من أوراق الأيام

News image

هل يمكن للهوية أن تضيع، وماذا أفعل إذا ضيّعت هويّتي؟

News image

الثقافة في المغرب: أي خصائص، ومقومات، وأصول؟

News image

أُسس التحدي: الفلسفة العربية الحديثة والزمن

News image

السوسيولوجيا من منظور فلسفي

News image

المهجة والمعرفة والواقع

News image

الذات بين التفكك والتحقق

News image

شعر الجهاد والمقاومة ضد الغزاة في المغرب

News image

ابن خلدون وتقنية الحدس المعرفي في كتابة التاريخ

News image

المثقف العربي: صراع الذات والهوية

News image

هل كان المعري براهمياً؟

News image

دلالات المتخيل الاجتماعي عند كاستورياديس

News image

أوراق في العلم والفلسفة والفن

News image

الغرب والفلسفة العربية الإسلامية

News image

كيف صنع القاضي المنصوري جسرا بين التقليد والحداثة؟

News image

الاجتهاد ليس تنويرا، أما التنوير فاجتهاد موسّع

آية الله العنصري، ماذا يفعل لطمس قضية الأحواز؟ PDF طباعة إرسال إلى صديق
الاثنين, 12 أبريل 2010 22:21

متظاهرون احوازيون

 

ياسر قطيشات – جاءت التطورات السياسية في منطقة الخليج العربي بعد احتلال العراق والتلويح الأميركي باستخدام القوة ضد إيران باعتبارها الطرف الثاني على قائمة “دول محور الشر” الأميركية سابقاً، بالتزامن مع انتفاضة العرب في الاحواز (أو الأهواز) في عام 2003م، إثر الاعتداءات المهينة التي تعرض لها العرب هناك على يد الشرطة الإيرانية التي أباحت لنفسها حجب الحياة والحرية عن الأقلية العربية في الاحواز بعد تواصلهم الإعلامي مع أشقائهم العرب في المنطقة، وانفتاحهم على الفضائيات العربية والدولية التي بدأت تتعرف شيئاً فشيئاً على قضيتهم.

ومجمل تلك التطورات إضافة إلى فشل مؤتمرات القمة العربية في وضع حلول علاجية للمشاكل العالقة بين العرب وإيران، تؤكد من جديد على عمق الهوة القائمة في الحوار العربي – الإيراني حيال العديد من القضايا العالقة بينهما بدءاً من قضية الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران (جزيرة طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى)، ومروراً بقضية عربستان (الاحواز) الغائبة عن ساحة النظام الإقليمي العربي والشرق الأوسط برمته، وصولاً إلى خطر التسلح الإيراني في المنطقة الذي يشكل عامل تهديد قائم لدول الخليج لعربي، رغم ما تشهده المنطقة من تغيرات استراتيجية عميقة تبعد احتمال أي تصادم إيراني – خليجي في ظل الهيمنة الأميركية على أجندة توازن القوى في الخليج العربي.

وقد مثّل المناخ السائد في العلاقات العربية الإيرانية، عاملاً في إثارة ملحة حول سر غياب قضية عربستان (الأحواز) عن دائرة الاهتمام العربي والدولي، خصوصاً وأن الأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية في الإقليم كانت ولا زالت مضطربة نتيجة لعوامل عدة أهمها التفاعلات الصراعية بين إيران والعراق، والتي بلغت ذروتها إبان حرب الثماني سنوات، والمقاومة المتواصلة التي يبديها شعب عربستان –الذي يعد أكبر الشعوب العربية في الخليج العربي بعد الشعبين العراقي والسعودي، حيث يزيد تعدادهُ على عشرة ملايين نسمة – في وجه السياسات الإيرانية الهادفة إلى طمس هويته الثقافية والقومية.

وبدأ قصة معاناة الإقليم في العشرين من نيسان عام 1925 عندما قامت إيران الشاه باحتلال إقليم الأحواز (عربستان)، بعد أن تم استدراج الشيخ خزعل الكعبي حاكم الإقليم إلى فخ نصب له من قبل قائد الجيش الإيراني الجنرال زهدي من أجل إجراء مباحثات، إلا أن الجنرال زهدي قام باعتقال الشيخ خزعل وتم إيداعه سجون طهران مع مجموعة من مرافقيه حتى عام 1936 حيث تم اغتياله هناك.

