|
الأربعاء, 13 أكتوبر 2010 21:30 |
د. إدريس جنداري - تعتبر الصحراء الغربية؛ جزءا لا يتجزأ من السيادة المغربية؛ وذلك استنادا إلى معطيات الجغرافيا والتاريخ والقانون الدولي. وكلها معطيات ثابتة؛ بإمكانها أن تحرج متغيرات السياسة الدولية؛ التي تتحكم فيها توازنات إيديولوجية واقتصادية وسياسية... تميل كفتها خلال كل مرحلة لطرف من الأطراف المتنازعة؛ ضدا على مبادئ الشرعية في أغلب الأحيان.
لقد ظلت الصحراء الغربية؛ مرتبطة لوقت قريب جدا بالوطن الأم (المغرب)؛ وذلك إلى حدود سبعينيات القرن العشرين؛ كتاريخ إجلاء آخر وجود استعماري إسباني من المنطقة. ولعل ميلاد الأطروحة الانفصالية؛ في موازاة مع هذا الانسحاب؛ ليطرح على القانون الدولي إشكالا عويصا؛ يتجلى في كون استعمار إسبانيا للمنطقة الصحراوية؛ التي كانت تحت السيادة المغربية قبل استعمارها؛ يسقط السيادة المغربية عليها؛ ويربطها بممثل لا شرعي؛ يعتبر وليد المرحلة الاستعمارية؛ وما رافقها من حيثيات الحرب الباردة !
وهذا يعني – في القانون الدولي طبعا- أن البلدان التي كانت مستعمرة؛ من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية؛ من طرف القوى الاستعمارية الأوربية؛ قد فقدت السيادة على أراضيها؛ بمجرد خضوعها للاستعمار!!! وهذا ما لم يتم عمليا؛ لأن هذه الدول استرجعت سيادتها على كامل ترابها الوطني؛ بمجرد إجلاء الوجود الاستعماري عنها.
* تسمية الصحراء الغربية تمييزا لها عن الصحراء الشرقية؛ التي ألحقها الاستعمار الفرنسي بالامتداد الجغرافي الجزائري. والامتدادين الصحراويين معا جزء لا يتجزأ من السيادة المغربية؛ ويجب الدفاع عنهما من دون تمييز.
لكن بخصوص حالة الصحراء الغربية المغربية؛ نجد الأمر مختلفا تماما؛ حيث تم تطبيق معايير استعمارية جديدة؛ بعد نجاح المقاومة الوطنية المغربية؛ في طرد آخر وجود استعماري من المنطقة؛ وذلك عبر تجنيد مواطنين صحراويين (وغير صحراويين) مغاربة؛ من طرف الاستعمار الاسباني؛ لتعويض تواجده الاستعماري.
إن جبهة البوليساريو؛ التي تدعي تمثيلها للساكنة الصحراوية؛ لا يستند وجودها في الحقيقة إلى أية معطيات؛ ترتبط بأسس الشرعية؛ سواء جغرافيا أوتاريخيا أوحضاريا - وهي الأسس التي يستند عليها القانون الدولي لإثبات الشرعية أونفيها- ما عدا –طبعا- استنادها إلى معطيات إيديولوجية واستعمارية؛ تؤيد شرعيتها المغلوطة.
إن مجموع هذه المعطيات؛ هي التي اعتمدتها محكمة العدل الدولية في لاهاي؛ حينما أكدت على الروابط الحضارية والجغرافية والتاريخية؛ التي تربط المغرب بامتداده الترابي في الصحراء؛ وهذه المعطيات هي ما يشكل في الأخير الإطار القانوني المؤطر لأسس الشرعية والسيادة.
البيعة كمقوم أساسي من مقومات السيادة
لقد توقف قضاة محكمة العدل الدولية على عنصر البيعة؛ كمعطى أساسي؛ يؤكد سيادة المغرب على صحرائه؛ وذلك اعتمادا على وثائق تاريخية تثبت ذلك. والبيعة تعتبر في القانون الإسلامي أساس الشرعية السياسية؛ التي تتمتع بها الدولة؛ في علاقتها بالجماعة أوالجماعات التي تدخل ضمن سيادتها. وذلك لأنها تعاقد بين الجماعة والسلطة التي تمثلها؛ انطلاقا من معايير واضحة يقبل بها الطرفان المتعاقدان.
