|

يا وبور قلي رايح على فين
المتوسط اونلاين - وجدت الحكومة المصرية في استقالة وزير النقل المهندس محمد لطفي منصور من منصبه مناسبة للتخلص من الضغط الكبير التي يتسلط على الحكومة بعد ثلاثة أيام فقط من كارثة القطارين في منطقة العياط جنوبي القاهرة، وفي حين أعلن الوزير أن استقالته جاءت "انطلاقا من إحساسه بالمسؤولية السياسية" عن حادث تصادم القطارين، إلا أنه يبدو أن هذه الاستقالة الأولى من نوعها في حكومة أحمد نظيف منذ تشكيلها في تموز- يوليو 2004، لا تعني أن سكك الحديد المصرية ستودع حقبة الكوارث الدامية.
وكان نواب في البرلمان المصري من بينهم رئيس ديوان رئيس الجمهورية زكريا عزمي، وجهوا الاثنين انتقادات عنيفة لمنصور وحملوه مسئولية الحادث خلال اجتماع للجنة النقل في مجلس الشعب نوقشت خلاله أسباب حادث القطار التي أسفرت عن سقوط 18 قتيلا و36 جريحا وفقا للإحصاءات الرسمية. وحرصت المصادر الرسمية على التأكيد أن الوزير طلب إعفاءه من المنصب، في حين ذكرت مصادر في المعارضة أن لطفي منصور أُرغم على الاستقالة لامتصاص ضغط الشارع المصري الذي يشعر بأن الحكومة لا تولي سلامته أي اهتمام خصوصا في قطاع النقل، وإضافة إلى الكوراث على خطوط السكك الحديدية، مازالت الذاكرة الحية للشعب المصري تحتفظ بكارثة العبارة "السلام 98" التي مازالت تطرح كثيرا من التساؤلات دون أن تجد إجابات.
ويشعر المسؤولون في الحكومة وخصوصا أعضاء الحزب الحاكم أن وضعهم أصبح حرجا في ظل الانتقادات الموجهة إلى الحكومة ونظام الحكم.
كما تأتي هذه الاستقالة قبل بضعة أيام من المؤتمر السنوي للحزب الوطني الحاكم الذي يعقد السبت المقبل ويسعى خلاله لرفع شعبيته قبل الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في العام 2010، وكذلك فى وقت تشهد فيه مصر جدلا واسعا حول المستقبل السياسي للبلاد، ومناقشات عبر الصحف المصرية بمختلف اتجاهاتها حول "انتقال السلطة" بعد انتهاء ولاية الرئيس المصرى حسنى مبارك (81 عاما) السادسة في العام 2011.
وليس من عادة الوزراء في مصر الاستقالة من مناصبهم، وتأتي الاستقالة عادة عقب حصول كارثة، إلا أن غالبيتهم لا يستقيلون طواعية بل يتم تغييرهم وفق مصالح النظام السياسية.
يذكر أن وزير النقل الأسبق إبراهيم الدميرى كان استقال من حكومة رئيس الوزراء السابق عاطف عبيد في العام 2002، وذلك بسبب أكبر كارثة شهدتها خطوط السكك الحديدية في مصر، حين قتل أكثر من 360 شخصا في حريق قطار وقع في نفس المنطقة التي شهدت تصادم القطارين السبت الماضي، وهي منطقة العياط، على بعد نحو 70 كم جنوب القاهرة.
ورغم أن الحصيلة هذه المرة لم تكن كبيرة، إلا أنها أثارت من جديد قضايا حوادث القطارات في مصر، ويثبت سجل هذه الحوادث أن مصر تحتفظ بأسوأ سجل للكوارث في العالم، دون أن تتمكن الحكومات المتعاقبة من وضع حد لهذا النزيف الذي يفاجئ المصريين من فترة إلى أخرى.
ويعتبر تاريخ السكك الحديدية المصرية ملطخا بالكثير من الدماء، الأمر الذي يعكس تدهورا بنيويا كبيرا يعاني منه هذا القطاع.
ومنذ الحادث الرهيب الذي حصل عام 2002 أطلقت وزارة النقل المصرية إعلانات عريضة على الدعاية لتطوير السكك الحديدية وتوفير شروط أضمن السلامة للمسافرين على خطوطها.
لكن، في كل مرة تحصل فيه كارثة، يستفيق المصريون على حقيقة أن تلك الإعلانات لم تكن إلا إهدار متعمدا لملايين الجنيهات، دون أن يتحقق أي شيء على "السكة".
وكان مركز المعلومات بمجلس الوزراء المصري قد أكد في تقرير له ارتفاع نسبة حوادث القطارات في الوجه البحري لتبلغ 48.5% والوجه القبلي 34.6% وحدوث 644 حادثة لقطارات في أربعة شهور فقط وهو ما يعكس التدهور الكبير في مرفق السكة الحديد.
أما حوادث القطارات المؤلمة فكان اشهرها حادث احتراق قطار بالعياط عام 2002 ولقي أكثر من 360 شخصا مصرعهم وتصادم قطارين بقليوب والذي راح ضحيته 58 قتيلا في عام 2006 وفي عام 1995 لقي 47 شخصا حتفهم عند اصطدام قطار بحاملة ركاب، أما في عام 2004 فقد أطاح قطار ب 23 عاملا زراعيا علي المزلقان المفتوح بطوخ تبعه حادث بلبيس الذي أدي إلي وفاة 45 شخصا في مايو 2005 نتيجة تصادم قطار شحن مع قطار ركاب.
وعامي 2008 و2009 تزايدت حوادث القطارات، وكان أهمها تحرك قطار دون سائق ليقتل ويصيب 12 شخصا بمزلقان سموحة في مايو الماضي، مما يعكس الاهمال الجسيم الذي يضرب مرفق السكة الحديد، كما تسبب قطار في تدمير محطة مصر بالاسكندرية في أغسطس الماضي قدرت خسائره بـ 15 مليون جنيه
وتكون معظم هذه الحوادث نتيجة تصادم قطارات بعربات نقل كما حدث في تصادم قطار بعربة نقل في مركز كوم امبو بمحافظة البحيرة في 14 نيسان- أبريل الماضي، مما أدى إلي مصرع شخص وإصابة 12 شخصا، كما اصطدام قطار متجه إلي طنطا بسيارة نقل في يونيو الماضي.
وتشير التقارير إلي أن أكثر من 6 آلاف شخص لقوا حتفهم على مدار العشر سنوات الماضية وإصابة 21 ألفا على الأقل في حوادث القطارات.
وإذا كانت حوادث القطارات التي تزداد كارثية في مصر، هي ملمح من ملامح التدهور العام في قطاع النقل، فإن حصيلة الضحايا قد تضخمت خلال السنوات الأخيرة، خصوصا في قطاع النقل البري والبحري، وبينما تطالعنا التقارير بشكل معتاد عن سقوط الناس بالعشرات بين قتيل وجريح في حوادث كبر على الطرقات، يحتفظ النقل البحري أيضا بسجل أسود من الكوارث.
يذكر أن الوزير لطفي منصور لم يقدم استقالته في فبراير- شباط 2006، عندما سجل النقل البحري المصري أكبر كارثة في تاريخه الحديث، عندما انقلبت العبارة "السلام 98" وهي في طريقها من ضبا المدينة السعودية عائدة بمئات الحجاج والعمال المصريين إلى ميناء سفاجا على ساحل البحر الأحمر.
وكانت هذه العبارة تقل 1415 شخصا بينهم 115 أجنبيا، كان مصير 1034 شخصا الغرق، فضلا عن نحو 200 سيارة.
وقد أثارت تلك الحادثة لغطا كبيرا، إلا أنها لم تدفع الوزير إلى الإستقالة، وحتى المحاكمة التي عقدت لأجلها، أصدرت في مارس آذار الماضي أحكامها غيابيا على المسئولين عن الكارثة، ولم تتجاوز الأحكام الحبس 7 سنوات على ممدوح إسماعيل، صاحب العبّارة والحكم على اثنين من مساعديه بالسجن لمدة 3 سنوات لكل منهما.
ويعتقد غالبية المصريين أن واقع قطاع النقل في بلادهم لا يستطيع إصلاحه استقالة وزير، أو إقالة حكومة بأكملها، فمعظم وسائل النقل تزداد تهالكا بفعل انعدام الصيانة من جهة، واستشراء الفساد، وترهل الإدارة، وهو القضية الأكبر التي يجب المصريين أن ينتبهوا إليها، لا أن يتحمل هذا الوزير المسئولية وحده، في قضية هي أكبر من أي وزارة، وكان من الأولى تغيير جذري يمس القطاع لا تغيير وزير أو موظف في الدولة.
|