|
.jpg)
على أبواب كارثة عظمى
المتوسط اونلاين - تقول توقعات إن كارثة شاملة طبيعية وبيئية واقتصادية وسياسية واجتماعية باتت تهدد مصر، بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر مما قد يؤدي إلى غرق منطقة دلتا النيل، مثلما يؤكد ذلك تقرير صدر عن اللجنة الحكومية للتغير المناخي التي يرأسها نائب الرئيس الأمريكي الأسبق آل جور، عندما وضع دلتا النيل بين أكثر ثلاث مناطق في العالم معرضة للغرق بسبب ارتفاع منسوب مياه البحار نتيجة ذوبان الجليد من القطبين نظرا لارتفاع حرارة كوكب الأرض.
ويشير تقرير، أصدرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، إلى أن بعض المناطق التي كانت تعرف بوصفها أراضي زراعية، أصبحت الآن مليئة بمياه ارتفاعها حوالي نصف متر، مضيفا أن مصر تأثرت كثيرا بظاهرتي التغير المناخي والاحتباس الحراري، وأن الأرض التي كانت تعتبر محل زراعة القمح للإمبراطوريات القديمة أصبح سكانها يعانون من غياب المساحة التي يسكنونها.
وفي تقرير مشابه أفاد مسؤولون حكوميون مصريون بأن هذه الكارثة الطبيعية قد تجتاح منطقة الدلتا بحلول عام 2020 وهي ذات نتائج وخيمة وأبعاد هائلة إذا لم تتخذ الحكومة إجراء عاجلا لتحسين إدارة موارد المياه العذبة الشحيحة والتوصل إلى حلول لتخفيف آثار ارتفاع مستوى سطح البحر.
وتواجه البلاد تهديدا مزدوجا يتمثل الأول في أن تفوق احتياجاتها من المياه مواردها المائية المتاحة بحلول عام 2017 بينما يتمثل الثاني في ارتفاع مستوى سطح البحر في العقود القادمة حتى ليكاد يغمر مساحات واسعة من منطقة الدلتا الخصبة حيث يقيم 60 بالمائة من سكان مصر.
وتزوّد منطقة الدلتا، التي تمتد على مساحة 10 آلاف ميل مربع شمال القاهرة، مصر بأكثر من 60 % من إمداداتها الغذائية، ويسكنها ثلثا سكان البلاد البالغ عددهم 80 مليون نسمة.
وأكثر التوقعات تفاؤلا تحذر من أن غرق مساحات واسعة من الدلتا التي تعد واحدة من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية سيؤدى إلى هجرة ملايين المصريين منها، أما السيناريو الأكثر تشاؤما فهو زيادة مستوى البحر لحده الأقصى المتوقع وهو 14 مترا، مما يعني غرق الدلتا بالكامل ووصول البحر المتوسط للضواحي الشمالية للقاهرة.
وإذا حصلت الكارثة فلن تكون نتائجها وخيمة على منطقة الدلتا فحسب، خصوصا وأنه يصعب فصل الأراضي الحضرية عن مثيلتها الزراعية، حتى أن القاهرة تتداخل بشكل كبير مع أراضي الدلتا الزراعية، ما يجعل عزل الأراضي التي قد تتعرض للغرق صعبا للغاية. ويؤثر نقص المياه بالفعل على الفقراء وخاصة في المناطق المحيطة بالمشروعات التنموية الجديدة التي تسحب كميات ضخمة من الماء بعيدا عن المناطق الفقيرة من أجل تلبية الاحتياجات المتنامية للمناطق الجديدة.
وكان وزير البيئة جورج ماجد قد صرّح، أوائل هذا العام، أنه "اعتبارا من 2020 ستعاني الكثير من المدن والمناطق العمرانية في شمال الدلتا من ارتفاع مستوى سطح البحر الأبيض المتوسط، كما يهدد ارتفاع مستوى سطح البحر وتسرب المياه المالحة إلى المياه الجوفية حوالي 15 بالمائة من أراضي الدلتا"، فيما يتوقع الخبراء أن تفقد مصر20 % من مساحة الدلتا خلال المائة عام المقبلة، في حال ارتفع مستوى مياه البحر المتوسط مترا واحدا فقط.
وفي ذات السياق يقول ريك تيوتولير، مدير مركز تنمية الصحراء التابع للجامعة الأمريكية في القاهرة، إن مصر "تواجه احتمالات كارثة كاملة، ولن تكون هناك فرصة لمزيد من الجدل. فالمياه ستكون قد أغرقت الأرض والإنتاج الزراعي توقف".