ومن المؤكد تاريخيا؛ أن الدولة المغربية منذ تأسيسها مع الأدارسة (788-974 م) استلهمت روح القانون الإسلامي؛ الذي يربط أسس الشرعية السياسية بالبيعة؛ باعتبارها معيارا أساسيا يؤكد مشروعية أي نظام سياسي أوينفيها. والبيعة طريقة للشرعنة، وتستمد تأثيرها وقيمتها، لا اعتبارا لمضمونها التعاقدي، ولكن لأنها تمثل ارتباطا وبعثا للنموذج الذي أقيمت عليه السلطة الإسلامية الأصلية؛ ولذلك فإن استلهام روح هذه السلطة الأصلية؛ هوالذي يعطي للبيعة قيمتها وفعاليتها.
من هذا المنظور –إذن- حضرت البيعة في تاريخ المغرب السياسي؛ لأكثر من 12 قرنا؛ وعبر هذا الأسلوب السياسي؛ الذي يستمد قوته من روح القانون الإسلامي؛ استطاع المغرب أن يستمر كدولة كاملة السيادة ؛ رغم توالي الأنظمة الحاكمة؛ من الأدارسة حتى العلويين. وقد تمكن المغرب طوال هذه القرون؛ من تثبيت أسس الاستقرار والأمن في منطقة شاسعة؛ امتدت خلال بعض الفترات التاريخية؛ حتى أعماق إفريقيا؛ بل وامتدت سلطة المغرب إلى الأندلس؛ خلال العهدين المرابطي والموحدي.
وقد تم تأسيس نظام البيعة في المغرب؛ وفق قواعد محددة؛ بحيث احتفظ المغرب بنظام خاص لبيعة ملوكه، وفق منهج متميز في التنصيب. ولعل أهم أوجه هذا التميز؛ هواعتماد تقنية العقد المكتوب، حيث يتم تدوين عقد البيعة؛ على طريقة تحرير العقود؛ في أسلوب أدبي يتضمن قواعد البيع وأركانها والتزامات الطرفين المتعاقدين، وتذيل بتوقيعات لمختلف الطبقات والفئات؛ مع الإشهاد على ذلك والإقرار به.
يمكن مراجعة المؤرخ المغربي عبد الرحمان ابن زيدان في كتابه: "العز والصولة في معالم نظم الدولة ".
وقد عرف هذا النظام السياسي القائم على أساس البيعة؛ عرف تطورا كبيرا خلال العصر الحديث؛ في إطار الملكية الدستورية؛ التي ينص عليها الدستور المغربي. وقد كان هذا التطور نتيجة حتمية للنضال؛ الذي قادته النخبة المغربية؛ منذ مرحلة القرن التاسع عشر؛ واستمرارا مع الحركة الوطنية؛ التي قادت نضالا خارجيا؛ من اجل تحرير الوطن من ربقة الاستعمار؛ وداخليا من أجل ربح رهان دولة القانون والمؤسسات.
وحتى نؤكد على هذا التطور؛ الذي عرفه نظام البيعة في تاريخ المغرب السياسي؛ يمكن العودة إلى مرحلة القرن التاسع عشر؛ كمرحلة انتقالية؛ عرف خلالها المغرب تحولات جذرية في توجهاته؛ سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وفكريا...
وقد نتج عن هذه الديناميكية العامة التي عاشها المغرب؛ نتج حدث هام تجسد في عقد بيعة السلطان ( عبد الحفيظ) بعد خلع أخيه السلطان ( عبد العزيز) لما تورط هذا الأخير في المصادقة على ما فعله ممثلوه في مؤتمر الجزيرة الخضراء. وكرد مباشر؛ فقد ثار الشعب المغربي قاطبة على النظام السياسي القائم؛ وقدم دعما كبيرا للعلماء وأعيان الدولة؛ الذين قاموا بالثورة على السلطان وخلعه. وتم تنصيب السلطان (عبد الحفيظ) مكانه سنة 1908؛ وذلك وفق شروط؛ تضمنها عقد البيعة المكتوب:
- استرجاع الأراضي والأقاليم الضائعة
- تحرير المدن المحتلة
- رفض كل تدخل أجنبي في شؤون البلاد
- إلغاء ضريبة المكوس
- تقوية المؤسسات الإسلامية بتشجيع التعليم
- ضمان استقلالية القضاة ضد تطاولات القواد والعمال
(يمكن مراجعة: محمد المدني- حول المسألة الدستورية – مجلة أبحاث- ع: 6 – خريف 1984 )
إن التركيز على عنصر البيعة هنا؛ باعتباره مقوما أساسيا لإثبات سيادة المغرب على صحرائه؛ لهونابع من وعي تام للمغاربة؛ بالقوة القانونية التي تمثلها البيعة في الفكر السياسي الإسلامي؛ وأي محاولة للحد من قيمة هذا المقوم الحضاري والقانوني؛ لهي في العمق محاولة مغرضة؛ لقطع المغرب عن امتداده الحضاري والسياسي الإسلامي؛ أوهي محاولة بالأحرى للحد من فعالية التصور القانوني الإسلامي؛ الذي أثبت فعاليته وجدواه عبر مراحل التاريخ.
