خصاصة حتى العظم
وكالات - ذكرت تقارير لمنظمة اليونيسف ان هناك معدلات مخيفة من حالات سوء التغذية بين أطفال صعدة، المحافظة الواقعة في شمال اليمن التي تضررت جراء النزاع في السنوات الأخيرة.
فالوضع السيء في المحافظة أصبح جلياً للعيان خاصة بعد الكشف عن نتائج المسح الذي نفذته وزارة الصحة العامة والسكان بدعم من اليونيسف في وقت سابق من شهر أكتوبر.
وقد تبين أن نصف الأطفال البالغ عددهم 24,246 والذين تتراوح أعمارهم بين 6-59 شهراً ممن شملهم المسح المنفذ في يوليو 2010 في خمس مناطق غرب صعدة يعانون من سوء التغذية الحاد حيث وصلت النسبة إلى ثلاثة من أصل أربعة أطفال في إحدى المناطق. وعموماً أظهر المسح أن 17 % من الأطفال يعانون من سوء التغذية الحاد والشديد بينما يعاني 28 % من سوء التغذية الحاد المتوسط .
وقد صرح ممثل منظمة اليونيسف في اليمن جيرت كابيليري أن "سوء التغذية هو السبب الرئيسي لوفيات الأطفال الصغار في اليمن، وبالتالي فإن هذا الوضع المريع ينذر بكارثة على أطفال صعدة" وأضاف "مع اقتراب فصل الشتاء، قد يصبح آلاف الأطفال في خطر شديد ما لم تتخذ تدابير عاجلة للتعاطي مع هذه المشكلة" .
إن سوء التغذية الحاد الشديد يمثل مشكلة أساسية في اليمن خاصة بين الأطفال دون سن الخامسة من العمر. وتظهر أرقام اليونيسف أن 15 % من الأطفال يعانون من سوء التغذية الشديد. كما أن استمرارية النزاع في صعدة لفترة طويلة قد زاد المشكلة سوءاً عند أطفال المحافظة
هذا فضلاً عن تردي الأوضاع في جنوب اليمن بشرارة جديدة للتمرد ضد الحكومة في البلاد. وقد سلطت التقارير الإخبارية الدولية الأضواء على حصار الحكومة لمعقل يزعم بأنه لتنظيم القاعدة حدث على خلفية أعمال عنف مستمرة ومناهضة للحكومة في جميع أنحاء الجنوب.
ويدعو المحللون المحليون والمراقبون الدوليون إلى التوصل إلى تسوية سياسية بين الحكومة التي يهيمن عليها الشمال من جهة والجنوبيين الغاضبين من جهة أخرى. ولكن مشاكل اليمن الهيكلية والاقتصادية والديموغرافية قد تتجاوز قدرات الحكومة، كما يقول المحللون، فالأزمتين التوأمين، أي البطالة والنمو السكاني، تهددان بتضاؤل الأمل في أن يتجه اليمن نحو مستقبل أكثر سلاماً.
في مبنى مكتبي بالعاصمة صنعاء، يجلس 20 شاباً يمنياً في دائرة لمناقشة مستقبلهم، جميعهم في العشرينات من العمر وحاصلون على شهادات جامعية. ولكن على الرغم من حماسهم وإنجازاتهم التعليمية، إلا أن معظمهم عاطلون عن العمل. وبينما يحدث هؤلاء المتخرجون من برنامج التدريب المهني، الذي تديره مؤسسة اليمن للتدريب بهدف التوظيف، بتفاؤل عن آمالهم في العثور على عمل مجزي شخصياً ومالياً، ولكن الإحباط كان أيضاً بادٍ عليهم لعدم تحقيقهم أي نجاح في هذا الإطار حتى الآن.
وأحد هؤلاء طالب حاصل على درجة في الهندسة المدنية تقدم بطلبات للحصول على وظيفة في جميع الشركات الهندسية في العاصمة تقريباً، ولكنه لم يتمكن من العثور حتى على فرصة للتدريب. وبعد أن واجهوا الرفض المتكرر، يصف الطلاب أنفسهم بأنهم "مدمرون" "ومتشائمون" "ومصابون بخيبة أمل"
وقد تلقى خريجو مؤسسة اليمن للتدريب بهدف التوظيف تدريباً متخصصاً في اللغة الإنجليزية ومهارات الكمبيوتر التي عادة ما يفتقر إليها خريجو الجامعات، وسيعثر العديد منهم على وظيفة في غضون بضعة أشهر من انتهاء البرنامج، وهو ما لا يحظى به سوى عدد قليل جداً من اليمنيين.
وعلى مسافة قصيرة من مقر المؤسسة، ينتظر أكثر من 100 شاب في ثياب العمل عند تقاطع مزدحم على أمل أن يأتي مقاولون لاختيارهم للعمل في مشاريع البناء في جميع أنحاء العاصمة.
