|
نهلة الشهال - عينت «وثيقة المنامة» التي أصدرتها منذ أيام أبرز خمسة احزاب سياسية بحرينية، وعلى رأسها «حركة الوفاق» التي تمثل التيار الغالب في الوسط الشيعي، و«حركة وعد» العروبية اليسارية العريقة، المطالب الرئيسية للنضال الوطني البحريني اليوم، بعنوان «إنجاز التحول الديموقراطي في المملكة». والتوصل الى أرضية مشتركة للتوافق السياسي، حدثٌ هام فهو يعيِّن إطار الحراك الجاري.
حددت الوثيقة المطالب بالوصول الى ملكية دستورية عبر حكومة منتخبة ونظام انتخابي شفاف (بعكس ذاك القائم والمفصَّل للحصول على نتائج بعينها)، وإقرار فصل السلطات واستقلال القضاء، وإعادة تركيب الأجهزة الأمنية والعسكرية لتحقيق مشاركة كل فئات الشعب البحريني، وتعريف عقيدة تلك الأجهزة (مما يضمن تعيين مجالات تدخلها ويحول دون الاستنساب والاعتباط). وهذه مطالب بديهية بكل المقاييس. وفي مداخلات تلت الاعلان عن الوثيقة، أوضحت حركة الوفاق (التي حازت في الانتخابات النيابية الاخيرة على نصف مقاعد البرلمان إلا واحداً، واستقال نوابها بعد القمع الذي طال الاحتجاجات)، أنها انما تسعى للمشاركة في السلطة. وفي ذلك رد على الاتهامات التي تطالها وتدّعي أنها تخطط للهيمنة. بينما وبالمقابل، نشرت وزارة الإعلام بياناً (بالإنكليزية!) يقول باختصار إن البحرين جنة في الديموقراطية، وأن ما حققته في سنوات تطلب تحقيقه مئات السنين في الدول الغربية! وهو ابتذال مضحك، ولكنه يعني رفضاً صريحاً لتلك المطالب على تواضعها، وإغلاق للباب بوجه كل احتمال للتوصل الى تسوية توافقية مع المعارضة.
تستقوي السلطة في البحرين بقوات درع الجزيرة ومن خلفها بالسعودية، كما تستقوي بالولايات المتحدة التي تمتلك قاعدة للأسطول الاميركي الخامس هناك، وإلى جانب «خبراء» يتولون أشكالاً متنوعة من التدريب وإسداء النصائح في الادارات المختلفة، بما فيها غير العسكرية. وتدرك السلطة في تلك الجزيرة الصغيرة أنها تتحكم بموقع استراتيجي يتصل بتأمين استمرار إمدادات النفط الى الغرب، وكذلك بالمناورات المتعلقة بإيران القريبة. وقد عينت واشنطن جيفري فيلتمان مسؤولاً عن الملف البحريني، وهو الذي اكتسب خلال عمله سفيراً في لبنان، قبل ترقيته الاخيرة، خبرة كبيرة دانت بعض وقائعها الفضائح...خبرة في التلاعب بالأوضاع ودفعها في مسارات تناسب مصالح بلاده.
ولكن أكثر ما تستقوي به السلطة البحرينية هو نجاحها في إسدال تأويل طائفي على كل كلمة وتحرك يجريان في هذا البلد، حتى بات بعض الأئمة في المساجد السنية يطالبون بالاتحاد الكونفدرالي مع دول مجلس التعاون الخليجي، تخلصاً من حقائق الاجتماع والسياسة والتاريخ، التي راحت تُختصر كلها بالتعداد الطائفي.
وعلاوة على التصريحات الإيرانية الكارثية بهذا الصدد، فقد سهلت بعض اوساط المعارضة ذات الطابع الشيعي المهمة على السلطة، إذ دخلت وسط اعتصامات دوار اللؤلؤة في شباط/فبراير الماضي، تطلق شعارات طائفية، تتحدث هي الاخرى عن الأغلبية (الشيعية) في البلد، وعن المطالبة بـ«نظام جمهوري»، يصبح والحال تلك مجرد وسيلة لتأمين سيطرة الأكثرية العددية على الحكم. وهو ما وظفته السلطة الحاكمة بلمح البصر، مدّعية أن هناك مؤامرة انقلابية إيرانية، ومبررة بذا دعوتها السعودية الى نجدتها.