وإذا كان الاستعمار الإسباني ومعه الجزائر قد ركبا هذا الطريق مبكرا؛ عبر محاولاتهما اليائسة؛ لرفض البيعة كمقوم أساسي لإثبات سيادة المغرب على صحرائه؛ فإن قضاة محكمة العدل الدولية في لاهاي؛ لم تنطوعليهم الحيلة الإسبانية/الجزائرية؛ بل إن الوثائق التاريخية؛ أرغمتهم على الاعتراف بعلاقات حضارية ودينية؛ قائمة بين المغرب وامتداده الصحراوي؛ مع تركيزهم على مقوم البيعة كعنصر أساسي في هذه العلاقات.
ولعل الباحث الموضوعي في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي – وكامتداد له تاريخ الفكر السياسي المغربي- ليخلص إلى أن البيعة؛ ليست مقوما روحيا دينيا وحسب؛ ولكنها تتجاوز ذلك بكثير؛ إنها أساس قانوني؛ لإثبات سيادة دولة ما على امتدادها الترابي. وقد حضرت البيعة كمقوم أساسي على امتداد التاريخ الإسلامي؛ منذ بيعة الرضوان؛ كمرحلة تأسيسية؛ ومرورا ببيعة العقبة وبيعة الخلفاء الراشدين. كما أن الشرعية السياسية؛ خلال العصر الأموي والعباسي؛ كانت تنبني على أساس البيعة؛ ونفس المعيار القانوني اعتمد خلال الفتوحات الإسلامية؛ لإثبات دخول امتداد جغرافي ما ضمن سيادة الدولة الإسلامية.
إن المغرب حينما تقدم إلى محكمة العدل الدولية؛ بتوجيهاته حول مقومات السيادة على صحرائه؛ نبه قضاة المحكمة إلى الأخذ بعين الاعتبار ما يلي:
- أن المملكة المغربية تؤكد على وجود روابط سيادة بالصحراء الغربية نابعة من حيازة تاريخية للإقليم.
- يجب على المحكمة أن تضع في الحسبان الهيكلة الخاصة للدولة المغربية في تلك الحقبة التاريخية.
ومن خلال هذه التوجيهات التي قدمها المغرب للمحكمة الدولية؛ فإنه كان يطرح على طاولة قضاة المحكمة الدولية؛ إشكالا جوهريا يجب أن يأخذوه بعين الاعتبار؛ وهوإشكال يعود إلى المراحل التاريخية الأولى؛ التي أقام خلالها المغرب علاقة شرعية بامتداده الصحراوي؛ وقد تحكمت البيعة؛ باعتبارها مسوغا قانونيا؛ في شرعية هذه العلاقة.
وتأكيدا لشرعية العلاقة التي ربطت المغرب بامتداده الصحراوي؛ تؤكد الوثائق التاريخية أن ملوك المغرب؛ أولوا أقاليم الصحراء أهمية بالغة؛ وارتبطوا مع القبائل الصحراوية بعقد البيعة الشرعية؛ التي كانت تمكنهم من الإشراف المباشر على هذا الجزء من التراب المغربي.
ولذلك فإن علاقة الدولة المغربية بالأقاليم الصحراوية متجذرة في التاريخ، وازدادت متانة مع ظهور الأطماع الاستعمارية. فقد نزل المولى رشيد أثناء تأسيسه للنظام الجديد حتى تخوم السودان. واتبع المولى إسماعيل نفس النهج؛ حيث نجح في مراقبة كل أرجاء البلاد المغربية، وسار في جولة تفقدية في بداية عهده قادته حتى شنقيط ؛ وأرسل أحمد بن أخيه على رأس فرقة عسكرية لفض بعض النزاعات بين القبائل.