ومنذ احتلال الأحواز وحتى اليوم كانت-ومازالت- قضية عربستان أو الاحواز القضية العربية والإقليمية والدولية المغيّبة عن خارطة الشرق الأوسط تارة للطمس الثقافي والقومي الذي تُمارسه إيران ضد هذا الإقليم والعرب القاطنين فيه، وتارة للتجاهل الإعلامي العربي والدولي لهذا الإقليم العربي، وتارة للظروف الإقليمية والعربية التي كانت منشغلة في قضايا أخرى على حساب هذه القضية المهمة في إطار النظام الإقليمي العربي، الأمر الذي نجم عنه في نهاية المطاف أن يشارك عرب الاحواز أشقائهم العرب في كل همومهم ومشاكلهم وأحزانهم ويتظاهرون مع كل هبوب أزمة عربية هنا أو هناك، مقابل تناسي وإغفال عربي رسمي وشعبي لقضيتهم هناك حيث التجاهل والمعاناة والتخلف الثقافي والتغريب القومي الذي تُمارسه السلطات الإيرانية ضدهم.

ومنذ اليوم الأول للاحتلال قامت الثورات الأحوازية في مواجهة المحتل الإيراني الذي مارس سياسة الأرض المحروقة التي كان يتبعها الاستعمار في ذلك الوقت، فقاموا بتدمير القرى والمدن العربية الأحوازية وتم إعدام الشباب الأحوازي دون أي محاكمة أو فرصة للدفاع عن أنفسهم من أجل إرهاب باقي الأهالي. وحتى الآثار لم تنجو من التدمير والتخريب من أجل طمس هوية الأحواز العربية وإنهاء ارتباطها التاريخي بعروبتها وربطها بالتاريخ الفارسي، فعمدت إلى تزوير التاريخ والادعاء بحقها بالأحواز التي غيرت أسمها إلى الأهواز، كما قامت بتغيير أسماء المدن العربية إلى أسماء فارسية فالمحمرة العاصمة التاريخية للأحواز سموها خورمشهر وعبادان إلى آبادان والحوزة إلى الهويزة حتى الأحواز تم تسميتها بخوزستان، كل ذلك ضمن سياسة التفريس المتبعة، ولم تنجو الأسماء الشخصية من التفريس فكل الأسماء العربية تم تحويلها الى أسماء فارسية ولم يعد من حق أي أسرة أن تسمي أولادها إلا بأسماء فارسية.

ولم تكتفي الحكومات الإيرانية بذلك بل سعت لعملية التهجير للقبائل العربية المقيمة في الأحواز إلى مناطق الشمال الإيراني واستجلاب سكان هذه المناطق إلى الأحواز وإسكانهم فيها كما مارست سياسة التجويع للشباب الأحوازي نتيجة انعدام فرص العمل ومن أجل إجباره على الهجرة نحو الداخل الإيراني وبالتالي يتم إبعادهم عن وطنهم وأهلهم وانتمائهم ولصقهم بمناطق جديدة بعادات وأعراف أخرى، أو الهجرة خارج البلاد وفقدهم لهويتهم العربية من خلال ارتباطهم بمعيشتهم وهمومهم الخاصة.

وقد أصدرت الحكومة الفارسية بعد احتلال الأحواز واثناء أسر الشيخ خزعل في طهران أصدرت بيانا ادعت فيه أن الشيخ خزعل هو الذي أصدره بعد وصوله طهران، وقد جاء في البيان ما يأتي:

1ـ يتنازل أمير عربستان الشيخ خزعل المحيسن عن الحكم الى ابنه جاسب المحيسن

2ـ يحق للدولة الإيرانية أن تشرف على الحكم الداخلي في عربستان.

3ـ تقطع عربستان علاقاتها الخارجية مع الدول الأخرى التي كانت قد عقدت معها معاهدات تجارية أو أقامت معها علاقات سياسية.

فقد كان لعربستان بالفعل علاقات سياسية وتجارية مع دول عربية وأجنبية عديدة منها: العراق والإمارات العربية في الخليج وبريطانيا وروسيا وتركيا، إضافة إلى إيران.