واليوم، تكرر اجزاء من المعارضة الخطأ نفسه. وهي بقيت خارج الائتلاف العريض المنتج لوثيقة المنامة، وبعضها تنظيمات بقيت ضعيفة رغم القمع المهول من قبل السلطة، الذي اتخذ منحى طائفياً عاماً يرافقه خطاب لا يقل طائفية ويتعمد الاستفزاز والاستقطاب المذهبي المقابل. فقد دُعي منذ عشرة أيام الى عقد مؤتمر في بيروت للبحث في «انتهاكات حقوق الانسان في البحرين وتوصيفها القانوني وملاحقتها جنائياً»، ليتبين أن على رأس المتدخلين أحمد الجلبي ـ من لا يعرف الرجل؟ ـ وأنه يرأس «المؤتمر العام لنصرة شعب البحرين». والجلبي ألقى بصفته تلك كلمة عارمة في المؤتمر، رغم رميه بحذاء، ورغم انسحاب الرئيس سليم الحص من القاعة حين اعتلائه المنبر.
«ضمير لبنان» لا يخطئ التصرف، وهو نموذج للرجل الحر الذي لم تتمكن سلطة من حرفه قيد أنملة عن قناعاته، مما قد يكون شاقاً على سواه. وقد حاول «منتدى البحرين لحقوق الانسان»، وهو أحد الداعين للمؤتمر، رتق الحادث، فتوجه منذ يومين الى الرئيس الحص بالشكر وبدرع تقديرية.
ومن الجلي أن تنظيم مشاركة الجلبي في هذا المؤتمر (وفي سواه من بعده مما بدأت تفوح رائحته)، رغم ما يمثله من تاريخ شائن في العلاقة مع الاميركيين والإسرائيليين، وفي عمله المنهجي على تغطية غزو العراق بحجج «محلية الصنع»، لا يبرره سوى طغيان المنطق الطائفي على عقول المنظمين، كمقياس وحيد لشرعية الحضور والتدخل. والمفجع ان قناة المنار الناطقة باسم حزب الله قامت بتغطية المؤتمر وبنقل حي لكافة وقائعه، وبثت الكلمة الكاملة للجلبي.
فيا قوم، قد طفح الكيل!! فإن تفهمنا مثلاً ـ دون تبريره ـ الحرج الذي تعانون منه حيال انتفاضة شعب سوريا، ونوعية تغطيتكم الاعلامية لهذا الملف (التي ترسِّخ وتكرس الاستقطاب المذهبي في لبنان والمنطقة)، واعتبرناه مراعاة لمصالح عليا مرتبطة بقدرات مقاومة إسرائيل، وليس بشيء آخر سوى ذلك، فهل نكون ـ كما بات يقال لنا بوقاحة عدوانية ـ نكذِّب على أنفسنا؟
هل حضور أحمد الجلبي («العميل بنمرة»، والطائفي حين تُملي عليه مصالحه ذلك) أهم من كل المعاني الأخرى؟ وأية خدمة تُسدى للنضال الوطني البحريني إذ يجري تشجيع بعض الفئات البحرينية على المسالك الطائفية، مما لا يمثل حلاً بأي مقياس سياسي.
والأهم ـ نعم، فهناك «أهم» حتى من التسبب بكل هذا الأذى للبحارنة ـ أن إعادة تلميع الجلبي وتقديمه في مناسبات نضالية، ومجالسته لأناس من طينة سليم الحص وخالد مشعل وسواهما، وتركه يتكلم عن حقوق الانسان وعن المحاسبة، كل ذلك يحفِّز «الجَلَبيين» المتكاثرين هذه الايام في أكثر من بلد، ويجعلهم مطمئنين الى ما يقومون به. ولهؤلاء وظيفة معلومة ومهندَسة، وهي السعي للسيطرة على الحراك العام بغرض احتوائه وتوجيهه بما يحصره في نتائج لا تضر بمصالح الغرب. فهذا الأخير يجابه، بما يملك من أدوات، حاجته لإعادة تنظيم هيمنته، بما فيها تمكنه من الاستمرار في النهب، بل وتجديد وسائله.
والغرب اليوم، لضعفه ومشكلاته الذاتية، يمكن أن يلجأ الى التخطيط لخيارات كارثية، بما فيها التشجيع على اندلاع حروب إقليمية، وعلى مفاقمة التفكك العام، إذ يخطر على بال خبرائه أنها قد توفر له شروطاً أفضل للتدخل، أو وبأضعف الإيمان، لتأمين السيطرة على مواقع استراتيجية تهمه، ولتذهب سائر الأجزاء الى الجحيم. ولذا، فجبه «الجلبيين» المتكاثرين جزء أساس من مهام حماية انتفاضة الناس من أجل مستقبلهم. ولا يمكن أبداً ان يتم ذلك إلا باعتماد مقاييس قيمية واضحة ومتماسكة، لا يخالطها الاضطراب... ومن الاضطراب أن يعود أحمد الجلبي شخصياً الى الواجهة بوصفه ليس فحسب مقبولاً ومحترماً، بل مرجعاً في النضال.
نهلة الشهال، كاتبة فلسطينية، والمقال مقتبس من مجلة "الحرية" |