|

نائب رئيس ومعتقلون
المتوسط اونلاين - في أحدث رد فعل بشأن التعذيب الذي يتعرّض له المعتقلون في سجون العراق، سواء الحكومية أو سجون ومعتقلات القوات الأميركية وحليفاتها، أعلنت السلطات العسكرية البريطانية أنها بصدد التحقيق في صحة اتهامات موجهة لقواتها في العراق، بارتكاب تجاوزات واعتداءات ضد مدنيين عراقيين خلال الفترة التي كانت تقوم فيها بمهام عسكرية هناك. ويطالب محامو محتجزين عراقيين سابقين بتقص علني للحقائق في كل دعاوى الانتهاكات خلال فترة وجود القوات البريطانية في جنوب العراق.
ويشير فيل شاينر، أحد المحامين الموكلين برفع قضايا نيابة عن الضحايا العراقيين، قد رصد 33 قضية انتهاكات وقعت منذ احتلال العراق عام 2003 من بينها قضايا اغتصاب وتعذيب وانتهاكات جنسية وجسدية. ومن بين الملفات المطروحة والتي كشف عنها شاينر، دعوى لفتى عراقي يبلغ من العمر 14 عاماً، يقول إنه أجبر على القيام بحركات جنسية، في حين ادعى رجل عراقي تعرضه للاغتصاب من قبل جنديين بريطانيين، فيما يؤكد معتقل آخر أنه تعرض للضرب لدى اعتقاله وان هراوات كهربائية استخدمت على أماكن حساسة من جسده، بينما يتشكي آخرون من أنهم أرغموا على التعري، ثم تعرضوا لانتهاكات والتقطت لهم صور فوتوغرافية حسبما ذكرت صحيفة "الاندبندنت". ومن بين القضايا التي تبحثها الوزارة أيضا اتهام جنود بريطانيين بتكديس سجناء عراقيين فوق بعضهم بعضا وصعقهم بالكهرباء مثلما حصل على أيدي الجنود الأميركيين في سجن أبوغريب غربي بغداد.
ومن أكثر الحالات إثارة للقلق، حسب "الإندبندنت"، قضية الشاب (ناصر غليم) الذي يقول: إن تعذيبه كان مستوحى من صور أُخذت في (أبو غريب) ، وكان ناصر يلعب كرة قدم في الشارع مع أصدقائه في أبريل 2007 عندما اقترب منه جنود بريطانيون في سيارتهم الجيب، وقام المترجم بإبلاغهم بأن البريطانيين يريدون أن يصطحبوهم إلى قاعدتهم. وعندما وصلوا إلى القاعدة وأزيلت العصبة عن عيونهم وجدوا أنفسهم وسط ستة جنود يطالبونهم بالاقتتال فيما بينهم أو منازلة الجنود. ويقول غليم: "إن الجنود كانوا يضحكون ويأخذون الصور، ثم وضعونا فوق بعضنا البعض، ووقف جندي على أجسامنا وهو يصرخ ضاحكا".. وتابع غليم: إن "جنودا أرغموا عراقيا أصغر سنا على خلع ملابسه كاملة، وبدأوا بالضحك وأخذ الصور له".
ويكشف صباح المختار، رئيس جمعية المحامين العرب في بريطانيا، أنَّ هناك عددا أكبر من المشتكين على قوات الاحتلال البريطانية في العراق لارتكابها انتهاكات ضد المعتقلين، مشيرا إلى أن عدد المتورطين في هذه الانتهاكات أكبر بكثير ممن جرى التحقيق معهم من الجنود البريطانيين، لكنه اعتبر أن هذه الخطوة ستفتح الباب للتحقيق جنائيا في أحداث أخرى مشابهة.
وتشغل مشكلة المعتقلين العراقيين في سجون ومعتقلات القوات الأميركية وقوات التحالف وتلك التابعة للسلطة العراقية الرأي العام دوليا، حيث أن آلاف العراقيين الأبرياء اعتقلوا على يد قوات الاحتلال الأميركية أو السلطات الحكومية بصورة غير مشروعة، وتعرّضوا للحبس التعسفي، والتعذيب والإعدامات الجماعية، كما تلقوا أبشع أنواع المعاملة التي تفتقر إلى ابسط حقوق الإنسان دون وجه حق ودون تهم تستحق ذلك الاعتقال.
وسُلّط الضوء على قضية المعتقلين في العراق بعدا عالميا واهتماما دوليا، بالخصوص، إبان نشر شبكة "سي بي إس نيوز" الأميركية في 28 نيسان 2004 الصور الشهيرة للمساجين في معتقل أبو غريب والتي تفضح الممارسات الوحشية للجنود الأميركيين ومعاملاتهم غير الإنسانية للمعتقلين العراقيين.
وفجرت تلك الصور حملات شنتها منظمات حقوق الإنسان للتنديد بالانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان، مؤكدة أن ما كشفته الصور يعد نقطة في بحر من "توحّش" الاحتلال وجزءا ضئيلا من "الحقد" الأميركي المسلّط على الشعب العراقي، وما خفي فمؤكد هو أعظم، خاصة وأنه لا تتوفر معلومات دقيقة عن أعدادهم أو أوضاعهم الإنسانية أو مصيرهم، كما لا يسمح للمنظمات الحقوقية سواء المحلية أو الدولية بزيارة المعتقلات الأميركية في العراق بدواع أمنية، باستثناء السماح للصليب الأحمر الدولي في بعض المناسبات بزيارة بعض السجون والمعتقلات المحددة من قبل قوات التحالف على غرار زيارة سجن مطار البصرة ومعسكر بوكا بالقرب من البصرة.