ويمكن القول أن أسباب نكبة الأحواز، تتمثل في عاملين : الأول داخلي والثاني خارجي.

أما العامل الداخلي: فيتمثل في ضعف بنية أبناء الأحواز بما أصابهم من فقر وجهل ومرض وانخفاض مستوى المعيشة وانعدام الوعي السياسي والاجتماعي في زمن إمارة البوكاسب الكعبية وعدم الشعور بالمسؤولية نتيجة النفوذ الاجنبي من جهة، والحيف الذي لحقهم من حكم الشيخ خزعل وحاشيته من جهة أخرى.

أما العوامل الخارجية : فقد تظافرت في عدة عوامل للإطاحة بأمارة الأحواز العربية، ومن أهم هذه العوامل:

1ـ ظهور النفط في الأحواز سنة 1908م.

2ـ وصول الشيوعيين بقيادة لينين الى السلطة في روسيا عام 1917، مما يشكل ذلك تهد يدا لمصالح الغرب في الأحواز ومنطقة الخليج العربي.

3ـ ظهور رضا خان بهلوي في السلطة في فارس والذي يمثل العنصرية الفارسية المعادية للقومية العربية، حيث عمل ما بوسعه لإزالة كل أثر عربي في الأحواز (عربستان)، كما فصل كل الروابط والوشائج العربية التي تربط الأحـواز بالوطن العربي.

4ـ تأييد الإنكليز للاحتلال الفارسي لقطر الأحواز حيث ساهم الى حد كبير في نكبة العرب الأحوازيين وقد اعترف بذلك الإنكليز أنفسهم.

5ـ الموقف المتفرج الذي وقفه الحكام العرب لامارة الأحواز (عربستان) بسبب السيطرة البريطانية، وهو ما أعتبر مساهمة غير مباشرة في نكبة الأحواز مستقبلاً.

وفي عام 1979 قامت الثورة الإيرانية التي ساهم فيها الشعب العربي في عربستان وكان هدفها الخلاص من حكم الشاه الذي احتل عربستان وهجّر شعبها العربي واستولى على ممتلكاتهم بالقوة، ووضعوا كامل ثقلهم على النظام الخميني الإسلامي الجديد الذي سيقيم موازين الحق والعدل ويمنح الإقليم حريته واستقلاله الذاتي –كما توهموا-، وكانت مساهمتهم فعّالة في إضرابات عمال النفط التي شلت قدرات نظام الشاه وعجلت بسقوطه، ولكن لم تمضِ شهور حتى اندلعت المواجهات بين أبناء عربستان والنظام الثوري الإسلامي الجديد، وذلك بعد ان رفض الاعتراف بحقوقهم القومية والثقافية التي انتهكها نظام شاه، ومن ثم ارتكب حاكم الإقليم الجنرال (احمد مدني) في أيار-مايو 1979 مجازر بشعة راح ضحيتها مئات من أهالي مدينتي المحمرة وعبادان الذين قاوموا محاولة السلطات الإيرانية إغلاق المراكز السياسية والثقافية العربية في الإقليم، وشهدت عربستان اثر ذلك اعدامات عشوائية، ونفي زعيمها الروحي “أية الله آل شبير الخاقاني” إلى قم حيث توفي في ظروف غامضة.

وفي عام 1985م تجددت الثورات والانتفاضة الداخلية في عربستان، حيث قامت انتفاضة شعبية عارمة في كل أنحاء الإقليم احتجاجاً على مقال نشر في صحيفة إيرانية وجّه إهانات جارحة للعرب في الإقليم بشكل خاص والأمة العربية بشكل عام، سيما وان هذه التوترات والمواجهات جاءت في ظل الحرب العراقية – الإيرانية التي أخذت بعداً قومياً وثقافياً.

وفي عام 1994 اندلعت مواجهات دامية بين قوات الأمن الإيرانية وبين العرب الذين صُودرت أراضيهم في إطار مشروع قصب السكر في الإقليم، والتي قتل وجرح فيها العشرات من أصحاب الأراضي، وفي سابقة غير مسبوقة أحدثت تطوراً غير متوقعاً على سير القضية الأحوازية، عيّن الرئيس الإيراني الإصلاحي (محمد خاتمي) وزيراً من العرب، وهو الأميرال (علي شمخاني) الذي شكّل حالة استثنائية في الجمهورية الإسلامية حيث أنه من القلة العربية الأحوازية التي تسلمت مناصب حكومة عليا في إيران.