وإبان فترة الصراع بين أبناء المولى إسماعيل على السلطة، ظل العمال التابعون للمخزن المغربي متواجدين بشنقيط، فقد نزل المولى عبد الله مرتين إلى " دياني" قرب "تمبكتو" لاستخلاص الضرائب. وقام محمد بن عبد الله بتثبيت حفيد علي شندورة، المختار بن عمر بن علي؛ على إمارة الطرارزة، كما اهتم السلطان مولاي عبد الرحمان بهذا الإقليم؛ وعالج شؤونه ومشاكله مع رعاياه به، وهونفس النهج الذي اتبعه ابنه سيدي محمد بن عبد الرحمان؛ بعد مبايعته سلطانا على المغرب، موجهين اهتمامهم إلى مسألة التسلل الأجنبي إلى الأقاليم الجنوبية؛ التي بدأت تستفحل خلال القرن 19.
على أن السلطان مولاي الحسـن في متابعته لنفس الخطة؛ رفع اهتمامه بهذا الإقليم إلى مرتبة أعلى؛ بحيث سافر إليه بنفسه؛ في رحلة أولى وعين مجموعة من العمال وقائدا يستشيرون معه في أقوالهم وأفعالهم، ثم سافر في رحلة ثانية؛ منح أثناءها ظهيرا بتكليف إبراهيم بن علي بن محمد التكني بحراسة الشواطئ المجاورة لقبيلته، وظل يتابع محاولات التسرب الاستعمارية، ودعما لجهود وقف هذا التسلل عين محمد بن الحبيب التدرداري قائدا على قبائل مجاط والفويكات وثلث أيت لحسن وزركاط وتوبالت ولميار من الثكنة، ثم وسع قيادته بظهير آخر على قبيلة المناصير من أزركين.
يمكن في هذا الصدد مراجعة: أحمد السلمي الإدريسي، محاولة في مفهوم الروابط القانونية بين الدولة المغربية والأقاليم الصحراوية قبل 1912 – نقلا عن: عبد الحق ذهبي - نزاع الصحراء.. والشرعية الدولية- مقال منشور في عدة منابر إعلامية.
وتثبيتا لهذا الحضور المغربي في الصحراء؛ وبشكل سيادي؛ كما تؤكد على ذلك الوثائق التاريخية؛ فإن المغرب كان حريصا على إضفاء الشرعية على هذا الحضور؛ وذلك من خلال الارتباط مع قبائل الصحراء؛ بعقود بيعة؛ تم إبرامها عبر التراضي؛ بين سلاطين المغرب وممثلي القبائل الصحراوية. ويمكن في هذا الصدد التمثيل فقط ببعض النماذج :
- بيعة قبائل أهل الساحل والقبلة ودليم وبربوش والنغافرة ووادي مطاع وجرار وغيرهم، للمولى إسماعيل، وكان ذلك سنة 1089هـ؛ عندما دخل صحراء السوس، فبلغ أقا وطاطا وتيشيت وشنجيط وتخوم السودان. وقد تزوج آنذاك المولى إسماعيل الحرة خناثة بنت الشيخ بكار المغفري.
- بيعة أهل توات للسلطان عبد الملك بن مولاي إسماعيل سنة 1140هـ.
- بيعة للسلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام بمبادرة أحد الشيوخ الأعلام من صحراء شنكيط، وهوابن طوير الجنة الطالب احمد المصطفى الشنكيطي التشيني الوداني.
- بيعة لمولاي عبد الرحمان أيضا من الشيخ المختار الكنتي الحفيد ابن محمد بن المختار.
- بيعة لمولاي عبد الرحمان أيضا للشيخ احمد البكاي بن محمد بن المختار الكنتي.
- بيعة للسلطان محمد الرابع من إمام تندوف الشيخ محمد المختار ابن الأعمش الجنكي، وفيها يعلن عن بيعة الإقليم للسلطان العلوي محمد الرابع.
- بيعات الشيخ ماء العينين إلى السلاطين المغاربة، والذي كانت علاقاته بالحكومة الشريفة على أحسن وجه، ذلك أنه كان يعتبر فيما بين سنتي 1888 و1900 نائبا للمخزن في الصحراء لا فرق بينه وبين نواب السلطان في مراكش ومكناس وتافيلالت.
أنظر: عبد الحق ذهبي - نزاع الصحراء.. والشرعية الدولية- المرجع السابق
مشروعية تاريخية وقانونية ثابتة وتحديات إقليمية ودولية معرقلة
إن هذا الحضور المغربي في الصحراء؛ منذ تأسيس الدولة المغربية مع الأدارسة؛ ليس ادعاء يرتبط بمعطيات سياسية وإيديولوجية؛ ولكن تثبته وثائق تاريخية مغربية وعربية وأجنبية – سنأتي على تناولها-. وهذا ما يشكل دعما قويا لشرعية السيادة المغربية على الصحراء؛ بشكل لا يمكن أن تصمد أمامه معطيات المرحلة الاستعمارية؛ أوفرقعات الإيديولوجية.
