|

محمد هجرس - بدايةُ أعتذر عن الاضطرار للجوء إلى العامية المصرية، واستحضار أحد أمثالها الشعبية، ليكون عنواناً، لتوصيف حالة أصبحت مقلقة، ومحيّرة.
ربما يكون الوضع المصري بعد ثورة 25 يناير، يشبه إحدى قصص علي بابا، كما في الخيال التاريخي مع "الأربعين حرامي" مع فارق كبير، هو أن حرامية الثورة ما أكثرهم، فيما علي بابا المصري، لا يزال يحلم بـ"تاج الجزيرة" ولم يكتشف بعد أنها ليست سوى "السلطانية" التي كان يشرب فيها حساؤه. فخرَّ مندهشاً ومتحسّراً!.
ليس هذا فقط، بل إن حالة الاندهاش والتشاؤم تتسع مع وجود عجزٍ شبه كلّي، سواء في إدارة الدولة، أو في إدارة الأزمة، وشلل كامل في إدارة التظاهر.
لذا.. مخطئٌ من لا يشفقُ على مصرَ الآن..
المصريون البسطاء، حائرون..
النخبُ السياسيةُ المتصارعةُ لا تكاد تتّفق على شيء،.
المجلسُ العسكريُّ متورّطٌ في محاولاتِ إرضاءِ الجميع، دونَ أن يرضى أحد..
والشارعُ المصريُّ، كما عايشتهُ وشاهدتهُ، طيلة أشهر ثلاثة، محكومٌ بالإشاعاتِ والأحلامِ والأوهامِ أيضاً، بعد ثورةٍ تعتبر من أعظم الثورات في العصر الحديث، ولكنها الآن ـ وبكل صراحةٍ ـ تتآكل الآن على أيدي متاجرينَ، ومتقلبي أفكار، ومنتحلي مواقف، وأبطالٌ من ورقٍ، ومزوري إعلامٍ، أصبحوا الآن في خنادق الثوّار، بعد أن كانوا من أشدّ مروّجي سياسات النظام السابق وحواريّيه والمطبّلين له.. وما اكثرهم!
صحيحٌ أن الثورة نجحت في قلب النظام، ولكنها لم تنجح في تغيير السلوك العام، فبقي المصري البسيط، متوجساً، ومتوتّراً، أو مغلوباً على أمره، وللأسف إن وجد مَن يجيب عليه، فإنه لا يثق فيه.. فما يحدثُ الآن على الساحة السياسية يفوق الوصف، يعني.. بالعامّية المصرية، وكما قال بائع متجوّل في سوق القاهرة:"أقطع دراعي لو فيه حد فاهم أي حاجة؟" ثم أكمل موجهاً نظرته لي :"ولو فيه.. يا ريت يفهّمني؟".
بينما أدرت وجهي يائساً سمعتُ من يردّ عليه :"يا ريت يحصل انقلاب عسكري ونستريح" فارتعدتُ رعباً، وتذكرت المثل العامي المصري الشهير "اللي يحضّر العفريت.. يصرفه" فوقفتُ مندهشاً، ومتسائلاً عن الذين "حضّروا عفاريت الثورة"، ولم يستطيعوا حتى الآن أن يصرفوها بسلام، ليعيدوا على الأقل الحد الأدنى من الطموحات، أو يحققوها.
بعد الثورة، استحضرت عفاريت كثيرة، بالمئات، بالآلاف، بالملايين ربما..
عفاريت في السياسة، وعفاريت في السلطة، وعفاريت في الشارع، وعفاريت في الإعلام، وعفاريت في الأحزاب، ولا "سليمان" ينصاعون له ـ ليس نائب الرئيس السابق عمر سليمان بالطبع ـ إذ أكلت دابة الأرض منسأة النظام، فهوى على سرير أبيض في قفص للمحاكمة، وسُرق خاتم الأمن والسطوة، لتبدأ مرحلة البحث عمّن يستطيع إعادة كل هذه العفاريت إلى محابسها، بعد أن تحوّل البلد إلى مدينة من مدن الجان السفليّة.
لا المجلس العسكري قادر على صرف العفريت وإعادته إلى قمقمه، ولا النخب السياسية التي كانت مختفية أيام النظام السابق، ولا الإخوان أو السلفيين، الذين يكتفون الآن فقط بـ"دعك" خاتم سليمان للسيطرة على الشارع وتهييجهم باسم الدين، ولا قادة الأقليّات الدينية التي كانت تستقوي بالنظام السابق، فأصبحت الآن أكثر خوفاً وطلباً للحماية، ولا الليبيراليين الذين فشلوا حتى الآن في أن يكونوا قوة مؤثرة مع استمرار أساليب التخوين والتخويف، ولا مرشحي الرئاسة المحتملين الذين "استحْلوا" هوجة الظهور الإعلامي بعدما صار افتتاح فضائية أسهل بكثير من تدشين عربة فول على ناصية الشارع، ولا ما يعرف بـ"فلول النظام" التي غيّرت وجهها ببجاحة، وباتت تتحدث عن الرغبة في التواجد وتصحيح المسار.. ولا حتى المواطنين الذين يعانون توابع كل هذه الفوضى.. ويبحثون عن حلقة زار أو "حجاب" سياسي يحل الأزمة
باختصار شديد.. لا أحد يتفق على أي شيء.. فـ"المولد صاحبه غايب"..
ولأن لا أحد فاهم أي حاجة، يبقى الوضع على ما هو عليه..
فقط نبقى نحن ومعنا كثيرون بانتظار "اللي يصرف العفريت".. بأي ثمن؟!
محمد هجرس، كاتب وصحافي مصري
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
|