ومع مطلع عام 2000 وقعت مصادمات عنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين العرب الذين احتجوا على تزوير نتائج الانتخابات البرلمانية، واندلعت مواجهات دامية بين قوات الأمن وأهالي مدينة عبادان الذين تظاهروا احتجاجاً على تلوث مياه الشرب والتي خلّفت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى.

وفي كانون الأول من عام 2002 وحتى بداية كانون الثاني من العام 2003، شهدت عربستان أو الاحواز فصل أخر من فصول المواجهة العنيفة بين قوات الأمن الإيرانية والاحوازيين هناك، فقد اتهم رئيس المحاكم في مدينة الاحواز المحلات التي تمت مداهمتها بأنها تبيع الأقراص المضغوطة والأشرطة العربية المبتذلة وغير المسموح بها وفقا لقوانين الجمهورية الإسلامية في إيران، وقد شملت المداهمات التي قامت بها قوات الشرطة، دخول بعض البيوت ومصادرة “أطباق الستالايت” التي توجد بكثرة ليس في بيوت العرب فحسب بل وفي بيوت غير العرب أيضا.

وكانت أخر انتفاضات الاحوازيين تلك الانتفاضة التي اندلعت في 15 نيسان-إبريل 2005 على إثر تسرب وثيقة منسوبة لمكتب الرئيس الإيراني في ذلك الوقت محمد خاتمي وتنص على ضرورة تفريس ثلثى سكان الأحواز وتوزيعهم على مختلف المناطق الإيرانية، وهى الوثيقة التي تؤكد الحكومة الإيرانية أنها مزورة، بينما يقول الناشطون الأحوازيون أنها حقيقية.

وتكتسب قضية الاحواز العربي اليوم، بعد تفاقم الصراع الدائر على أرض العراق المحتل، أهمية خاصة لدى المحتل الإيراني، فالمؤسسات الإيرانية تشارك بشكل مباشر في احتلال العراق وتساهم إلى جانب قوات الغزو الأميركية والبريطانية في محاربة الشعب العراقي، كما تقوم إيران عبر بعض القوى العراقية الشعوبية في تدمير مقدرات وإمكانيات الدولة العراقية وإبادة سكانه، وتعمل وعملائها العراقيين على تمزيق هذا البلد العربي وتقسيمه لدويلات لإفشال أي جهود ممكنة لتوحده من جديد، وبالتالي إضعاف مقاومة الشعب الاحوازي على الجانب الآخر من ساحل الخليج من تحقيق حلم الاستقلال والانفصال عن بلاد فارس.

فالأحواز، الوطن العربي التوأم للعراق المحتل، أصبح من أهم ساحات الصراع العربي – الإيراني، ومن خلال شعبه وأرضه يقرر مستقبل تلك العلاقات المزمنة والمتوترة باستمرار، ويجب على الدول العربية أن تدرك حقيقة أن تحقيق استقلال العراق التام وحل قضية الاحواز العربية بشكل كامل وإعادة الجزر الإماراتية المحتلة وتحجيم دور التدخل الإيراني في الشؤون العربية، هي السبل الكفيلة لحوار عربي – إيراني يؤسس لتحالف استراتيجي بينهما.

خلاصة القول أن التاريخ السياسي لعربستان تاريخ حافل برفض الخضوع أو الاعتراف بالحكم الإيراني عليه، لإدراك العرب الاحواز حقهم التاريخي والثقافي والقومي في عروبة هذا الإقليم، وحقهم في تقرير المصير والاستقلال عن الجمهورية الإيرانية التي لم تختلف في عنفها وسلوكها البشع مع العرب هناك عن نظام الشاه الذي أباح لنظامه البائد القتل والتنكيل والسحل بأبناء عربستان دون وجه حق، ولعل ما يطلبه أهل عربستان هو فقط الوقوف والتضامن معهم كأضعف الإيمان، وان لم يكن من باب العروبة والقومي، فمن باب الشعور الإنساني البحت على الأقل.

 

المزيد من التقارير

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب