|

تظاهرة جنوبية
المتوسط اونلاين - بالتوازي مع مسارعة القيادات العسكرية في صنعاء التأكيد على أن الحرب الدائرة ضد المتمردين الحوثيين في محافظة صعدة مستفيدة من الردع السعودي، انفجر الوضع في جنوب البلاد وارتفعت أصوات "الحراك الجنوبي" منادية بالانفصال، ووصل الأمر بالمنشق السابق علي سالم البيض إلى طلب الحماية الدولية "من سطوة الاحتلال الشمالي".
ورغم أن المعركة ضد الحوثيين لم تحسم نهائيا، إلا أن التقديرات تؤكد أن الجيش الحكومي قد حقق بعض المكاسب العسكرية، بعدما وجهت القوات السعودية، من جانبها، ضربات موجعة للمتمردين، معلنة تصميمها على تطهير المنطقة الحدودية، لكن التحدي الأخطر الذي بدأ يواجه نظام الرئيس علي عبد الله صالح هو التحرك الجنوبي، الذي من شأنه، إن تصاعد، أن يشفط أي حديث عن نصر في الشمال، بينما تشهد المعارضة في صنعاء ذاتها حراكا أهدأ ولكنه يوجه انتقادات شديدة لحكومة علي عبد الله صالح.
وكانت المعارضة المنضوية في إطار أحزاب اللقاء المشترك قد طالبت الرئيس علي عبدالله صالح باتخاذ خطوات عملية لبدء الحوار الذي دعا إليه، وعدم الاكتفاء بما اعتبرته "مجرد شعارات وخطابات تلفزيونية". وأكد الناطق الرسمي باسم المعارضة نايف القانص أن على صالح اتخاذ خطوات عملية تقرب للحوار من خلال اتخاذ لقرار إيقاف مهزلة الانتخابات التكميلية، لأن ذلك على حد قوله "يزيد من حدة الاحتقانات والتوترات ويتنافى مع ما تم الاتفاق عليه بين الأحزاب السياسية في شباط-فبراير الماضي".
وأشار القانص إلى رغبة المعارضة اتخاذ الرئيس خطوات عملية لإيقاف حرب صعدة وتأزيم الأوضاع في الجنوب وإيقاف محاكمة الصحف والصحافيين، والكشف عن المختطفين والمختفين قسرياً وإطلاق سراحهم، وعلى رأسهم الناشط السياسي والصحافي محمد المقالح وعودة حرية الرأي والتعبير على ما كانت عليه سابقاً على أقل تقدير.
وفي ظل هذا الوضع المتأزم بدأت بوادر تمرد في المناطق الجنوبية، وأصبحت مدينة عدن (عاصمة الجنوب السابقة) شبه مغلقة عسكريا وأرسلت السلطات آلاف الجنود والآليات العسكرية إلى المحافظات الجنوبية الملتهبة.
ويشير مراقبون إلى ارتفاع حالة الاستعداء الجنوبي لأبناء المحافظات الشمالية، بلغت ذروتها خلال إجازة عيد الأضحى الحالي، ووصلت إلى حد إراقة دماء الشماليين الذين يعرفونهم بالهوية أو بأرقام سياراتهم، في حين كان يقف الأمر في السابق عند حالات الاعتداء على سيارات الشماليين ونهب محتوياتها، وتم يوم الأحد الماضي قتل ثلاثة أشخاص شماليين على الطريق الرابطة بين صنعاء وعدن.
وخلال اليومين الماضيين، شنت السلطات اليمنية موجه اعتقالات واسعة في المحافظات الجنوبية، واعتقلت في عدن عشرات المتظاهرين أثناء محاولتهم إقامة مهرجان للاحتفال بالذكرى الـ 42 للاستقلال عن الاستعمار البريطاني والتي صادفت 30 من تشرين الثاني- نوفمبر المنقضي.
وأدى قمع الشرطة للمتظاهرين في عدن إلى تسيير اليمنيين في المحافظات المجاورة تظاهرات كبيرة شارك فيها الآلاف ورفعوا أعلام الجنوب وصور نائب الرئيس اليمني السابق علي سالم البيض وقطعوا الطريق الرئيسي بين صنعاء وعدن ، كما رفع المتظاهرون شعارات يؤيد بعضها انفصال الجنوب اليمني وأخرى تدعو إلى عدم تهميشه.