ومن جانبه، يقول صلاح سليمان الأستاذ بجامعة الإسكندرية لصحيفة "الغارديان": "إن المصريين يعيشون تحت خط الفقر المائي حيث يحصل المصري على 700 متر مكعب من المياه سنويا وهي أقل من الحد الأدنى الذي وضعته الأمم المتحدة وهو ألف متر مكعب، ومع زيادة السكان من المتوقع أن ينخفض نصيب الفرد إلى 450 مترا مكعبا سنويا، هذا دون حساب كارثة ارتفاع مستوى البحر الذي يهدد الدلتا بالغرق".
وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في القاهرة، أفاد محمد الراعي، من جامعة الإسكندرية، بأن الفيضان قد بدأ فعلا مع ارتفاع مستوى سطح مياه البحر الأبيض المتوسط بمعدل 2 سنتيمتر سنويا خلال العقد الماضي. وأضاف قائلا: "لقد غمرت المياه بالفعل أجزاء من الخط الساحلي لمصر"، وتوقع حدوث زيادة في العواصف الرملية وموجات أطول من الجفاف يعقبها فيضانات.
ويتوقع الباحثون أن يرتفع مستوى سطح البحر المتوسط من 30 إلى 100 سم بنهاية هذا القرن، في حين أن ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار متر واحد سيؤدي إلى غمر الإسكندرية.
وفي محاولتها للتصدي لهذا "الطوفان" القادم خصصت القاهرة مبلغ 300 مليون دولار لبناء جدران خرسانية من أجل حماية شواطئ الإسكندرية كجزء من الدراسة الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفيضانات القادمة. وتركز الخطة الآن، حسب ما صرّح به حسين العطفي سكرتير اللجنة الوطنية المصرية للري والصرف الصحي، "على حماية الشواطئ في الشمال، ولكن الحكومة ستحتاج بعد ذلك إلى طلب المساعدة من العالم"، مضيفا أن تكلفة التدابير الوقائية مرتفعة جدا ولا تستطيع مصر تحملها بمفردها".
إلى ذلك قال ضياء القوصي، المستشار السابق بوزارة الموارد المائية لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) إن "هناك حاجة كبيرة لتغيير السياسات بهدف وضع نظام جديد لاستهلاك المياه يناسب الجميع في مصر إذا كنا نتطلع للحفاظ على الأمن البيئي والاقتصادي لمصر والمنطقة".
وقد شكل تناقص مياه نهر النيل مقترنا بالنمو السكاني السريع ضغوطا على الإنتاج الزراعي في البلاد ولذلك قامت وزارة التجارة بتمديد الحظر المفروض على تصدير المحاصيل المحلية التي تستهلك الكثير من المياه مثل الأرز حتى عام 2010. وقال وزير الأشغال العامة والموارد المائية محمود عبد الحليم أبو زيد أن مصر "قد دخلت بالفعل في دائرة الفقر المائي".
وفي تقرير صدر مؤخرا، ذكر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء وهو هيئة بحثية حكومية أن مصر ستحتاج إلى 86.2 مليار متر مكعب من المياه في عام 2017 بينما ستصل الموارد المتاحة إلى 71.4 مليار متر مكعب فقط.
وبلغ حجم الموارد المائية في مصر عام 2006 حوالي 64 مليار متر مكعب جاء 55.5 مليار متر مكعب منها أو حوالي 87 بالمائة من نهر النيل، ولكن التقرير يضيف أنه بحلول عام 2017 يتوقع أن يوفر نهر النيل 80.8 بالمائة فقط من الموارد المائية للبلاد.
وتزداد مشكلة مصر مع المياه تأزما مع ظهور خلافات مع دول حوض النيل الأخرى التي باتت تطالب بحصص أكبر من مياه النهر بحجة تعويض تناقص سقوط الأمطار. فبينما تعد كل من مصر والسودان أكبر مستهلكتين لمياه النيل، تطالب دول المنبع الأخرى بمراجعة اتفاقية عام 1929 بين مصر وبريطانيا والتي تعطي مصر أكبر حصة من مياه النيل. وطبقا لهذه الاتفاقية، التي لا تعترف بها دول حوض النيل الثماني، الأخرى تضمن مصر الحصول على 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويا. ومع توتّر حدة الخلاف بسبب هذا الموضوع يحذر بعض الخبراء من نزاع عسكري بين دول حوض النيل العشر على حصص المياه إذا لم يتم حل الخلافات في وقتها، فيما تعتبر وزارة الخارجية المصرية نهر النيل مسألة أمن قومي وتقول إن مصر بخلاف دول حوض النيل الأخرى ليس لديها مصدر آخر للمياه العذبة.
|