|

انهيارات بعد أخرى
المتوسط اونلاين – "دفنوا أحياء.."، هذا ليس عنوان رواية طويلة أو اسم فيلم مصري ميلودرامي، بل هو عنوان تقرير أعدته منظمة العفو الدولية بشأن سكان المناطق العشوائية في القاهرة الذي يعيشون "بين فكي الفقر والإهمال"، كما وصفهم معدو التقرير.
وتدعو المنظمة مصر، في تقريرها الذي يصدر الثلاثاء، "السلطات المصرية إلى اتخاذ خطوات فورية لحماية أفقر سكان القاهرة ممن يعيشون في "مناطق غير آمنة" ويتهددهم خطر سقوط كتل صخرية ومخاطر أخرى"، محذرة من أن "أشد الناس فقرا في القاهرة عرضة للدفن أحياء داخل بيوتهم"، في إشارة إلى أن سكان 26 منطقة في العاصمة المصرية معرضون لخطر الموت حيث يتهددهم انهيار كتل صخرية.
وتعقيبا على هذه الحالة المزرية لسكان العشوائيات والمناطق الفقيرة والمعدمة في مصر، يؤكد مالكوم سمارت، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، إن "آلاف الفقراء في مصر يقعون فريسة بين فكي الفقر والإهمال مما قد يؤدي في نهاية الأمر إلى موتهم.. وعلى الحكومة المصرية أن تسارع إلى معالجة المخاطر التي يواجهها من يعيشون في مناطق توصف بأنها غير آمنة وأن تعمل على إيجاد حلول بالتشاور مع المتضررين بشكل مباشر".
ويستشهد سامرت في حديثه بوضع أهالي منطقة الدويقة الذي يزداد سوءا يوما بعد يوم منذ أن تعرّضت منازلهم العشوائية الواقعة في حي منشأة ناصر بالقاهرة لانهيار صخري مميت في 6 سبتمبر? أيلول 2008، راح ضحيته مئات المواطنين من متساكني المنطقة بسبب سقوط الصخور، حيث العديد منهم دفن تحت ركام منازلهم ولم يتمكن ذووهم من إخراج جثثهم حتى الآن، فيما تشردت أكثر من ألف أسرة بسبب تلك الكارثة. كما تسبَّب الانهيار الصخري حينئذ في تدمير العديد من المساكن، وترك الناجون من سكان حي الدويقة مشرَّدين في الشوارع لأيام عدة، ومنهم من تم نقله إلى مساكن سوزان مبارك، ومنهم من لا يزالون مقيمين في الشوارع والهضاب دون أي خدمات سواء مياه الشرب أو الكهرباء ووسائل المواصلات.
ويؤكد سامرت هنا أن "حادثة الدويقة كانت بمثابة كارثة محدقة ماثلة للعيان قبل وقوعها وكان الأمر معروفا تماما وكان هناك الكثير الذي يمكن عمله ويجب عمله لتجنب الكارثة والحيلولة دون إزهاق الأرواح".
ويقف التقرير، الذي يحمل عنوان "دفنوا أحياء.. سكان المناطق العشوائية في القاهرة بين فكي الفقر والإهمال"، عند هذه الحادثة، التي فتحت النار على إهمال المناطق العشوائية في مصر، منتقدا السلطات المصرية لـ"تقاعسها عن اتخاذ خطوات فعالة لحماية سكان منطقة الدويقة"، طالبا من الحكومة العمل على "تخفيف حدة المخاطر التي تهدد الأرواح في المناطق غير الآمنة في القاهرة الكبرى، وعددها 26 منطقة، وإلى حماية حقوق السكان في الصحة والمسكن الملائم، حيث أن جزءا هاما من سكان الدويقة وغيرها من المناطق غير الآمنة ما زالوا يعيشون في خوف على منحدرات خطرة أو تحت خطوط كهرباء ذات ضغط عال لأنهم لم يجدوا أي مكان آخر يلوذون به، بعدما حرموا من أن يكون لهم صوت فعال، وقوبلوا بالتجاهل إلى حد كبير من أولئك الذين بيدهم مقاليد السلطة".
وبسبب هذا التجاهل، الذي يعاني منه سكان الدويقة في جبل المقطم حتى من قبل وقوع الانهيار، حدثت مناوشات واشتباكات عديدو بين قوات الأمن المصرية والأهالي.. وبعث المتضررون بشكاوى لا تحصى ولا تعد إلى الجهات المسئولة يصفون فيها الوضع الذي يهدد حياتهم، ولكن لم تلق هذه الشكاوى صدى عند المسئولين فحدثت الكارثة، ورغم ذلك تواصلت شكاوى الأهالي والضحايا، مطالبين حكومتهم بتوفير أدنى مرافق الحماية لهم وتحقيق وعودها بضمان مساكن تؤوي عائلاتهم من التشرّد.
