل".
والحقيقة هي ان "العراق الجديد" الذي بناه الاميركيون على النهب والاختلاسات، كان من الطبيعي ان ينتهي الى بناء دولة لصوص، فقد "وافق شن طبقه".
|