وقد قدّر أول إعلان من الأمم المتحدة عن أوضاع القتل والإعدامات والإحتجازات في العراق، نشر خلال سنوات العدوان الأولى، عدد المحتجزين والمعتقلين بـ 29565 معتقلا اعتقلوا بصورة غير مشروعة نصفهم في سجون قوات التحالف متعددة الجنسية، أما اليوم فإن هذا العدد تضاعف رغم غياب إحصائيات رسمية. وفي ذلك التقرير أكد مسئول بعثة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في العراق جياني ماكازيني: "تعتقد الأمم المتحدة أن عدد المحتجزين من قبل قوات التحالف أعلى بكثير مما تم سماعه، وان الـ15.000 عراقي المحتجزين "لأسباب أمنية طارئة" أعلى بكثير هو الآخر، مشيرا إلى أن "من بين إلـ15.343 المحتجزين من قبل السلطات المحلية العراقية، هناك 8.300 فقط تحت إشراف وزارة العدل، و6.000 شخص آخرون محتجزون من قبل وزارة الداخلية، و460 من قبل وزارة الدفاع، في حين أن وزارة العدل هي الجهة الوحيدة التي تتمتع بحق احتجاز المشتبه بهم لفترة تتجاوز 72 ساعة".. وكشف أن هناك أعدادا كبيرة من الأسرى المحتجزين "في عدد غير معروف من سجون قوات التحالف" وأن الأمم المتحدة ما زالت غير قادرة على الوصول إليهم. وفي تقرير حديث لها تدّعي قوات الاحتلال الأميركية أن عدد العراقيين المعتقلين في سجونها يبلغ حوالي سبعة آلاف معتقل في العراق. وكشف مسؤول المعتقلات في جيش الاحتلال في العراق "ديفيد كوانتاك" أن" القوات الأميركية بقي لديها حوالي سبعة آلاف معتقل عراقي في معسكري التاجي وكروبر، وهما المعتقلان الوحيدان اللذان يداران من قبل القوات الأميركية الآن".
وفيما تشير الدلائل إلى أن السجون والمعتقلات الأميركية في العراق منتشرة في كافة المحافظات بما فيها كردستان، لا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد هذه السجون والقواعد العسكرية الأميركية بالتحديد. أما أشهر السجون التي تديرها القوات الأميركية في العرق فهي: معتقل بوكا بمحافظة البصرة جنوبي البلاد، وسجن كروبر قرب مطار بغداد الدولي، وسجن سوسة في محافظة السليمانية شمالي العراق.
ويعد معسكر بوكا أكبر مراكز الاعتقال، وقدّر أحد الضباط الأميركيين عدد المعتقلين فيه بعشرين ألفا، فيما تشير بعض التقارير إلى أن العدد يتجاوز العشرين ألفا بكثير. وهناك أيضا ما يسمى المخيمات أو وهي مقسمة على أساس طائفي، وعددها المصرّح به هو 32 مخيما، يؤوي كل واحد منها من خمسمائة إلى ألف محتجز.
وتقدّر المنظمات الحقوقية والجهات المراقبة للوضع في العراق أن بلاد الرافدين مؤهلة لأن تصبح صاحبة أكبر عدد ممكن من السجون والمعتقلات، فعلاوة على سجون الجيش الأميركي، هناك سجون أخرى للحكومة العراقية ووزارة الداخلية ووزارة الدفاع ووزارة الأمن القومي والمخابرات وكذلك السجون الخاصة بالأحزاب السياسية.
ولا تقتصر فضائح الممارسات الوحشية ضد المعتقلين على القوات الأميركية وحلفائها، بل إن تقارير كثيرة تؤكد تورط الحكومة "العراقية" في جرائم تعذيب ضد عراقيين يندى لها الجبين. وقد فاحت رائحة تورّط الحكومة في أعقاب وفاة معتقل عراقي بسبب التعذيب المفرط، حيث اتهمت الحكومة التي يترأسها نوري المالكي، بتعذيب أحد المعتقلين في مركز اعتقال تديره القوات الحكومية، إلى حد الموت. وجاءت وفاة المعتقل العراقي نتيجة تعرضه للضرب والصدمات الكهربائية والحرق بالسجائر.
ويشهد الأميركي توماس كروز، الذي عمل مستشارا لمكتب حقوق الإنسان بوزارة الدفاع، بتورّط الحكومة في قضايا التعذيب، قائلا في تصريح لصحيفة "التايمز" البريطانية، إن قوات التحالف التي كانت تقودها الولايات المتحدة أغمضت عينها على عمليات تعذيب وانتهاكات قامت بها القوات "العراقية" منها عملية قتل عدنان عواد محمد الجميلي. وقال كروز إنه ناقش الموضوع مع مبعوثة غوردون براون، رئيس الوزراء البريطاني لحقوق الإنسان في بغداد. وتم إبلاغ السفارة البريطانية في بغداد التي طرحت الموضوع مع المسئولين العراقيين ولم تتم إدانة أحد في القضية. وقال المستشار الأميركي "نحن الأميركيين وقوات التحالف نذهب إلى هناك ونقول: "نريد تعليم العراقيين احترام القانون، وعليه فان ما نقوله ليس نفاقا فقط ولكنه مثير للسخرية وجود جهات تسمح لقتلة المعتقلين بالمشي بحرية وبحصانة من الإدانة".
|