|
الخميس, 11 نوفمبر 2010 02:22 |
نشأت عنتر أمين - تبدأ في مصر بعد أيامٍ قليلة معركة انتخابات مجلس الشعب لدورة ( 2010- 2015) وبالتحديد في الثامن والعشرين من شهر نوفمبر (تشرين ثاني الجاري)، وهو التاريخ الذي دعا الرئيس حسني مبارك إليه الناخبين لانتخاب 508 عضو نصفهم على الأقل عن العُمّال والفلاحين حسبما تقضي القواعد الدستورية والقانونية في البلاد.
وفي هذا الإطار، فقد أعلن الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم عن قائمة مرشحيه لخوض الانتخابات في الدقائق الأخيرة قبل الموعد الذي حددته اللجنة العليا للانتخابات لغلق باب الترشح في السابع من نوفمبر، وقد جاء هذا التأخر (مُتعمّداً) ضمن استراتيجية جديدة للحزب لمنع أو تقليل الانشقاقات في صفوف أعضائه ومنتسبيه والتي عانى منها الحزب في انتخابات 2005 وكادت تهدد احتفاظه بأغلبيته في المجلس لولا أن تداركها الحزب بإجراء غير قانوني وهو تحويل معظم الأعضاء الذين فازوا في الانتخابات بصفة (مستقل) إلى الحزب بعد إعلان النتائج النهائية.
وللإنصاف، فإن الحزب قد بذل جهوداً كبيرة هذه المرة على مدار الشهور والأسابيع الماضية لاختيار (فلترة) أفضل مرشحيه للمنافسة في الانتخابات القادمة، وقد مرّت عملية ( الفلترة – التصفية) بعدة مراحل بدءًا من الاستطلاعات الشعبية والاستفتاءات التلفونية والمجمعات الانتخابية والانتخابات الداخلية، وهي سلسلة طويلة من الإجراءات والمراحل حاذت اهتمام الشارع المصري، بشّرت في أول الأمر بخير، حيث تفاءل البعضُ بأنَّ مرشحي الحزب الحاكم – الذين غالباً ما يصبحون أعضاء المجلس – لن تحكم اختياراتهم مجرد عوامل المال والعلاقات والنفوذ كما كان يحدث في الدورات السابقة، وإنما سيؤخذ بعين الاعتبار آراء الشارع ورغبات المواطنين خاصة في ظل تقييمهم للنواب السابقين.
ولا أخفي أنني كنتُ واحداً من المتلهّفين لمعرفة نتيجة اختيارات الحزب لاعتبارات عدة أهمها بعد الفضول الشخصي، هو اختبار مدى جدية الحزب الحاكم في احترام رغبة الشعب في اختيار نوابه في انتخابات حرة ونزيهة. وبالتالي فإنَّ نقطة البدء في ذلك هي اختيار الحزب لمرشحيه، وبالتالي – كذلك – اختبار حالة التفاؤل التي أشرنا إليها، لعّلني أتحوّل إلى صف المتفائلين، وأتراجع عن ظنوني تجاه الحزب الوطني - وليس كل الظنِّ إثماً - وقبل أن نشير إلى عدد من الملاحظات على اختيارات مرشحي الحزب الوطني، يجب الإشارة إلى أمرين مهمين : الأمر الأول: وهو نقل معلومة للقارئ الكريم، وهي أنه قبل إعلان قائمة الحزب بأيامٍ قليلة انتشرت معلومات عن خطة الحزب ( أو نيته) للدفع بأكثر من مرشح على مقعد واحد في عدد من الدوائر، وذلك في الدوائر التي ثبُتَ لقيادات الحزب أن شعبية النواب السابقين قد تراجعت لصالح المنافسين، وبالتالي قرر الحزب أن ينافسَ نفسه لضمان عدم خسارة هذه المقاعد وفقدان الأغلبية، ومن ثمَّ برز اختراع الحزب الوطني الجديد (الدوائر المفتوحة) في مقابل (الدوائر المغلقة) التي دفع الحزب فيها بمرشح واحد فقط على كل مقعد لثقل هذا المرشح وشعبيته أو لكونه وزيراً أو قيادياً بارزاً في الحزب. وقد قام الحزب بالترشيح المتعدد لرجاله على 241 مقعد (مفتوح) وفقاً لجريدة الأهرام المسائي الحكومية ( عدد 8 نوفمبر)، ولذلك بلغ عدد مرشحي الحزب 835 للتنافس على 508 مقعد هي عدد مقاعد المجلس (حاصل جمع 444 عضو عن 222 دائرة عادية + 64 مرشحة مرأة عن 32 دائرة كوتة).