ويشهد جنوب اليمن منذ أشهر مواجهات يدعو فيها بعض الناشطين بصورة صريحة إلى الانفصال عن الشمال.
ويوم 25 تشرين الثاني- نوفمبر الماضي لقي 5 يمنيين مصرعهم وجرح 10 آخرون في اشتباكات مع قوات الامن أثناء تظاهرة احتجاجية قادها انفصاليو جنوب اليمن. وقال شهود عيان إن اثنين من القتلى، هم من قوات الامن اليمنية سقطا أثناء محاولتهم تفريق تظاهرة ضمت حوالى ألف من سكان محافظة شبوة جنوب اليمن.
ويواجه اليمن تمردا مسلحا في الشمال من قبل الحوثيين الذين يتهمون الحكومة اليمنية بالتهميش الاجتماعي والاقتصادي والديني، وما زالت المعارك الضارية مستمرة بين قوات الجيش اليمني والمسلحين الحوثيين وخاصة في محافظة صعدة في شمال البلاد ، وسقط من جراء هذه المعارك آلاف القتلى من الجانبين، وأدت أيضا إلى تشريد نحو 170 ألف شخص.
ومع ذلك، أكد وزير الدفاع اليمني اللواء محمد ناصر أحمد الثلاثاء “قرب الحسم واجتثاث ما تبقى من شراذم التمرد والتخريب بمحافظة صعدة"، مشيرا إلى أن “العناصر الحوثية باتت في الرمق الأخير، خصوصاً بعدما وجهت المؤسسة الدفاعية والأمنية ضربات ماحقة لمكامن ومعاقل تلك العناصر الخارجة على الإجماع الوطني والشعبي وعلى القيم الوطنية والنظام والقانون".
وكشف اللواء أحمد في حديث في أحد المعسكرات في محافظة صعدة أن القوات المسلحة اليمنية "فرضت حصاراً مطبقاً على منافذ تسريب الأسلحة والتمويل التي كانت تصل إلى المتمردين، ما جعلهم يعيشون في ضائقة كبيرة في التمويل والأسلحة ونقص في القوى البشرية ما دفعها إلى القيام بتصرفات طائشة غير مسؤولة، وأكد تحقيق قوات الجيش انتصارات كبيرة".
لكن الحوثيين من جهتهم، يقولون إنهم كثفوا هجماتهم على المواقع العسكرية التابعة للجيش اليمني المرابطة بالقرب من القصر الجمهوري في مدينة صعدة، وأكدت مصادر مطلعة في المدينة أن الحوثيين شنوا يومي الجمعة والسبت الماضيين هجمات على قوات الجيش في محاولة لاحتلال القصر الجمهوري.
ودفع الحوثيون بالمئات من مقاتليهم لاحتلال القصر، إلا أن قوات الجيش تصدت لهم ودارت اشتباكات عنيفة أسفرت عن مقتل وجرح العشرات من الجانبين، موضحة أن الجيش قصف مقراً تابعاً للحوثيين في منطقة ضحيان في مديرية مجز، حيث كان يجتمع عدد من قادة الحركة في أحد المنازل، وتم تدمير المبنى بكامله .
وهذه الحرب هي السادسة التي تندلع بين الجيش اليمني والمتمردين الحوثيين، ولكنها الأخطر على استقرار النظام منذ أن بدأت الحرب الأولى في منتصف يونيو في العام 2004 وخلفت الآلاف من القتلي والجرحي.
ويضع التمرد الشمالي والحراك الجنوبي مع بعض القلاقل في الوسط نظام الرئيس علي عبد الله صالح في أسوأ أزمة سياسية وأمنية في تاريخه، على الرغم من أن مراقبين كثيرين يؤكدون أن الرئيس صالح يمتلك ترسانة رهيبة من الدهاء والقدرة على المناورة للخروج من هذه الأزمة، وتحقيق "النصر"، ولكنه في كل الأحوال لن يكون "النصر" الذي يحلم به.
وإذا تمكن النظام من النجاة هذه المرة فمن المؤكد أن ذلك سيكون في صالح اليمن بجميع فصائله السياسية والمذهبية، فدروس الحرب والتمرد الأخيرة كانت بليغة جدا جعلت الجميع سواسية في دفع الثمن الباهظ.
|