وخرج مئات الناس في مسيرات احتجاج عديدة ومظاهرات احتجاجية كثيرة منذ وقوع الانهيار، أحدثها تلك التي جرت منذ أيام قليلة مضت، (10?11)، حين خرج مئات الفقراء من سكان المنطقة في مظاهرة بعد أن أحسوا فجأة بهبوط حاد بالأرض، الأمر الذي أثار الفزع في قلوب الأهالي الذين كانوا نائمين وهرعوا للشوارع خشية تكرار سيناريو السنة الماضية، وتعرضهم للموت سحقا بالصخور المتداعية. ويطالب المواطنون الحكومة بأن تجد حلا فوريا وعاجلا لأوضاعهم الآخذة في التدهور حيث يقيمون وسط بؤرة من المخاطر الحقيقية تهددهم بالموت المحدق. وجاء تدخّل الحكومة سريعا، ومع انتشار رقعة المظاهرة وانضمام أعداد كبيرة إلى صفوف المحتجين، على الفور توجّهت جحافل من قوات الأمن والشرطة إلى الدويقة لفضِّ اعتصام الأهالي ومنع المواطنين من حصار قسم الشرطة أو الانتقال بالمظاهرة لأحياء أخرى مجاورة.
وحث هذا الوضع منظمة العفو الدولية على نشر تقريرها الذي يرصد وضع الدويقة المزري وفيه يطالب مالكوم سمارت "الحكومة المصرية بأن تضع برنامج عمل شامل لمعالجة المخاطر التي يواجهها من يعيشون في مناطق غير آمنة وأن تكفل حقوقهم في الحياة وفي الصحة وفي المسكن الملائم. ولتحقيق ذلك، يجب أن تسعى الحكومة إلى إشراك التجمعات المتضررة بشكل فعال، كما ينبغي عليها أن تكون مستعدة لتوفير مساكن مؤقتة على وجه السرعة للأشخاص الذين يلزم إجلاؤهم بسبب المخاطر الوشيكة، بالإضافة إلى توفير مساكن دائمة لهم".
ويوضح التقرير أن "السلطات المصرية تحركت على عجل في أعقاب انهيار الكتل الصخرية في الدويقة، من أجل تحديد المناطق الأخرى القريبة التي يتهددها الخطر وهدمت ما يزيد عن ألف مسكن مهدد، وفي غضون شهر كانت قد أعادت ايواء أكثر من 1750 أسرة، إلا إنها لم تمنحهم أمن الحيازة القانونية وتركتهم عرضة لخطر الإخلاء مستقبلا كما تركت أسرا أخرى بلا مسكن". وانتقد التقرير كذلك "إخلاء بعض الأسر قسرا وبمخالفة إجراءات الحماية التي يقضي بها القانون الدولي لحقوق الإنسان".
ورغم مرور سنة على كارثة الانهيار الصخري إلا أن نتائج التحقيق الرسمي لم تظهر بعد. وفيما تصرّح السلطات المصرية بأن ضحايا حادث الانهيار الصخري في منطقة الدويقة أسفر عن مصرع 107 أشخاص وإصابة 58 شخصا، يفنّد الناجون من الكارثة هذه الإحصائيات مؤكدين أن أعداد القتلى والجرحى أعلى من ذلك بكثير وتبلغ المئات، وأن كثيرين من أفراد أسرهم الذين مازالوا في عداد المفقودين، وربما يكونون قد دفنوا أحياء تحت الأنقاض بعد أن تمت تسوية الصخور في موقع الحادث".
ولم تهدأ بعد الضجة التي أثارتها كارثة الدويقة، حتى فجّرت صحيفة "الوفد" المصرية مفاجأة أخرى بكشفها عن سيناريو آخر على وشك الحدوث شبيه بمأساة أهالي الدويقة، حيث تحذّر "الوفد" من مغبة وقوع مأساة إنسانية أخرى في منطقة "تبة فرعون" القريبة لمنطقة الدويقة". وتوجد "تبة فرعون" في جبل المقطم، أيضا، بمنطقة زرزارة وتحتضن آلاف الأسر في بيوت عشوائية يرزحون تحت طائلة الفقر والعوز الاجتماعي، وإذا تجاهلتهم الحكومة أكثر، خاصة في هذا الوقت، فإن مصير الكثير منهم سينتهي تحت حجارة جبل المقطم الذي تهدد صخوره بالانهيار في أية لحظة.
|