الأمر الثاني الذي يجب الإشارة إليه – هنا – هو أنَّ مخاوفي وظنوني بأنَّ الحزب الوطني الحاكم لن يسمح بإجراء انتخابات بالمعني الحقيقي له ما يبرره على الأقل من وجهة نظري الشخصية – بدءًا من التعديلات الدستورية التي مررها الحزب لإلغاء الإشراف القضائي على الانتخابات، مروراً بالرفض القاطع من جانب الحزب للرقابة الدولية، واختراع كوتة المرأة لضمان 64 مقعداً إضافياً يضمنون الأغلبية للحزب، وغيرها من ممارسات الحزب التي لم تنجح في تطمين ملايين الجماهير من أمثالي.
وبعد هذه المقدمة المعلوماتية الطويلة، فليسمح لي القارئ الكريم بالدخول مباشرةً إلى عدد من الملاحظات على اختيارات الحزب الوطني الحاكم في بلدنا الحبيبة مصر:
أولاً: أن الحزب الوطني قد لجأ لهذه الاستراتيجية ( الدوائر المفتوحة والمغلقة) لعدم ثقته في نوابه السابقين، والتي أثبتت استطلاعات الرأي التي قام بها الحزب تدني وتراجع شعبيتهم في دوائرهم، مما سبب مأزقاً للحزب والتردد في الدفع بالوجوه القديمة أمام وجوه جديدة برزت على الساحة وكسبت تأييد الجماهير، ولحرص الحزب على عدم حدوث انشقاق بين صفوفه، وبالتالي تهديد اغلبيته، فقام الحزب بهذا الإجراء لضمان الفوز بالمقاعد من ناحية، ومن ناحية أخرى ( لترضية) أكبر عدد من رجاله القدامى. وإن كان هذا الإجراء قد أعطى انطباعاً لدى قطاعات عريضة من الشعب بعدم وجود رؤية واضحة لدى الحزب لخوض الانتخابات القادمة، وعدم الجدية في الوقت ذاته للتعامل مع رغبات الشارع المصري. فضلاً عن أنه يُعد اعترافاً بفشل عدد كبير من نواب الحزب في المجلس السابق حيث تم الترشح المتعدد على 241 مقعد.
ثانياً: أن الحزب الوطني قد أصرّ على الدفع بعدد من النواب السابقين الذين أُثيرت حولهم الشبهات، وكانوا موضوعاً لأكثر من قضية رأي عام، وبالتالي باتوا غير مقبولين شعبياً، بل إنّ عدداً منهم قد وردت أسماؤهم في تحقيقاتٍ قضائية في قضايا مثل: قضية الفتنة الطائفية (نائب الوطني في نجع حمادي)، وقضية العلاج على نفقة الدولة (عدد من نواب محافظة البحيرة ودائرة قليوب بمحافظة القليوبية)، كما أصرَّ الحزب على الدفع بنائب دائرة العريش بمحافظة شمال سيناء الذي طالب في الدورة السابقة بضرب المتظاهرين ضد الحكومة بالرصاص، والمعروف إعلامياً (بنائب الرصاص)، وغيرهم من النواب الذين كان الحزب الوطني في غنى عن تحمّل أعباء هذا الاستفزاز و التحدي لرفض المواطنين لهذه الوجوه وغيرها. خاصةً وأن الحزب قد استبعد من ترشيحاته النائب (يحيي وهدان ) نائب دائرة باب الشعرية السابق بالقاهرة بعدما تردد اسمه في قضايا فساد واستيلاء على أملاك الدولة من بينها عقارات كانت ملكاً ليهود مصر آلت إلى الدولة في منطقة وسط البلد. وكذلك نائب دائرة مركز المنصورة (ولاء الحسيني) الذي تورط وعدد من أنصاره في قضية مقتل شاب من أنصار أحد منافسيه.