ومنهم من يعمل لمدة يوم واحد مقابل 9" دولارات" وهو دخل مجزي لهم نسبياً لكن الفرصة لا تأتي إلا نادرًا ليست يومية.
والعديد من هؤلاء حاصلون على شهادة الدراسة ثانوية وعدد قليل منهم يحمل شهادات جامعية كذلك. وإذا كان اليمنيون الحاصلون على مستوى جيد نسبياً من التعليم يعانون من أجل العثور على مجرد بضعة أيام من العمل منخفض الأجر في الأسبوع، فكيف سيكون مستقبل الاقتصاد؟
وتعتبر آفاق التوظيف بالنسبة للشباب في اليمن محدودة جداً إذ يعاني البلد من "طفرة في عدد الشباب"، وهي ظاهرة ديموغرافية موجودة في الكثير من البلدان النامية عند اتجاهها نحو خفض معدلات الخصوبة ووفيات الأطفال. ولكن عادة ما تنخفض معدلات الوفيات أولاً، ولذلك فإن الجمع المؤقت بين انخفاض معدلات الوفيات وارتفاع معدل الخصوبة يؤدي إلى التضخم السكاني.
ويترجم ارتفاع معدل الخصوبة في اليمن، بمتوسط قدره 4.5 طفل لكل امرأة إلى أحد أعلى معدلات النمو السكاني في العالم، أي حوالي 3 بالمائة. وتتراوح أعمار نحو ربع سكان اليمن بين 10 و19 سنة، مما يوحي بأن أزمة بطالة الشباب قد تزداد سوءاً على المدى المتوسط. وبما أن 46 بالمائة من السكان دون سن 16 سنة، فإن الصورة على المدى الطويل على نفس الدرجة من القتامة.
وقال الأرياني أنه "بحلول عام 2020 سيتعين خلق مليوني وظيفة فقط للحفاظ على معدلات البطالة عند مستويات يمكن السيطرة عليها" مضيفاً أن "الطفرة في عدد الشباب"، جنباً إلى جنب مع زيادة البطالة، قد تزعزع الاستقرار في البلاد، "فالشباب الذي يفتقد إلى الأمل قد يصبح شديد التقلب".
وفي السنوات الأخيرة، أصبحت نظرية "الطفرة في عدد الشباب" العدسة الأكثر شيوعاً التي يدرس علماء الاجتماع من خلالها الصراع. وفي تقرير لمجلس العلاقات الخارجية، كتب ليونيل بينر أن البلدان التي تعاني من طفرة في عدد الشباب "غالباً ما تتفشى فيها البطالة في النهاية وتنتشر بها تجمعات كبيرة من الشبان الساخطين الذين هم أكثر عرضة للتجنيد في حركات التمرد أو الجماعات الإرهابية. كما أن البلدان ذات المؤسسات السياسية الضعيفة أكثر عرضة للعنف والاضطرابات الاجتماعية المتصلة بطفرة الشباب".
ووفقاً لمنظمة حركة السكان الدولية Population Action International وقعت 80 بالمائة من الصراعات الأهلية الجديدة بين عامي 1970 و1999 في البلدان التي كان 60 بالمائة أو أكثر من سكانها دون سن الـ 30 سنة.
البطالة وعدم الاستقرار
ولدى اليمن تاريخ طويل من عدم الاستقرار، وقد تحدد فرص حصول الشباب اليمني على فرص اقتصادية ما إذا كانت البلاد ستستطيع السيطرة على مختلف الصراعات.
ورداً على سؤال عما إذا كان ارتفاع البطالة من شأنه أن يؤدي إلى زيادة عدم الاستقرار، قال المحلل السياسي اليمني عبد الغني الأرياني أن "الجواب الواضح هو نعم. فكل هذه التحديات لها جذورها في الضائقة الاقتصادية. وزيادة أحد العنصرين ستعني حدوث زيادة في الأخر كذلك".
وأضاف السقاف أنه على الرغم من أن السياسة هي السبب المباشر لعدم الاستقرار، إلا أن البطالة هي واحدة من الأسباب الهيكلية المتعددة لذلك جنباً إلى جنب مع الفقر وسوء نوعية الحياة والافتقار إلى الخدمات الاجتماعية.
وتدل حقيقة أن الصراع في محافظة صعدة الشمالية قد استعصى باستمرار على التسوية السياسية على أن الحلول السياسية قصيرة الأجل لا تفعل شيئاً يذكر لتخفيف أثار الأسباب الاقتصادية الكامنة وراء الصراع. وفي هذا الإطار قال معين الأرياني: "أعتقد أن الرصيد الحقيقي الوحيد في البلد هو الموارد البشرية. وإذا أردنا النجاة، يجب على الحكومة تخصيص مواردها لتنمية الموارد البشرية. |