جورج ميتشل
برهان أبو زيد: عندما حزم المبعوث الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشل حقائبه وقفل عائدا إلى واشنطن، بعد جولة على أطراف الصراع، هدأت نبرة التفاؤل التي دأبت عليها الآلة الدبلوماسية والإعلامية الأميركية، وانسحب ميتشل وكأنه متسلل، دون "شوشرة".
ولم ينجح ميتشل في تحقيق أي اختراق يذكر في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل إن جولته التاسعة بلغت ذروة الفشل، ولم تقنع أحدا بأن جولة عاشرة أو حتى عشرين يمكن لها أن تحدث "المعجزة الحقيقية" التي تحدث عنها ميتشل، ووعد رئيسه باراك أوباما باجتراحها في المنطقة.
وإذا كانت ثماني جولات لميتشل قد أثبتت فشلها الذريع وكانت عبارة عن لقاءات لإشغال وسائل الإعلام وتحريك مياه الدبلوماسية في المنطقة، إلا أن الجولة التاسعة لم تكن فاشلة فحسب، بل أثبتت أن الإدارة الأميركية أعجز من أن تقدر على حل هذه القضية، فضلا عن إنصاف الفلسطينيين، كما تأكد بصورة لا تقبل الشك، أن 99 بالمئة من أوراق الحل ليس بيد الولايات المتحدة، وإنما هي أرجل الإسرائيليين.
الدليل على هذا الاستنتاج أنه، في الوقت الذي كان فيه ميتشل يلتقي الرئيس الفلسطيني محمود عباس، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يغرس شجرة في "جيب جوش عتصيون" بالضفة الغربية، ويرسل رسالة إلى جميع الأطراف، مفادها بأن إسرائيل ستحتفظ بأجزاء من الضفة الغربية إلى الأبد، قاطعا بذلك الطريق أمام ميتشل حتى لا تسول له نفسه بأن يقول إنه "حقق تقدما"، كما تلجم مسؤولي السلطة الفلسطينية عن التعويل على الحل التفاوضي، الذي سلم الراعي الأمريكي بفشله.
عشية سفر ميتشل إلى الشرق الأوسط، قال الرئيس باراك أوباما إن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أعقد مما كان يتصور، مسجلا بهذا الاعتراف أول تعهد علني بالتراجع عن وعوده التي قطعها على نفسه غداة دخوله البيت الأبيض العام الماضي.
وللتاريخ فإن أوباما أطلق ثلاثة تعهدات شهيرة بحل النزاع وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، الأولى في حفل تنصيب وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، والثانية في خطاب القاهرة الموجه إلى العالم الإسلامي، والثالثة خلال جمعه عباس ونتانياهو في لقاء بواشنطن شهر سبتمبر- أيلول الماضي.
وعندما نجمع هذه المواقف ونعيد ترتيبها، نصل إلى نتيجة تقول إن الدبلوماسية الأميركية ومهمة ميتشل بالتحديد تصاعدت تدريجيا نحو ذروة الفشل، ولم يعد الآن بوسع أي أحد أن يصدق أن إدارة باراك أوباما جادة فعلا في حل القضية، بعد أن تأكد أنها لا تملك من الأمر شيئا، غير تحريك الآلة الدبلوماسية والإعلامية خلف جولة أي مسؤول أمريكي قد يصل المنطقة، أو يطلب من الأطراف العربية والإسرائيلية أن تتداعى إلى واشنطن.
قبل جولة ميتشل الأخيرة طار وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط ومدير المخابرات العامة عمر سليمان إلى الولايات المتحدة، وعقدا لقاءات مع المسؤولين الأمريكيين، ثم عاد أبو الغيط وتخلف سليمان يومين، وما فتيء أن لحق العاهل الأردني عبد الله الثاني على عجل، بينما كان رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات مقيما في واشنطن عدة أيام.