ثالثاً: لم تحمل اختيارات الحزب الوطني أية مفاجآت كُبرى سواء في الضم او الاستبعاد باستثناء استبعاد المهندس طارق الرفاعي من قائمة الوطني في دائرة بسنديلة بمحافظة الدقهلية لصالح رجل الحزب والنائب السابق اللواء مجدي عرفه، على الرغم من أنَّ الرفاعي يعمل مدير معلومات بالأمانة العامة للحزب الوطني وأحد المقربين من أمين الإعلام د. عليّ الدين هلال، كما ان الرفاعي – وللإنصاف – رجل مشهود له بالكفاءة وحسن السيرة والسمعة الطيبة، وهو من عائلة كبيرة ولها تاريخ مشرف، فعمّه هو الشهيد إبراهيم الرفاعي وهو عميد أركان حرب في قوات الصاعقة واستشهد أثناء حرب أكتوبر المجيدة 1973.
رابعاً : أن الحزب الوطني قد قام بتغيير صفة بعض مرشحيه الانتخابية من فئات إلى عمال والعكس، وذلك على الرغم من وجود بعضهم في المجلس السابق بصفته التي تحوّل منها، فلا عجبَ إذن أن نجدَ في البرلمان القادم نواب عن العمال والفلاحين كانوا منذ أيام يمثّلون العمال والفلاحين. وقد لجأ الحزب إلى هذا الإجراء لتجنيب بعض رجاله التصادم مع بعضهم البعض او مع الوزراء الذين تم الدفع بهم على قائمة الحزب والذين بلغ عددهم (8) وزراء في 6 محافظات.
وأخيراً، تبقى هناك تساؤلات مشروعة لدى الشارع المصري، تتعلّق بجدية الحزب الوطني في السماح بإجراء انتخابات حرة تعددية، وتتعلق كذلك بخطة الحزب الانتخابية، لعل أبرز هذه التساؤلات: هل يحترم الحزب الوطني حق جميع المواطنين في التصويت عن طريق بطاقة الرقم القومي وعلى النحو الذي أقرّته وبينته اللجنة العليا للانتخابات؟ وكيف يستطيع الناخب الاقتناع بقيام الحزب بتأييد أكثر من متنافس على مقعد واحد؟ وهل سيقوم الحزب بتأييد المتنافسين من أعضائه بذات القدر؟ وماذا سيكون رد فعل الحزب لو جاءت نتيجة هذه الخطة عكسية لصالح المعارضة والمستقلين ؟
تبقى في النهاية الإشارة إلى أنه في أثناء كتابة هذا المقال أوردت بعض صحف القاهرة الصادرة صباح الأربعاء (10 نوفمبر) أن لجنة الطعون الانتخابية في محافظة كفر الشيخ (شمال القاهرة) قد قررت إخلاء أربع دوائر من مرشحي الوطني (عمال) أمام المنافسين من المستقلين والمعارضة، وذلك بقبول الطعون المقدمة ضد مرشحي الوطني وتحويل صفاتهم الانتخابية من عمال إلى فئات، مما يعني أنه في حالة عدم التفاف الحزب الحاكم على هذه القرارت والأحكام القضائية، فإنَّ الحزب يكون قد خسر أربعة مقاعد خسارة محققة قبل إجراء الانتخابات بأكثر من أسبوعين.
في الختام نرجو أن يخيّب الحزب الوطني ظنوننا، وأن يحترم حق المواطنين في التصويت والاختيار، وأن يحترم قرارات اللجنة العليا للانتخابات ولجان الطعون، ونرجو أن تخرج هذه الانتخابات على خير من أجل مصرنا الحبيبة.
نشأت عنتر أمين، باحث دكتوراه في العلوم السياسية – جامعة القاهرة
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
|