ومع هذه المشروعية التاريخية والقانونية؛ التي تربط المغرب بصحرائه؛ يبقى العائق الكبير؛ الذي يعرقل تطبيق الشرعية الدولية؛ بناء على هذه المعطيات المتوفرة؛ هوأن جبهة البوليساريوالانفصالية؛ لا تمثل نفسها؛ ولذلك فهي لا تمتلك شرعية تمثيل الصحراويين؛ بقدر ما تنوب عن المصالح الاستعمارية في المنطقة؛ وفي الآن ذاته تحمي أطماع الدولة الجزائرية؛ التي تسعى إلى عرقلة المسيرة التنموية للمغرب بجميع الوسائل المتاحة. وهذا ما يفرض على المغرب –حقيقة- تغيير الخطة؛ في اتجاه الخصم الحقيقي؛ الذي يعرقل جميع الحلول المطروحة.
فمع إسبانيا يجب الحديث بشكل واضح وصريح مع الجار الشمالي؛ بخصوص تصفية الوجود الاستعماري؛ من الجنوب المغربي؛ ومن الجزر المغربية المحتلة؛ وكذلك من المدينتين المغربيتين المحتلتين (سبتة ومليلية)؛ إما بشكل تفاوضي؛ تقوده الديبلوماسية؛ وإما فتح المجال أمام الشعب المغربي؛ بنخبه وأحزابه ومجتمعه المدني؛ لمواجهة الوجود الاستعماري؛ والأكيد أن هذا الشعب الذي طرد الجنود الإسبان؛ عبر مسيرة سلمية ( المسيرة الخضراء 1975)؛ قادر اليوم على طرد ما تبقى من الأطماع الاستعمارية الإسبانية.
أما مع الجار الجزائري؛ فيجب التعبير بشكل واضح؛ عن التضايق المغربي من المواقف العدوانية للدولة الجزائرية تجاه المغرب؛ ويجب التعبير بصراحة عن الاستعداد المغربي لمواجهة هذه العدوانية؛ بمختلف الوسائل المتاحة. وفي هذا الصدد يجب الخروج من المواقف الازدواجية؛ التي حكمت علاقتنا بالجزائر لعقود؛ تحت مسمى العطف المغربي على أبناء ثورة المليون شهيد. وذلك لأن جنرالات الجزائر لا يقيمون وزنا لهذا النبل المغربي؛ الذي عبر عن نفسه في مناسبات عدة؛ سواء من خلال دفع المغرب ضريبة باهظة لمساعدة المقاومة الجزائرية خلال معركة إيسلي 1844؛ أومن خلال اجتزاء صحراء المغرب الشرقية؛ وضمها إلى الخريطة الجزائرية انتقاما من فرنسا ضد المغرب الذي دعم الجار الجزائري حتى اخر لحظة؛ ورفض أي مساومة من فرنسا حول استقلال الجزائر... ولعل قائمة هذه التضحيات لتطول لوفتحنا لها المجال أكثر. لكن ورغم كل هذه المواقف النبيلة من المغرب؛ فإن الجزائر ومنذ حصولها على الاستقلال؛ وهي تفكر في إيذاء المغرب وبجميع الوسائل؛ سواء عبر دعم معارضة الداخل؛ من خلال تمويل الخيار الثوري/اليساري الراديكالي؛ أوعبر خلق بؤر توتر في الصحراء المغربية؛ عبر احتضان منظمة انفصالية؛ ودعمها ماليا وعسكريا وسياسيا.
نحن جميعنا كشعوب مغاربية؛ لا نحبذ أي توترات بيننا؛ بل نطمح جميعا إلى ترسيخ أواصر الإخاء فيما بيننا؛ لمواجهة التحديات الخارجية؛ ولكن المعطيات على ارض الواقع تعاكس هذه الإرادات الصادقة؛ الشيء الذي يفرض علينا كمغاربة التعامل بواقعية مع التحدي الجزائري؛ الذي يهدد استقرارنا السياسي؛ وتنميتنا الاقتصادية.
إذا كانت سيادة المغرب على صحرائه ثابتة –إذن- بمعطيات التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي؛ فإن ن ما يتوجب على المغرب؛ هومواجهة التحديات الدولية والإقليمية؛ التي تعرقل أي حل مطروح لقضيتنا الوطنية الأولى.
د. إدريس جنداري، كاتب وباحث أكاديمي مغربي
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
|