وبالتوازي مع ذلك الحراك في واشنطن، كانت العواصم العربية تغلي دبلوماسيا بقمم ثنائية وثلاثية ورباعية بين القاهرة وشرم الشيخ والرياض وعمان ودمشق، في حين لا يتوانى بعض الزعماء ذوي الصلة من التنويه إلى أن "معجزة" ستحصل..
وبالفعل هاهي المعجزة حصلت، بفشل إدارة باراك أوباما في عامها الأول في دفع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات، إلا أنها بدت بالمقابل مصرّة على أنها ستُثابر في جهودها الدبلوماسية حتى تحقيق هذه الغاية من دون أن تتخلى عن أولوية الأمن الإسرائيلي.
ويقول مراقبون إن أهم نتيجة قد تكون إدارة أوباما قد توصلت إليها من جولة ميتشل التاسعة هي أن رئيس حكومة إسرائيل المتطرف هو من يفشل جهودها، وأن هذه العصا الإسرائيلية المرفوعة في وجه أي اختراق هي ما يهدد المصالح الاميركية في المنطقة، وأن المفاوضين الفلسطينيين قد قدموا كل ما يجب تقديمه، ولكن واشنطن فشلت في أن تحقق لهم أدنى انجاز يمكن أن يواجهوا به شعبهم المحبط.
إلا أن المفاوضين الفلسطينيين، يبدو أنهم لا يجدون طريقا ثانيا غير الاستمرار في نهج المفاوضات، وأمام استحالة التفاوض المباشر، وافقت السلطة الفلسطينية على مبدأ الدخول في «محادثات تقريب وجهات نظر» بشكل غير مباشر مع إسرائيل، إلى أن تنضج الظروف لاستئناف المفاوضات الثنائية، مثلما اقترح جورج ميتشل.
وحسب الإذاعة الإسرائيلية، فإن مصدرا مسؤولا أنه«رد السلطة الفلسطينية على الاقتراح الذي قدمه ميتشيل الأسبوع الماضي سيسلم للإدارة الأمريكية خلال أسبوع»، مشيرا إلى أن «محادثات تقريب وجهات النظر» تجري فعليا منذ تولي نتنياهو الحكم في إسرائيل، مؤكدا على أنه «حتى لو تقرر الاستمرار في المحادثات في نفس الإطار، فإن ذلك لا يعني تجديد المفاوضات المباشرة حتى على مستوى تمثيل منخفض».
ومن المتوقع أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس سيعود في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات حتى دون تجميد كامل تام للبناء في المستوطنات شريطة أن تحظى خطوة من هذا النوع بمساندة عربية وتكون مرفوقة بسلسلة من المبادرات الإسرائيلية اتجاه الفلسطينيين، إلى جانب الحصول على ضمانات أمريكية.
وكان ميتشيل قد عرض خلال زيارته الأخيرة للمنطقة مبادرة جديدة على الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ترمي إلى تهيئة الأجواء من أجل استئناف المفاوضات بين الجانبين.
وحسب مصادر فلسطينية، تتضمن المبادرة خمس نقاط وهي «أن توقف إسرائيل اقتحاماتها إلى مناطق (أ) الخاضعة للسيطرة الأمنية الفلسطينية الكاملة حسب اتفاقات أوسلو وأن يتم تحويل أجزاء من مناطق (ب) إلى مناطق (أ) وأن يسمح للسلطة الفلسطينية وأمنها الدخول إلى مناطق (ج) وأن يتم إطلاق سراح دفعات من الأسرى الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية».
وتقع المناطق التي تسمى «ب» تحت السيطرة المدنية الفلسطينية والأمنية الإسرائيلية أما المناطق «ج» فتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
وكما تنص مبادرة ميتشل على «تحويل عائدات الضرائب الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية شهريا بشكل منتظم وأن تسهل إسرائيل إدخال المواد الغذائية ومواد البناء إلى قطاع غزة». |