|

في انتظار الملاحقة
نشأت عنتر أمين - بعد حوالي ثمانية أشهر من إعلان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية القاضي الأرجنتيني لويس مورينو أوكامبو في 13 تموز/يوليو 2008 عن لائحة اتهام بحق الرئيس السوداني عمر البشير تتضمن اتهامه بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور غرب السودان، أصدرت الدائرة التمهيدية في المحكمة مذكرة توقيف الرئيس السوداني في 4 آذار/مارس 2009 بعدما أخفقت مساعي الدول الأفريقية والعربية لدى مجلس الأمن لتأجيل صدور قرار التوقيف والاعتقال.
وأصبح السودان بعد صدور مذكرة اعتقال بحق رئيسه – وهي الأولى من نوعها في حق رئيس لازال في السلطة –في موقف لا يُحسد عليه. وحسب ما هو متوقع عقب صدور المذكرة ستمنح المحكمة السودان فرصة لعدة أسابيع لتنفيذ القرار، بعدها ستطلب تدخل مجلس الأمن بحجة أن السودان لم يُنفذ قرار المحكمة.
وعلى الرغم من أن السودان ليس طرفاً في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة، فقد اختارت المحكمة بين أحد اتجاهين متقابلين فيما يتعلق بالقيمة القانونية لقرارات المحكمة ومدى إلزاميتها بالنسبة للدول غير الأطراف.
الاتجاه الأول يتمسك بالمبدأ العام الخاص بـ" نسبية آثار الاتفاقات والمواثيق الدولية"، ومن ثَمّ يرى أنصار هذا الاتجاه أن نظام روما الأساسي وكل ما ينشأ عنه – المحكمة وعملها وقرارتها – لا تلزم إلاّ أطرافها ولا تنتج آثارها القانونية إلاّ في مواجهتهم فقط.
أما الاتجاه الثاني، فيذهب إلى رأيٍ مُغاير مفاده أن الظروف والملابسات التي أحاطت بصدور الميثاق المنشيء للمحكمة – نظام روما – فضلاً عمّا تقتضيه العدالة الدولية وتحقيق مبادئ العدل والإنصاف تجعل من قواعد ومبادئ وأحكام نظام روما الأساسي ومن ثم المحكمة المنشأة بموجبه قواعدَ دوليةً آمرة لها إلزاميتها وقيمتها القانونية في مواجهة الكافة (Erga Omnes).
وبغض النظر عن تأييد أحد الاتجاهين، أو مناصرة أحد الفريقين، فإنه ينبغي بل ويجب علينا – وفي كل الأحوال – أن نكون مع العدالة الدولية، فأينما حلّت وجدت منا كل الترحاب، ومتى أمرت استُجيب لها، وحين تطلب المساعدة تجد منا كافة أشكال العون، بشرط أن تكون عدالةً قانونيةً مطلقة ومجردة بُغيتها وهدفها الوحيد هو إحقاق الحق، ورفع لواء العدل والإنصاف، لا أن تتبع أهواء وتوجهات السياسة، فالسياسة لا تعرفُ مفردة العدالة أصلاً، إنما هي – أي السياسة – تعترف بمفردات القوة، والمصالح، والتوازنات والمساومات، والمفاهيم التي تُبنى على الأرض.
لكنّ قرار المحكمة الجنائية الدولية الأخير بشأن توقيف الرئيس السوداني عمر البشير يضع العدالة الدولية في مأزقٍ كبير، وذلك للأسباب التالية:
أولاً: لأن المحكمة الجنائية تؤسس بذلك لسابقة قضائية جديدة وهي إصدار قرار توقيف ومذكرة اعتقال بحق رئيس دولة لا يزال في منصبه ويمارس مهام عمله، ومن ثَمّ ستكونُ مطالبةً بتطبيق هذا الحكم في حالاتٍ مستقبلية.
ثانياً: أن السودان ليس طرفاً في نظام روما الأساسي، ومن ثم المحكمة، وبذلك تكون المحكمة بإصدار المذكرة قد اختارت رأي الاتجاه الثاني والذي يؤيد القول بأن قرارات المحكمة تسرى وتنتج آثارها القانونية في مواجهة كافة الدول سواء كانت أعضاءً في النظام الأساسي أم لم تكنْ، مما يضع على عاتق المحكمة التزاماً قانونياً وأخلاقياً بالاستجابة لطلبات نظر الدعاوى المرفوعة ضد قادة الولايات المتحدة وإسرائيل (غير الأطراف) عن جرائمهم في أفغانستان والعراق وفلسطين. وربما يكون هذا هو النفع الذي يتحقق للعرب من هذه الضارة، إِذْ أنّ في تراثنا أنّ "رُبّ ضارةٍ نافعة".
ثالثاً: أن صدور مذكرة توقيف للرئيس السوداني يتناقض مع مبدأ مهم وثابت في القانون الدولي، وهو مبدأ حصانات رؤساء الدول ووزراء الخارجية أثناء شغلهم مناصبهم، وهو المبدأ الذي أكد عليه حكمٌ مهم صدر عن محكمة العدل الدولية بعدم جواز ملاحقة وزراء الخارجية أثناء تأديتهم مهامهم.
رابعاً: أن هذا الإجراء يضع المحكمة الجنائية الدولية في موقفٍ حرج، وهي التي رفضت قبل سنواتٍ قليلة طلبات لمنظمات دولية وحقوقيين بإجراء تحقيقات حول جرائم الأمريكيين في العراق. فضلاً عن أنه يتناقض مع البيان الذي صدر عن المحكمة ذاتها في14كانون الثاني/يناير 2009 الذي أعلنت فيه المحكمة عدم اختصاصها بالنظر في إذا ما كانت جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية (الواردة في المادة 5 من نظام روما الأساسي) قد ارتكبتها إسرائيل أثناء عدوانها الأخير على غزة والذي استمر 22 يوماً من القصف والقتل والتدمير.
كل هذا يكشف عن حجم الأزمة والمأزق القانوني الذي خلقته مذكرة اعتقال البشير، وذلك للأسباب التي ذكرناها آنفاً والتي تشكك بقدرٍ كبير في عدالة موقف المحكمة، وتدفع عليها بشبهة التسييس ووضع العدالة الدولية قي مأزقٍ كبير.
نشأت عنتر أمين، باحث مصري متخصص في العلوم السياسية والقانون الدولي العام.
|