|
إياد مسعود - تسود في أوساط بعض النخب الإسرائيلية حالة من الشك وعدم اليقين وضعف الاستقرار. شكلت ذكرى حرب تشرين مناسبة أتاحت لهذه النخب أن تفيض بما يساورها من قلق على مستقبل إسرائيل والمشروع الصهيوني.
لا يمكن اعتبار هذه النخب هامشية، حتى ولو كانت أعدادها متواضعة. فمن بينها، على سبيل المثال، حاييم رامون، الشخصية السياسية الإسرائيلية المعروفة، الذي نشأ في مدرسة حزب العمل، وكان رئيسا لبلدية القدس، كما ترأس فترة الهستدروت (اتحاد النقابات) وتولى أكثر من منصب وزاري، في عدد من الحكومات، وعندما أسس شارون، لأسباب سياسية ذات منحى تاريخي، حزبه الجديد «كاديما»، انقلب على حزب العمل (الذي لم يعد يماشي حركة التاريخ!) وانتمى إلى حزب شارون، ومازال فيه هو وزعيمه السابق في الحزب، بيريس.
أهم ما يقلق هذه النخب هي تطورات الحالة العربية المجاورة، والتي تتلاحق بشكل أثبت إلى أي حد باتت قيادة إسرائيل الحالية، وعلى رأسها نتنياهو، وليبرمان، عاجزة عن قراءة معانيها وتداعياتها، ليس على الحالة العربية فقط، بل وعلى إسرائيل أيضاً.
تستذكر هذه النخب الأجواء التي كانت سائدة في إسرائيل عشية حرب تشرين وكيف كانت القيادات الإسرائيلية، ذات الطابع «التاريخي»، تنظر باطمئنان شديد، وثقة عالية بالنفس، إلى الوضع العام الإقليمي، وتتطلع باسترخاء إلى أوضاع عربية، اعتقدت هذه القيادات أنها دائمة وثابتة ولن تتغير، وإنه فيما لو فكرت القيادات العربية بإجراء تغيير إقليمي بالقوة على خطوط القتال، فإن النتائج السلبية سوف ترتد على العرب أنفسهم، بعد أن باتت إسرائيل بمثابة «الدولة الإستثنائية»، التي لا تخضع لقوانين التاريخ وضروراته.
ومع ذلك، تواصل هذه النخب استذكارها، وقعت حرب تشرين، واهتزت فرائص إسرائيل، ولولا التدخل الحاسم للولايات المتحدة، ولولا لعبة القوى الكبرى، ووصول النزاع إلى مستواه شبه الحاسم بين «القطبين» الكبيرين، لما تمكنت إسرائيل من الفوز بقرار وقف إطلاق النار، ولما توقفت الجيوش العربية، على جبهتي الجولان وسيناء، حيث توقفت، ولكانت النتائج، وفقاً لحسابات هذه النخب كارثية.
السؤال المطروح الآن، على هذه النخب، والتي بدورها تطرحه على حكومة نتنياهو ـ ليبرمان هو التالي: من بإمكانه أن يقنع إسرائيل بأنها، بشكل أو بآخر، ليست أمام «حرب غفران» (كما تسمى حرب تشرين في الخطاب السياسي الإسرائيلي)، وليست أمام مفاجآت كارثية جديدة، لإنقاذ إسرائيل من كارثتها.
هذه النخب تقرأ الحالة الإسرائيلية وترى أن جبهات القتال الإسرائيلية أصبحت أربعاً، بعد أن كانت ثلاثاً. هناك الجبهة الشمالية (لبنان وسوريا) والوسطى (الضفة الفلسطينية والحدود مع الأردن وما خلفها) والجنوبية (غزة ومصر وما خلفهما). أما الرابعة فهي الجبهة الداخلية التي أصبحت واحدة كباقي الجبهات، لها غرف عملياتها الفرعية، المرتبطة بالمركزية، ولها أدواتها، وأسلحتها، وآليات عملها، ولها خططها وأهدافها. بل ربما باتت هي الخاصرة الرخوة لإسرائيل في ظل تجربتين:
الأولى تجربة الحرب مع لبنان عام 2006، حين انهمرت الصواريخ على «الداخل» الإسرائيلي، فأربكت وخلطت الأوراق، ونسف كل الحسابات التقليدية.
بإمكانك أن تحجز الشعب في ملاجئ ولكن ليس بإمكانك أن تمنع الصواريخ من السقوط على المدن والقرى والأرياف. هذه الصواريخ مازالت، باعتراف إسرائيل، جاهزة لتنطلق نحوها في لحظة ما، قد لا تكون هذه اللحظة، «إسرائيلية» بل قد تكون ذات صلة بالعلاقات «الأميركية، الإيرانية» أو بأية تطورات أخرى، كالعلاقات التركية، السورية، أو أية تطورات على المستوى الداخلي لأي دولة عربية مجاورة؛ كلبنان وسوريا على سبيل المثال.
