أسعد البيروتي - مفيد التحدث عن التميز التركي، وعن فرادة الدولة التركية الحديثة في القرن الواحد والعشرين، ومفيد اكثر ان نقارن بحذر وتواضع بين تركيا اردوغان وبين ايران نجاد، علما ان التحدث والمقارنة قد تحتاجان الى مجلدات.
تركيا اردوغان لا تقحم الدين بالسياسة الدنيوية، رغم تمسكها بقيم الدين حول منع العدوان عن المظلوم وصاحب الحق. وان تجسيدها لتلك القيم النبيلة، لايخرج عن مقولات حقوق الانسان، ولايتجاهل الشرعية والشرعة الدولية. العلمانية التركية امر متفق تماما مع الحداثة الدينية، وبالذات الحداثة الاسلامية. وممارسات حزب رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان ؛ تحاول جاهدة ان تجسد داخليا وخارجيا هذا الاتفاق منذ عام 2002. ليس ثمة فقيه هو المرجع الاول والاخير، وليس ثمة ولاية لذاك الفقيه، ان كان، مهما عظم شأن ذاك الفقيه. تركيا اردوغان دولة ديمقراطية، وحزب اردوغان انطلق من الانتخابات البلدية –الخدمات، المصالح المباشرة للناس – الى الانتخابات النيابية، الى الرئاستين الجمهورية والوزارية. وشارع اردوغان يزداد طولا وعرضا وارتفاعا، والتفاعل والتواصل بين الشارع وصاحبه يزداد عمقا وحرارة.
تركيا اردوغان تجسيد حي وفعال ومقنع للحداثة الاسلامية القائمة على موروث ثقافي ديني جمعي تركي، القائمة على "أنتم ادرى بشؤون دنياكم" (حديث شريف)، القائمة على ربط السماوي بالارض عبر جسر المنفعة المشروعة "احب الخلق الى الله انفعهم لعياله والخلق كلهم عيال الله" (حديث شريف)، القائمة على الحرية والعدالة والمساواة "لا فضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى"(حديث شريف)، "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا" (عمر بن الخطاب)، القائمة، وهذا هو الاهم، في جوهر الحداثة، على اهم انجاز للحضارة البشرية، ألا وهو الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة ومؤسساتها الاربع، والرابعة اهمها، السلطة الاعلامية وقانونها الرئيس وهو حرية التعبير وحق الآخر في الاختلاف والتعبير بكامل الحرية عن ذلك الاختلاف. اسلام اردوغان متحرر مفتوح ملتزم بكل حريات المجتمع المدني الحديث، ومتزاوج مع علمانية حامية لحرية العقيدة الدينية، او اي عقيدة مشاركة في تلك الحماية.
ايران نجاد شييءٌ آخر تماما، الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد، يريدها ويصنعها دولة دينية ؛ يحكمها المقدس وتقوم على ثوابته السماوية والارضية، وتساس داخليا وخارجيا من خلال تلك الثوابت. نجاد وفي اول فرصة سنحت له ؛ قام بالانقضاض وبقسوة على الهامش الديمقراطي للثورة الخمينية، وقام بالاندفاع المحموم لاقامة الدولة العسكرية الديكتاتورية "الدينية" ؛ بحماية ولاية الفقيه وبعصمة الولي الفقيه نائب المهدي المقدس القادم.
بدءاً تركيا كمال اتاتورك، واستمرارا تركيا اردوغان، لم تنتظر ست مئة عام حتى تفصل بين الدين والسياسة، وحتى تقرّ ان "الدين لله والوطن للجميع". تركيا اردوغان استفادت وتعلمت من عصر الانوار الغربي، والذي استغرق ست مئة عام حتى فاز تاريخيا... استفادت وتعلمت، ونقلها العظيم اتاتورك من حكم الخلافة الديني المطلق الى حكم العلمانية الدنيوي عام 1924، وتتابعت المسيرة حتى تم التزاوج الناجح بين العلمانية والحداثة الاسلامية على يد الثلاثي: اردوغان-غول-اوغلو.
ثمة خلط كبير بين اسلامية اردوغان واسلامية نجاد؛ حتى ولو اتفقت الاسلاميتان على فك الحصار عن غزة وعلى العدوانية الاسرائيلية على الفلسطينيين. تركيا اردوغان منسجمة مع المنطقة والعالم جغرافيا وسياسيا واقتصاديا وامنيا، وهي عامل حماية للاستقرار والامن والتنمية. ايران نجاد شوكة في خاصرة المنطقة والعالم، رغم حضارية الشعب الايراني وتوقه ودفاعه عن الحرية، وهي مصدر قلق وخوف عبر هيمنة ووصاية تعملان لاغتصاب الدول والشعوب، واذا صحّ ان البقاء للأفضل ؛ فاننا قابلون بحكم التاريخ على الدولتين وعلى المنطقة. تركيا اردوغان اجابت على السؤال الذي طرحه شكيب ارسلان: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ وردت عمليا على المفكر المتشائم الذي قال: الشرق شرق والغرب غرب، لا يلتقيان!
|