|
.jpg)
المتوسط اونلاين - يعرب أكثر من نصف المصريين عن عدم ثقتهم في الحكومة بعدما أكدوا أن "الواسطة والمحسوبية" منتشرتان على نطاق واسع، مما يدفع بأكثر من 85% منهم إلى الاعتقاد بأن الفساد مستشر بكثافة، مما يطعن بقوة في صحة التقارير الحكومية التي تؤكد أن مصر دولة قانون ومؤسسات وديمقراطية.
وفي دراستها أجرتها وزارة التنمية الإدارية، ونشرت الأسبوع المنقضي، يقول 89.7% من الأشخاص الذين تم استطلاع آرائهم إنهم لا يستطيعون إنهاء المعاملات الإدارية من دون الواسطة، فيما تذكر تقارير أخرى أن الفساد بأنواعه يعصف بأغلب المؤسسات الحكومية ولدى رجال الأعمال ورجال الشرطة، مما سبب الكثير من الفوضى داخل الوسط الاجتماعي.
وتضاف هذه الدراسة إلى دراسات وتقارير عديد، محلية ودولية، تؤكد أن الفساد في مصر ثقافة يومية، وسياسة تتبعها أغلب المؤسسات الحكومية.
ودفع هذا الواقع أحد الكتاب المصريين إلى التأكيد على أن هرم الفساد أصبح أعلى وأرسخ من سلسلة الأهرام التاريخية في الجيزة، وجاءت السخرية استنكارا لما يحصل في أكبر دولة في الوطن العربي والشرق الأوسط، كان يفترض أن تكون قدوة وليس محط شتائم اقتراف الفساد.
وتتطابق دراسة وزارة التنمية الإدارية، مع دراسة أخرى أجرتها كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأفادت بأن 83.6% من المصريين يرون أن الفساد زاد فى مصر، مشيرة إلى أن غالبية رجال الأعمال ذوى السلطة هم الأكثر فساداً فى المجتمع بنسبة 43.1%، يليهم التجار ثم رجال الشرطة وأعضاء المجالس المحلية، ويأتي في المرتبة الأقل فساداً في المجتمع رجال الدين الخاضعون للحاكم.
ويقول 40.8% من عينة البحث أن الدولة غير عادلة لـ"انحيازها لفئات بعينها، ولأنها تقدم خدمات غير جيدة للفقراء، ولا تطبق القانون"، وعليه يؤكد أكثر من 50.4% أنهم يفوّضون أمرهم لله فيما يتعلق بمطالبتهم بحقوقهم.
وتؤكد الدراسة التي شارك فيها مركز دعم واتخاذ القرار بمجلس الوزراء، أن 80.9% من المصريين يرون أن أخلاق الناس تغيرت هذه الأيام، وأن 63.1% من عينة البحث يرون أن العلاقات الإنسانية السيئة أصبحت من ثوابت التغير الأخلاقي السيئ، بينما يرى 78.6% أن التغير الأخلاقي يسير من سيئ إلى أسوأ.
وتقول الدراسة إن المجتمع المصري بات يعاني نقصا في قيم الاتساق، ويقول 88.4% من المستجوبين إن المصريين يعانون من التناقض بين القول والفعل، وأن رجال السياسة هم الأكثر تناقضاً بنسبة 83.1%، يليهم رجال الشرطة 73.2%، ورجال الدين 43%، ورجال القضاء 38.4%.
وهذا السلوك الذي بدا مسيطرا على معاملات المصريين، كان نتيجة طبيعية لما أصبحت تسير مؤسساتهم الرسمية، وحسب الدراسة، تأتي المصالح الحكومية ذات الطابع الخدمي في المرتبة الأولى لأكثر المؤسسات فسادًا في المجتمع بنسبة 48.4%، وتليها مؤسسات قطاعي الصحة والتعليم بنسب متقاربة ثم وزارة الإعلام ووزارة الداخلية والمحليات.
يذكر ان دراسة حديثة لمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية عن الفساد في الجهاز الحكومي، تم تطبيقها في ست محافظات على مدى 23 يوما، قد كشفت أن الرشاوى للموظفين الحكوميين هي أبرز مظاهر الفساد في العلاقة بين أصحاب الأعمال والإدارات الحكومية في مصر، وتبلغ هذه النسبة 42 ' في مرحلة تأسيس المشروعات.
كما كشفت الدراسة أن 27 % ممن لم يفكروا من قبل في دفع رشاوى، اضطروا إلى فعل ذلك، وهناك 39 ' ممن كانوا يقاومون دفع الرشاوى استجابوا ودفعوا.
ويفرز هذا الواقع شعورا متعاظما بالظلم، ويقر 75% من المستجوبين بسيادة الظلم مقابل العدل، بينما يقر 24.9% فقط، بسيادة العدل، وكان أكثر الأفراد إقرارا بانتشار الظلم هم الحضريون والإناث والشباب وذوو المؤهلات المتوسطة.
ولا تعتبر هذه الحقائق مفاجئة، في بلد تجمع كثير من التقارير الدولية أنه ينحدر في هاوية كبيرة من الفساد وانعدام الثقة بين الحكومة وأبناء الشعب.
وفي شهر سبتمبر الماضي، أدرج تقرير "الشفافية العالمي" مصر في المرتبة 115 في مجال مكافحة الفساد من ضمن 180 دولة يشملها التقرير.
ومن عام إلى آخر تتقدم مصر بخطى حثيثة وراسخة من السيئ إلى الأسوأ، فهي أكثر فساد في العام 2008 عن العام 2007، وهذا العام عن العام الذي سبقه.
ويتكون "مؤشر الفساد" من 10 نقاط، وتعد الدولة "أكثر نزاهة" كلما زادت نقاطها عليه، و"أكثر فسادا" كلما اقتربت من الصفر.
وتعتمد تقارير المؤسسة، في تقييمها، على "تصورات" قطاع الأعمال والخبراء والمحللين حول مدى انتشار الفساد في دولهم بين الموظفين الحكوميين والسياسيين، ورؤية المواطنين لجهود حكوماتهم فى مكافحة الفساد.
وتراجع ترتيب مصر عالميا على "مؤشر الفساد" بشكل متواصل منذ 2005، فقد سجلت 3.4 نقطة على المؤشر في عام 2005، لتحتل المركز 70 من بين 159، ثم تراجعت إلى 3.3 في 2006، ثم إلى 2.9 في 2007.
وتتبوأ مصر المركز الأول بين الدول العربية في مجال البلدان الأكثر فساداً حسب تقارير اقتصادية وسياسية لمراكز بحثية.
ويؤكد الباحث الاقتصادي الدكتور عبد الخالق فاروق على أن الفســاد في مصر تحول إلى منهج وآليه وغاية في حد ذاته وأن النظـــام غيــــر راغب بالمرة في مكافحــة الفساد بل أن كبــار المسئولين على يقين تام بـــأن محاربة الفســاد معناه أن كثيرا منهم سيقـضون بقية أعمارهم داخل السجن.
وخلال السنوات الماضية أثيرت كثير من القضايا تورط فيها قياديون ومسئولون كبار في الحكومة وفي الحزب الوطني الحاكم.
ويكون مصير غالبية القضايا الركود في رفوف المحاكم، من ذلك قضية أكياس الدم الفاسد التي تورط فيها القيادي في حزب الرئيس مبارك هاني سرور، والذي سرت شائعات مؤخرا أنه وقع تهريبه من السجن.
وكان سرور وزوجته وشقيقته قد أدينوا بتهمة توريد 230 ألف كيس نقل دم غير مطابقة للمواصفات لوزارة الصحة عام 2006، بينما تورط قياديون آخرون في جرائم قتل من ذلك قاتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم، وهي القضية التي أثبتت التحقيقات بشأنها صلتها بعالم الفساد.
ولا يتوقع أكثر المراقبين تفاؤلا أن تجد مصر حلا جذريا لهذه المعضلة الجسيمة، طالما أن الواقع السياسي لم يتغير وسط أجواء من القمع وملاحقة المعارضة وكتم أنفاسها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخصيات كبيرة تضلع في قضايا فساد.
ويقود غرق البلاد في هذا المستنقع إلى تداعيات أخطر، ففي بلد يعصف الفساد بكل مؤسساته لا يصبح فقط محط شك من أبنائه، بل سيقود إلى عزوف إقليمي ودولي عن دوره الذي بات في الدرك الأسفل بسبب فداحة ما يجري فيه.
|