الثانية وهي الأكثر خطورة، هذا الصراع الذي لا يتوقف بين «اليهود والعرب» داخل إسرائيل، والذي أوضحت التجارب، أنه جاهز للاشتعال بنيرانه الحارقة، بعود ثقاب واحد لا غير. كما هو الحال في قرية طوبا زنغريا (الجليلية) أو في يافا، أو في عطلة يوم السبت، أو في تدنيس مقابر المسلمين والمسيحيين. أو في كتابة شعارات «الموت للعرب» الذي تقرأ فيه النخب صورته المنعكسة في أذهان الآخرين في إطار رد الفعل، «الموت لليهود». وتفترض هذه النخب أن انفجار انتفاضة فلسطينية داخل إسرائيل (بين حملة الجنسية الإسرائيلية) لم يعد بحاجة لانفجار انتفاضة فلسطينية في الضفة والقطاع، كي تأتي الانتفاضة في إسرائيل كصدى لشقيقتها في المناطق المحتلة بل ربما انقلبت الأوضاع بحيث تتحول الانتفاضة في إسرائيل، المفجر للانتفاضة في الضفة كما في القطاع.
السبب هو عدم إدراك القيادات اليمينية، المتعنتة، لطبيعة العلاقات بين الفئات المختلفة داخل إسرائيل، ولعدم إدراكها لطبيعة الحالة العربية الجديدة (لماذا يزهر الربيع العربي خارجاً ولا يزهر داخل إسرائيل ربيع عربي مماثل؟) ولرفضها التسليم بالواقع القائم في المناطق المحتلة (حيث بدأ الرئيس أبو مازن يتحدث عن «ربيع فلسطيني»).
من هذه النقطة تنتقل هذه النخب لتتسائل عن السبب الذي يمنع نتنياهو من الوصول إلى حل مع القيادة الفلسطينية. وترى في هذا الامتناع تضييعاً لفرصة تاريخية، لأن القيادة الإسرائيلية، كما تتوقع النخب، لن تجد لها، حاضراً ولا مستقبلاً، قيادة فلسطينية مؤهلة للوصول إلى حل سلمي مع إسرائيل، أفضل من القيادة الفلسطينية الحالية. وتلاحظ هذه النخب أن القيادة الإسرائيلية تتلهى بالمفاوضات، ولا تدفع بها إلى الأمام، وفي الوقت نفسه تواصل بشغف غير مقنع، توسيع مشاريع الاستيطان.
بالمقابل تواصل القيادة الفلسطينية هجومها الدبلوماسي، وقد نجحت من خلاله، كما تعترف هذه النخب، في عزل إسرائيل على الصعيد العالمي، وإدانتها أخلاقياً، من خلال النجاح في تقديم إسرائيل، دولة احتلال، ودولة استعمار.
وتتساءل هذه النخب عن المشروع الحقيقي لنتنياهو، وتتساءل عن مصير إسرائيل، ومشروعها الصهيوني، فيما لو نجح الفلسطينيون على سبيل المثال، بإقناع العالم، وفي مقدمه الكونغرس الأميركي، بأنهم آخر شعب في العالم يخضع للاحتلال والاستعمار والتمييز العنصري، ويقترحون على الولايات المتحدة مشروعاً لا يقسم القدس ولا يزيل الاستيطان ولا يلغي الوجود في منطقة الأغوار، حلاً على غرار الحل في جنوب إفريقيا: «الصوت الواحد للشخص الواحد» وبحيث يصبح الفلسطينيون (في فلسطين الانتدابية) أغلبية عددية، ويصبح «صندوق الاقتراع هو الحل»، بما يزيل إسرائيل، ويزيل المشروع الصهيوني ويحول اليهود إلى أقلية، خاصة إذا ما فتحت الأبواب لعودة اللاجئين.
هذه النخب تسخر من غباء القيادة السياسية الإسرائيلية الحالية، وتتخوف من «حرب غفران» جديدة. قد لا تتخذ طابعاً شبيهاً بحرب 1973، ولا تكون فيها الطائرات والصواريخ والدبابات والأسلحة الأخرى أدواتها، بل تستند هذه الحرب هذه المرة إلى غباء القيادة السياسية الإسرائيلية، وإلى الإفادة من التطورات العربية والإقليمية والدولية.
لذلك تسارع هذه النخب إلى إحياء مشروع «أولمرت ـ ليفني» للحل، أي العودة إلى المفاوضات، والوصول مع الفلسطينيين إلى حل، يضمن لإسرائيل أن يبقى اليهود فيها هم الأكثرية.
كخلاصة يمكن القول إن تخوفات هذه النخب مشروعة، ولها ما يؤكد مصداقيتها. لكن معضلة هذه النخب أنها، هي الأخرى، فشلت في البحث عن حل يستجيب لأبعد مما تسمح به نظرية ليفني ـ أولمرت حول «حل الدولتين لشعبين».
|